لقمة أكبر من أفواه الصليبيين!

سيف الله الهروي

 

كان العام الميلادي 2015 عاما عسيرا على الاحتلال الأمريكي والحلف الأطلسي وعملائهم في أفغانستان، شهد فيه العالم تفجير مطعم فرنسي في كابول. فيه عززت المقاومة الإسلامية تقدّمها في إقليم هلمند، وشنّ مقاتلو الإمارة الإسلامية هجمات عديدة ضدّ مواقع قوّات الحكومة العميلة في إقليم هلمند جنوبي أفغانستان، وتمكّنوا من التقدّم نحو منطقة “سانغين” شمال شرق الإقليم، وشهد العالم كيف اقتحم جنود الإمارة مطار “قندهار”، وكيف اقتحموا دار ضيافة تابعة للأجانب وسط العاصمة كابل. خلال ذلك العام شهد العالم في “كابل” مقتل إسبانيين وأربعة من الشرطة العميلة، بهجوم نفذه مقاتلو الإمارة الإسلامية قرب السفارة الإسبانية بالحي الدبلوماسي بالعاصمة كابل، كما شهد العالم المتحدثَ باسم الإمارة الإسلامية وهو يعلن مسؤولية الحركة عن الهجوم على قاعدة “بغرام” وأشار إلى أنّ التفجير أسفر عن مقتل 19 أميركيا، وخلال ذلك العام شهد العالم سقوط مدينة “قندوز” شمال أفغانستان سقوطا مفاجئا أثار حيرة الجميع، كما شهد العالم مئات الاقتحامات العسكرية والعمليات الهجومية والإنغماسية والاستشهادية لأبطال الإمارة الإسلامية.

إنّ تلك الاقتحامات وكذلك عشرات بل مئات العمليات الهجومية والانغماسية لمقاتلي الإمارة الإسلامية التي توالت في أشهر متقاربة دفعت صحفا أميركية وأوروبية ووسائل إعلام محلّية إلى أن تنشر تقارير عن الأوضاع في أفغانستان تعترف فيها بأنّ الإمارة الإسلامية أصبحت في وضع ميداني أكثر تطورا ونموّا بالنسبة إلى السنوات السابقة، حيث قالت “واشنطن بوست” في إحدى تقاريرها: “إنّ كبار المسؤولين الأفغان والأميركيين بدؤوا يُدلون بشكل متزايد بتقييمات متشائمة حول موقف القوات الحكومية وتنامي تهديدات حركة طالبان”. وأضافت أنّ العام الجاري شهد مقتل حوالي 7000 من القوات الأفغانية وجرح حوالي 12 ألفا آخرين بزيادة تبلغ نسبتها 26% عن القتلى والمصابين في كامل عام 2014، ثمّ اعترفت الصحيفة بصعود الإمارة الإسلامية مشيرة: إلى أنه ونتيجة لصعود حركة طالبان المذكور تنتشر المزيد من قوات العمليات الخاصة الأميركية في مناطق الخطر لمساعدة الشرطة الأفغانية، الأمر الذي أدّى لتزايد القتلى والجرحى الأميركيين في الأشهر الأخيرة. ثم علّقت الصحيفة المذكورة: “بأنّ تزايد الضحايا الأميركيين في أفغانستان يدلّ على أن نهاية هذه الحرب بعيدة المنال”.

وذكرت التقارير المنشورة أيضا أنّه في الوقت الذي تشهد فيه “طالبان” نموّا مشهودا، لا تزال الحكومة العميلة في كابول غارقة في مشكلاتها كضعف الاقتصاد، وارتفاع البطالة واستشراء الفساد، الأمر الذي ولّد تذمّرا وغضبا عامّا ضد الحكومة، فالحكومة الضعيفة في كابول لم تحقق توقّعات الناس، ولم تكن على مستوى آمالهم، وقواتها تفتقر الضبط والنظام”.

في ذلك العام كانت حركة الإمارة الإسلامية تسيطر على حوالي 30% من المقاطعات في جميع أنحاء البلاد.

ومنذ ذلك العام وحتى العام الميلادي الحالي، ازداد تقدُّم مقاتلي الحركة وسيطرتهم على الأراضي إلى الضعفين، فقد نشرت أخيرا هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تقريرا عن مساحة الأراضي التي تسيطر عليها الإمارة الإسلامية في أفغانستان، حيث أوردت فيه أنّ “مسلّحي حركة طالبان، التي أنفقت قوى دولية بقيادة الولايات المتحدة مليارات الدولارات لهزيمتهم، ينشطون الآن في 70 في المئة من أفغانستان”.

وتحدثت شبكة مراسلي بي بي سي في أنحاء أفغانستان إلى أكثر من 1200 مصدر محلي في جميع أقاليم البلاد البالغ عددها 399 إقليما، لتقديم صورة شاملة عن جميع الهجمات خلال هذه الفترة. وأجريت المقابلات إمّا وجها لوجه وإما من خلال التليفون، وجرى التأكد من جميع المعلومات من مصدرين على الأقل، وفي حالات كثيرة من ست مصادر، حتى إنه في بعض الوقائع ذهب مراسلو بي بي سي إلى محطات الحافلات المحلية لإيجاد مسافرين قادمين من أقاليم نائية أو مناطق يصعب الوصول إليها من أجل التأكّد مرة أخرى فيما يتعلق بالوضع هناك. وأظهرت نتائج هذه الدارسة أن قرابة 15 مليون شخص، أي ما يعادل نصف السكان، يعيشون في مناطق إمّا تسيطر عليها حركة طالبان أو يتمتع فيها مسلحو الحركة بحضور نشط ويكثفون من هجماتهم بصورة منتظمة. وأظهر تحقيق بي بي سي أن طالبان تسيطر الآن سيطرة كاملة على 14 إقليما (تشكل أربعة في المئة من إجمالي مساحة البلاد) وتتمتع بحضور نشط وفعلي في 263 إقليما آخر (يشكلون 66 في المئة من إجمالي مساحة البلاد)، وهو ما يشير إلى زيادة كبيرة مقارنة بالتقريرات السابقة لحجم نفوذ طالبان.

وفي المناطق التي حُددت بأنها تشهد وجودا نشطا وعلنيا لطالبان، يشن المسلحون هجمات متكررة ضد مواقع الحكومة الأفغانية. وتتراوح تلك الهجمات بين هجمات جماعية منظمة وكبيرة على القواعد العسكرية وأخرى فردية ومتفرقة وكمائن ضد المواكب العسكرية ونقاط التفتيش التابعة للشرطة. ووقعت الهجمات التي جرى تسجيلها في فترة إجراء الدراسة بدرجات متفاوتة بين هجوم واحد كل ثلاث أشهر إلى هجُومَيْن أسبوعيا.

وخلال فترة البحث، توصّل تحقيق بي بي سي إلى أن 122 إقليما (تمثل نحو 30 في المئة من مساحة البلاد) لا يشهد حضورا لحركة طالبان. والمناطق التي تصنف على أنها تقع تحت سيطرة الحكومة الكاملة، لا يعني أنها مصونة من هجمات الحركة، فقد شهدت كابل وغيرها من المدن الكبرى، على سبيل المثال، هجمات عنيفة، شُنت من مناطق متاخمة أو من خلايا نائمة خلال فترة البحث وكذلك قبلها وبعدها.

هذا ومن جانب آخر أبلغ قائد القوات الأميركية في أفغانستان، قناة تلفزيونية أميركية مؤخراً أن قواته محاصرة في أفغانستان، ولا يمكنها أن تستخدم الطرق البرية، وأنها تستخدم فقط المروحيات، الأمر الذي يُذكر تماماً بما كانت تقوم به القوات الأميركية إبان احتلالها فيتنام في آخر أيامها.

واشنطن كعادتها صعّدت مع باكستان، وحاولت أن تحمّل إسلام آباد مسؤولية فشلها العسكري في أفغانستان، بدعوى أنها هي من تدعم حركة طالبان أفغانستان، وهو ما ردّ عليه وزير الخارجية الباكستاني خواجه أصف قائلاً: «إن على واشنطن أن تعترف بفشلها في أفغانستان…».

 

إنّ ما جرى أخيرا من عمليات نوعية وضخمة خلال أسبوع واحد ووسط العاصمة الأفغانية كابول كان بمثابة الرسالة الأقوى للداخل والخارج، خصوصاً أن العمليات أوقعت خسائر ضخمة، ووضعت مرة أخرى الاستراتيجية الأميركيةـ الأفغانية على المحك في مواجهة المقاومة القوية، وهو يعتبر نقلة نوعية في العمليات التي بدأت تركز على العاصمة.

إن هذه العمليات زعزعت ثقة الناس بالحكومة – ومن خلفها القوات الأميركية- المعنية جداً باستقرار حكومة أتت لإزاحة الإمارة الإسلامية، كما أثبتت فشل هؤلاء الصليبيين في تحقيق الأهداف التي من أجلها احتلوا أفغانستان، ودمروا أمنها وسلامتها، أثبت فشل هؤلاء الذين كانوا قد راهنوا على نهاية الإمارة الإسلامية بعد الاحتلال أوّلا، ثم راهنوا على نهايتها بعد رحيل بعض قادتها البارزين ثانيا، وأخيرا راهنوا بأن ينتزع تنظيم داعش الأرض من تحت أقدامها، لكن كل هذا لم يحصل، بل وصلت العمليات التي نفّذتها الحركة إلى قلب كابول كما حصل في الهجوم على فندق الكونتيننتال الذي أثار الرعب والخوف وسط العملاء في أفغانستان، وتحديداً بما يتعلق بمصيرهم ومصير من أتوا بهم وسلطوهم على الشعب الأفغاني، كما أن سيطرة الإمارة الإسلامية تضاعفت من ثلاثين في المائة من الأراضي إلى سبعين في المائة خلال ثلاثة أعوام فقط، وأنها في تزايد وتنامٍ بإذن الله لتثبت من جديد للمحتلين الصليبيين أن هذه البلاد لقمة كبيرة؛ أكبر من أفواه الصليبيين جميعا.