زيارات تحت جنح الظلام

زيارات مفاجئة ولقاءات خاطفة تستغرق عدة ساعات للمسؤولين الأمريكيين شهدت أفغانستان سلسلة منها في الآونة الأخيرة، فمن نائب “ترامب” “مايك بنس” ووزير خارجيته “تيلرسن” ووزير الدفاع “جيمز ماتيس” إلى رئيس هيئة الاركان المشتركة الأمريكية “دانفورد” كلهم جاءوا إلى أفغانستان في زيارات خاطفة وخفية، هرعوا إلى قاعدة باغرام الجوية، مكثوا سويعات هناك، وأعطوا تعليمات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لعملاءهم ثم غادروا المكان ورجعوا تحت جنح الليل.

ويكون المحتلون إبان وصولهم إلى أفغانستان مذعورين، ومرعوبين، إلى حد أنهم يفرضون الحظر على المراسلين المصاحبين لهم بنشر الأخبار والتقارير عن وصولهم.

وفي كل مرة يصف الأعداء مباحثاتهم بالـ”مهمة” دون الإفصاح عن تفاصيلها بالكامل، لكن ما يتم الإعلان عنه في وسائل الإعلام من تقييم العملية العسكرية، والتحدث مع مسؤولين أمريكيين وأفغان يعملون على الأرض، والتوصل لاستنتاجات بشأن الموقف، ومناقشة مباحثات السلام مع طالبان؛ يكون كافيا للخبراء والمحللين لوضع مزيد من الاحتمالات حول المعنى الحقيقي للزيارات، كما تساعدهم في ذلك نوعية السفر، وملامح الوجوه، وعلامات أخرى.

ووفقا للخبراء العسكريين فإن المسؤولين الأمريكيين يخفون أخبار سفرهم لأنهم يعرفون أن الشعب الأفغاني سيستقبلهم استقبالا لا يكاد يوجد له مثيل في العالم، ليس بباقات الزهور والورود، بل بالصواريخ والبارود، إنه استقبال الأفغان للغزاة المحتلين، وقد يبادرون إلى توجيه ضربات استباقية على المحتلين مما يرهبهم ويرعد فرائصهم، ويذهلهم عن تبجحاتهم ويزعجهم أمام بريق الكاميرات.

إن أمريكا تحاول إقناع الرأي العام بأنها رائدة للسلام في أفغانستان والعالم كله، وأنها جاءت لإرساء الأمن فيها، وأن زيارات مسؤوليها الكبار حلقة من هذه السلسلة، ولذلك يدندن المسؤولون الأمريكيون حول قضية السلام في أفغانستان بعد كل زيارة.

ولكن المتابع لشأن أفغانستان لا يخفى عليه بأن أمريكا تنافق وتسيء استخدام كلمة “السلام” بغية الوصول إلى أهدافها، فليس لها موقف موحد ثابت حول الأمر.

فأحيانا يطلقون حمامات السلام وأحيانا يضربون طبول الحرب، وبعضهم يصرّون على خيار استخدام القوة، ويفضلون الحرب على السلام، والبعض الآخرون يتسولون ويتطلعون للسلام.

فجيمس ماتيس يلح بأن الحل السلمي هو العلاج الأمثل لقضية أفغانستان، وعدو المسلمين “ترامب” يؤكد بأنهم سيستخدمون كل القوة العسكرية ضد طالبان في أفغانستان.

والحقيقة أن أمريكا هي المسعرة للحرب في شتى بقاع العالم، خاصة في أفغانستان، واليمن، والشام، والعراق، وليبيا وفلسطين …، إن أمريكا هي عدوة السلام، وتخادع الناس عبر ماكينتها الإعلامية بأن المسلمين هم أعداء السلام، حتى أن الكثير من العملاء أدركوا هذه الحقيقة بأن أمريكا لا تؤمن بالسلام ولا تترك الشعوب المسلمة المضطهدة ليعيشوا بأمن وسلامة.

إن أمريكا لا توافق على إنهاء الحرب في المنطقة، بل لا زالت تسعى جاهدة إلى إحداث انشطارات داخل حركة طالبان، وأما ما تعلنه من بذل جهود للسلام، هدفها منه الضغط على طالبان، لا إنهاء الحرب واستتباب الأمن.

إن أمريكا لا زالت تتجاهل هذه الحقيقة التاريخية؛ بأن الأفغان لم يستسلموا ولن يستسلموا أمام الاحتلال الأجنبي.

 

أيها المحتلون إنكم تناطحون قوما يتسابقون إلى الشهادة، ويتنافسون فيها، وقد رأيت بعيني نشيج الشباب المجاهد عندما يُخبَرون باستشهاد صديقهم أو زميلهم، ليس ألما وحرقة على فراقه بل تنافسا وغبطة بما أُكرم به من القتل في سبيل الله.

إنكم تقارعون قوما يعدون القتل في سبيل الله منقبة والموت على الفراش مشأمة، إنهم المسلمون الأفغان الذين أجبروا إمبراطوريات عديدة على التقهقر والإنسحاب، ومرغوا أنوفهم في التراب.

إن الأفغان لا يبالون بتهديدات “ترامب” ويصرحون بأنه قد مضى الوقت الذي كانت فيه أمريكا ترهب الناس بتهديداتها.

إن زعم شياطينكم بأن المجاهدين تعبوا من القتال بعد أكثر من 16 عامًا من الحرب باطل، فنحن لم نتعب من القتال في سبيل الله، ولن نكل ولن نمل بإذن الله.

إن قادتكم يكذبون بأن عناصر من طالبان أبدوا استعدادهم للتفاوض مع الحكومة الأفغانية، وسينضمون إلى عملية السلام قريبا.

فلم تستطع أمريكا إركاع الأفغان وإحداث الفرقة في صفوفهم بمليارات من الدولارات، وبذل آلاف من النفوس، وضغوطها العسكرية والسياسية ومؤامراتها الاستخباراتية والشيطانية واستخدام تقنيتها المتطورة، بل انتفاضة الأفغان المباركة مستمرة ومقاومتهم الجهادية متواصلة حتى خروج المحتلين.

وها قد فشلت إستراتيجية “ترامب” الظالمة الجديدة أمام صمود المجاهدين وثباتهم، فتوالت انتصاراتهم، وتمتد رقعة سيطرتهم يوما بعد يوم ولله الحمد.

وبحسب المحللين إن النقطة المهمة الدافعة لأمريكا على ابتعاث كبار مسؤوليها إلى أفغانستان هو رفع معنويات الجنود المنهارة، ورفع الروح في عملائهم اليائسين القانطين.

إن مجيء “المسؤولين الأمريكيين” المفاجئ وتصريحاتهم المتناقضة حول السلام غير المنسجمة مع متطلبات عملية السلام في المنطقة، لن تساهم في السلام، بل ستدمر السلام الحقيقي، فلو كانت أمريكا تريد السلام الحقيقي فلتبادر بإخراج جنودها وإيقاف الحرب في المنطقة، ولكنها للأسف تصر على الحرب تحت سقيفة السلام، وتنفخ في أتون الحرب، وتتفقد مصالحها في استمرار الحرب.