فلتعتبر أمريكا من مصير السوفييت

موسی مهاجر

يُعد 15 من شهر فبراير من 1989 الميلادي يوم اعتزاز وفخر لجميع الشعب الأفغاني، ففي نفس اليوم كسروا عدوهم اللدود الاتحاد السوفياتي وطهروا أرضهم من تواجده المشؤوم، وهكذا حفظوا العالم الإسلامي أجمع من خطر الشيوعية.

إن هزيمة عدو الأمس تبعث الأمل في نفوس الأفغان المقاتلين ضد الاحتلال الأمريكي وتبشرهم بهزيمة العدو الجديد.

أفغانستان كانت تعتبر منطقة التأثير لروسيا، وكانت قد مارست كثيرا من الأعمال تمهيدا لاحتلالها والتأثير فيها؛ نشير إلى بعض الأمثلة منها فيما يلي:

تم تأسيس “حزب الشعب الديموقراطي” إبان حكومة “ظاهر شاه” لمد نفوذ الإشتراكية في أفغانستان بدعم من روسيا، وبدأت هذه الجماعة بقيادة “نور محمد تراقي” تتخذ مواقف عدائية صريحة ضد دين الإسلام.

ثم نشأت من هذا الحزب جماعة “برشم” تحت قيادة “ببراك كارمل”، ثم نشأ عن كلتيهما جماعة أخرى للشيوعيين باسم “ستم ملي” يرأسها “محمد طاهر البدخشاني”، وأخيرا وصل هؤلاء الشيوعيون حلفاء الروس إلى مناصب حكومية رفيعة في حكومة “داوود خان”، ولما امتد نفوذهم إلى جميع المناصب الحكومية قاموا بالانقلاب للحصول على حكم كامل ومطلق.

وفي الجانب العسكري وقعت أفغانستان في عهد الرئيس “محمد داوود خان” اتفاقية مع روسيا، وبعد هذه الاتفاقية تم استيراد الأسلحة والتجهيزات الحربية الروسية إلى أفغانستان، وفي عام 1338هـ ش ذهبت المجموعة الأولى من المتعلمين إلى الاتحاد السوفياتي لتلقي التدريب العسكري، ثم استمرت سلسلة إرسال المتعلمين إلى روسيا بدل تركيا لتلقي التعليم الحربي.

وكان هؤلاء المتعلمون يرجعون متلطخين بأدران الإلحاد والدهرية معتنقين أفكار الشيوعية، واستولى هؤلاء على الجيش الأفغاني، وكذا كان عدد كبير من الخبراء العسكريين الروس ينشطون تحت غطاء المستشارين في أفغانستان.

وقبيل الإحتلال الروسي، كان قد تم توقيع عدد من مشاريع أفغانستان الكبيرة والصغيرة مع الروس، منها “نفق سالنج” والشوارع الكبيرة في البلاد، وسد “نغلو” الكهربائي، والسدود الأخرى، ومزرعة “هاده” في نانجرهار، ومزارع “غازي آباد” و بناء المنازل في منطقة “مكرويان” في “كابول” وفي المجال الصحي مستشفى “سردار داؤد خان” العسكري في كابول، وتربية الأطباء الأفغان في جملة من المشاريع التي قامت بها روسيا.

وفي المجال التجاري كانت تجارة أفغانستان أكثر من 50% مع روسيا، وتم توقيع اتفاقية بيع غاز “شبرغان” أيضا مع روسيا، (على الرغم من أن روسيا بصفتها دولة إستعمارية كانت تعقب مصالحها، وأضرت بأفغانستان في هذه المعاهدات، ولكن الروس كانوا يسعون لترويج أفكار الشيوعية وتوسيع نفوذهم ومجابهة الدول الأخرى على صعيدها، ولذلك أحاطوا بأفغانستان وعزلوها عن العالم، واستقلوا بعلاقاتهم معها، وكانوا يمدون نفوذهم فيها، وينهبون خيراتها ويمهدون للاحتلال الروسي، ويبثون بذور الشيوعية السامة أكثر من ذي قبل. وبالجملة كانت روسيا تعتبر أفغانستان منطقة تأثير لها وتعاملها كدولة محتلة قبل الاحتلال.

وكانت أفغانستان لروسيا ذات أهمية قصوى لتوسيع “الاشتراكية”، وأخيرا اقتحمتها وهاجمتها بعد إيصال الشيوعيين فيها إلى سدة الحكم، وجعلت هذه الدولة تحت سلطانها، وكان آنذاك أكثر من ثلث سكان العالم تحت سقف الاشتراكية وكانت الاشتراكية قد أصبحت غولا تهابها أمريكا وحليفها الغرب.

وبما أن روسيا أحكمت سيطرتها على العديد من دول “أوراسيا” كانت تظن أنه لن يتجاسر أحد على النضال والصمود أمامها، ولو تجرأ فسيتم قمعه وتصفيته سريعا، وقد هزمت روسيا عن طريق القوة عددا من حركات المقاومة في المناطق التي احتلتها، فأرادت انتهاج نفس السياسة في أفغانستان، وقد كان قمع المقاومة الأفغانية ذا أهمية خاصة للروسيين، لأنهم كانوا يطمحون في الوصول عن هذا الطريق إلى عمق العالم الإسلامي، ومن ثم أخذوا في قتل الأفغان وأسرهم، وتهجيرهم وتدمير البنى التحتية.

ولكن الروس فوجئوا بمغايرة القصة تماما في أفغانستان، حيث لم يعتنق الأفكار الشيوعية سوى عدد ضئيل من الأفغان، و مظالم الروسيين لم ترعب الأفغان بل أجّجت فيهم روح المقاومة و قوّت عزائمهم وارتفعت هممهم، لأن الأفغان كانوا لا يهابون القتل والأسر والإبادات، بل قبلوا كل هذه المشاكل برحابة صدر، وأخيرا تمكن الأفغان بفضل من الله وببركة مقاومتهم الشرسة من إسقاط طاغية العصر وهزموه بإذن الله.

ويشتبك الأفغان الآن مع مستعمر آخر ويقارعونه، ولم يمل الأفغان من استمرار الحروب، فأخذوا في مقاومة ونضال العدوان الأمريكي لاسترداد الحرية الثمينة وأبرقوا سيوف المقاومة في آفاق الانتصار، وأمريكا الآن تحاول الخروج من فخ الهزيمة بمحاولات فاشلة أخيرة، وبعد حرب 17 عاما تريد أمريكا بوحشيتها الكاملة أن تبحث عن سبل نجاتها وبقائها في أفغانستان، ولكن يجب أن تدرك جيدا أنها ستلاقي مصير السوفييت أخيرا، لأن أمريكا تقود هذه الحرب من بعيد بتكاليف باهظة على عكس روسيا، وإنها لم تحصل في الأعوام السبعة عشر الماضية سوى الهزيمة، وكذا ليس لأمريكا أصدقاء أوفياء في أفغانستان، على غرار الذين صنعتهم روسيا من ذي قبل، بل اشترت ولاء أصحاب أفكار مختلفة بالدولارات والكراسي، وهؤلاء لن يغنوا عنها شيئا في الانتصار في الحرب.

إن أمريكا متورطة في حرب في منطقة لا تعتبر منطقة تأثير لها، وتطاردها مقاومة جهادية قوية متماسكة على عكس المقاومة الجهادية ضد الروس، ولذلك فإن هزيمة أمريكا في أفغانستان حتمية إن شاء الله.

فلتعتبر أمريكا من هزيمة السوفيات، ولتكفّ عن مواصلة الحرب، ولتسحب قواتها عن طريق سلمي ولتبادر إلى إنهاء احتلال أفغانستان.