لدغتان من جُحر واحد

سيف الله الهروي

سقطت بغداد مرّتين؛ مرة بغارة التتار، ومرة بهجوم الأمريكان. وإن نظرنا إلى أسباب السقوط، وجدناها متقاربة، بل من نفس الجُحر الذي  لدغ منه المسلمون في عهد آخر الخلفاء الدولة العباسية، لدغ منه في عصرنا هذا.

وذلك أنّ الخلفاء العباسيين من عهد الناصر لدين الله جدّ المعتصم، كانوا قد بدأوا يهتمّون بالروافض ويقدّمونهم من دون أن يشعروا بمؤامراتهم، واتخذوا منهم وزراء ورؤساء الديوان، وقضاة وشحنة، وأقطعوهم أراضي في بغداد، فأصبحت بغداد مدينة شبه رافضية، مشيرون وبطانة للخلفاء من الروافض الحاقدين، ورؤساء الجند روافض مفسدون. هؤلاء الروافض في حاشية الخلفاء هم الذين أثاروا الحقد والعداوة بين الخلافة، والدولة الخوارزمشاهية التركية السنية، وهؤلاء هم الذين نصحوا الخليفة أن يكاتب التتر ويطلب منهم الحرب على الدولة الخوارزمشاهية في عهد التتار.

ثم في عهد هولاكو الذي كان يرافقه أحبار الروافض أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي كانت مكاتبات بينه وبين الوزير ابن العلقمي الرافضي الوزير للمستعصم الخليفة العباسي، هولاكو كان خائفا من جيش الخليفة، فوعده الوزير بتخريب جيش الخلافة وتشتيتهم، وقد فعل ذلك لمّا طمأن الخليفة بأنه متمكّن في خواطر الرعية، ولا يجرؤ أحد على الطمع في الخلافة بحمد الله، ولا جرأة لأحد أن يرفع علم بادية الشقاق، والخلافة في عافية من بطش الأعداء، لذلك يعدّ إعطاء المال لجند عاطل من قبيل الإسراف، والإسراف ليس من الخصال المحمودة للأشراف، وادخار الخزائن محبوب واقتناء الدفائن مرغوب، فانخدع الخليفة بخطّة هذا الماكر، ورخّص في إخراج العساكر من بغداد، وادخار الدنانير والدراهم في الخزائن.

جمع ابن العلقمي في مدة قليلة خزائن كثيرة، وجمع الخراج كلّه في بيت المال (هذه الخزائن استولى عليها هولاكو بعدُ، ولم يعطِ العلقمي شيئا منها).

اجتهد الوزير الرافضي في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهّل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعا منه أن يزيل السنة بالكلية.

ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو العلقمي، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هلاكو خان لعنه الله، ثمّ عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هلاكو فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجة نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة … وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله، ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والخوجة نصير الدين الطوسي. (البداية والنهاية).

أشار ابن كثير إلى عاقبة العلقمي أيضاً: “ثم حصل له بعد ذلك من الإهانة والذل على أيدي التتار الذين مالأهم وزال عنه ستر الله، وذاق الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وقد رأته امرأة وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتار برذونا، وسائق يسوق به ويضرب فرسه، فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدا وغبينة وضيقا، وقلة وذلة … ودفن في قبور الروافض، وقد سمع بأذنيه، ورأى بعينيه من الإهانة من التتار والمسلمين ما لا يحد ولا يوصف.

لكن ماذا كان قبل السقوط الثاني لبغداد؟ جيء بالروافض من جنوب العراق، وبنيت لهم أحياء داخل بغداد، كل ذلك باسم القومية العربية، وأنها لا فرق بين عربي مسلم ونصراني، ولا بين عربي مسلم ورافضي، فأصبحت بغداد التي كانت خالية من الروافض أيام الحكم العثماني؛ مدينة شبه رافضية، تغلغل هؤلاء الروافض بدعم الاستكبار العالمي في مؤسسات الدولة، فكان سبعون في المائة من موظفي الحكومة في عهد صدام حسين من الروافض، ضبّاط ووزراء ورؤساء شرطة من الروافض، ومع كل هذا كانت صيحات مظلوميتهم تتعالى إلى عنان السماء كما يقول حارث الضاري، وانخدع بها بعض الجهال من الأحزاب السنية ممن تدّعي الإسلام، فتحالفوا معهم لإسقاط  أهمّ قلعة سنية في المنطقة، فلما طمأنوا الأمريكيين أن كل شيء بخير وأن العراق لا يملك النووي ولا الكيماوي، وأنه لا يوجد جند يتصدى لهم اقتحموها ظلما وعدوانا.

في عهد التتار كان الوزير رافضي، وفي عهد الأمريكان الوزراء وضباط الجيش والجنرالات روافض، في عهد التتار اصطحبوا معهم خوجة نصير الدين الطوسي ليفتي لهم بإراقة دماء الأبرياء، وفي عصرنا اصطحبوا معهم السيستاني وأمثاله.