العلّامة الأزهري رحمه الله (صاحب تهذيب اللغة)

إعداد: جلال الدين

 

الأزهري صاحب تهذيب اللغة، من أعلام الإسلام، وكبار مدرسة اللسان العربي المبين، ولعل كتابه أكبر موسوعة موثوقة شملت جميع ألفاظ اللغة العربية، وكان من هراة ولد فيها وتوفي، فهو صورة هَرَوِيٍّ أصيل، رحمه الله.

قال الزِّرِكلي: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور: أحد الائمة في اللغة والأدب، مولده ووفاته في هراة (ولاية في جنوب أفغانستان) بخراسان. نسبته إلى جده “الأزهر” عني بالفقه فاشتهر به أولا، ثم غلب عليه التبحر في العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل وتوسع في أخبارهم. )الأعلام: 5 / 311)

قال السُّبكي: (727 -771هـ): هو محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الهروي أبو منصور الأزهري الهروي اللغوي صاحب تهذيب اللغة، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وسمع بهراة من الحسين بن إدريس، ومحمد بن عبد الرحمن السّامي، وطائفة.

ثم رحل إلى بغداد فسمع أبا القاسم البَغَوِي، وأبا بكر بن داود وإبراهيم بن عَرَفة نَفْطَوَيه، وابن السَّرَّاج وأبا الفضل الْمُنْذِرِيِّ، وعبد الله بن عروة وغيرهم.

روى عنه أبو يعقوب القَرَّاب وأبو ذر عبد بن أحمد، وأبو عثمان سعيد القَرَشي والحسين الباشاني وعلي بن أحمد بن خَمْرَوَيه وغيرهم.

وكان إمامًا فى اللغة، بصيرًا بالفقه عارفًا بالمذهب، عالي الإسناد، ثخين الورع، كثير العبادة والمراقبة، شديد الانتصار لألفاظ الشافعي، مُتَحَريًّا فى دينه، أدرك ابن دُريد (في بغداد) وامتنع أن يأخذ عنه اللغة.

ومن مصنفات الأزهري: “التهذيب” عشرة مجلدات وكتاب “التقريب” فى التفسير وكتاب “تفسير ألفاظ المزني”، وكتاب “علل القراءات” وكتاب “الرّوح وما ورد فيها من الكتاب والسنة” وكتاب تفسير “الأسماء الحسنى”، وتفسير “إصلاح المنطق” وتفسير “السبع الطوال” وتفسير “ديوان أبى تمام”.

ثم توفي في شهر ربيع الآخر سنة سبعين وثلاثمائة. (طبقات الشافعية الكبرى: 3 / 64-68)

وقال السُّبْكي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إذنا خاصا أخبرنا أبو علي الخلّال أخبرنا عبد الله بن عمر. ح: وكتب إليّ أحمد بن أبى طالب عن ابن عمر، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد أخبرنا علي بن أحمد بن خميرويه، حدثنا محمد ابن أحمد بن الأزهر إملاءً، حدثنا عبيد الله بن عروة حدثنا محمد بن الوليد، عن غُندر عن شعبة عن الحكم عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعليًّا فنهى عثمان عن المتعة وأن يجمع بينهما (الحج والعمرة)، فلما رأى ذلك عليٌّ أهّل بهما، فقال: لبيك بحجة وعمرة. فقال عثمان تراني أنهى الناس وأنت تفعله! فقال: لم أكن لأدَع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ إسناده صحيح.قال: وهو شيءٌ غريب؛ إذ فيه رواية على بن الحسين عن مروان وفيه تصويب مروان اجتهاد علي رضى الله عنه على اجتهاد عثمان رضى الله عنه مع كون مروان عثمانيا.

قيل وجد على أصل كتاب التهذيب بخط الأزهري:

وإن عناءً أن تعلِّم جاهلًا ** ويحسَب جهلًا أنه منك أعلمُ

متى يبلغ البنيانُ يومًا تمامَه؟! ** إذا كنتَ تَبْنِيْهِ وآخرُ يهدِمُ

فكيف بناءٌ خلفه ألفُ هادمٍ ** وألف وألف ثم ألف وأعظم

طبقات الشافعية: (3 / 68)

قال ابن خَلِّكان:(608 -681هـ): الأزهري (هو) اللغوي الإمام المشهور في اللغة؛ كان فقيها شافعيّ المذهب غلبت عليه اللغة فاشتهر بها، وكان متفقا على فضله وثقته ودرايته وورعه.

وكان أبو منصور المذكور جامعا لشتات اللغة، مطلعا على أسرارها ودقائقها،وصنف في اللغة كتاب التهذيب وهو من الكتب المختارة يكون أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي تستعملها الفقهاء في مجلد واحد، وهو عمدة الفقهاء في تفسير مايشكل عليهم من اللغة المتعلقة بالفقه. ورأى ببغداد أبا إسحاق الزَّجّاج وأبا بكر ابن الأنباري. وكانت ولادته سنة اثنين وثمانين ومائتين. وتوفي في سنة سبعين وثلثمائة في أواخرها، وقيل سنة إحدى وسبعين بمدينة هراة، رحمه الله تعالى.

وكان قد رحل وطاف في أرض العرب في طلب اللغة، ومما رواه أن أعرابيا قال: اللهم من ظلمني مرة فاجزه ومن ظلمني مرتين فاجزني واجزه، ومن ظلمني ثلاث مرات فاجزني ولا تجزه. (وفيات الأعيان: (4 / 334)

وقال الذهبي: العلامة، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي.وترك ابنَ دُرَيدٍ تورُّعًا، فإنه قال:دخلت داره فألفيتُه على كِبر سِنّه سَكران.

وكان رَأْساً في اللُّغَةِ وَالفِقْهِ.ثِقَةً، ثَبْتاً، دَيِّناً. قال الذهبي: قلتُ:وَقَعَ لِي مِنْ عَالِي حَدِيْثِهِ. (سير أعلام النبلاء:(31 / 369)

قال الأزهري حول خصائص كتابه (تهذيب اللغة)، في المقدمة:وكتابي هذا، وإن لم يكن جامعاً لمعاني التنزيل وألفاظ السنن كلّها، فإنه يَحُوز جملاً من فوائدها، ونُكتاً من غريبها ومعانيها، غير خارج فيها عن مذاهب المفسِّرين، ومسالك الأئمة المأمونين، من أهل العلم وأعلام اللغويّين، المعروفين بالمعرفة الثاقبة والدّين والاستقامة.

وقد دعاني إلى ما جمعتُ في هذا الكتاب خلالٌ ثلاثٌ: منها تقييد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عن أفواه العرب الذين شاهدتهم وأقمت بين ظهرانيهم سُنيَّات، إذ كان ما أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللغة في الكتب التي ألّفوها، والنوادر التي جمعوها لا ينوبُ منابَ المشاهدة، ولا يقوم مقام الدُّربة والعادة.

ومنها النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلَّهم يحتاجون إليه. وقد رُوِّينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:ألا إن الدينَ النصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.

والخلّة الثالثة: هي التي أكثر القصد: أني قرأت كتباً تصدَّى مؤلفوها لتحصيل لغات العرب فيها، مثل كتاب “العين” المنسوب إلى الخليل، ثم كتب من احتذى حَذْوَه في عصرنا هذا. وقد أخلَّ بها ما أنا ذاكره من دَخَلها وعَوارها بعقب ذكرى الأئمةِ المتقنين وعلماء اللغة المأمونين على ما دوّنوه من الكتب وأفادوا، وحصَّلوا من اللغات الصحيحة التي روَوها عن العرب، واستخرجوها من دواوين الشعراء المعروفين وحفظوها عن فصحاء الأعراب.

وكنت امتُحنتُ بالإسار سنةَ عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير (213 هـ)، وكان القومُ الذين وقعتُ في سهمهم عرباً عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش. فبقيت في إسارهم دهراً طويلاً.

وكنّا (مع عرب هوازن) نتشتَّى الدَّهناء(الدّهناء اسم جبالٍ، أي: نعيش في الشتاء في الدّهناء)، ونتربع الصَّمَّان (أي: نعيش في موضع الصَّمَّان في الربيع)، ونتقيَّظ السِّتارَين (السِّتارَين: اسم لوادي بني سعد)، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمّة ونوادر كثيرة، أوقعتُ أكثرها في مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إذا أتَتْ قراءتك عليها إن شاء الله.(تهذيب اللغة:1/7) (وذكر في داخل كتابه أنه أقام بالصمان شتوتين)

الهبير: بفتح أوله وكسر ثانيه: رمل زرود في طريق مكة (من العراق)، كانت عنده وقعة ابن أبي سعيد الْجَنَّابي القِرْمِطي بالحاج، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة 213هـ، قتلهم وسباهم، وأخذ أموالهم. (معجم البلدان: 5 / 392)