في الشدائد دروس وعظات

الشيخ محمود أبو العيون

هذه نظرية علمية صحيحة لا شكَّ فيها، بل سنة كونية ما تخلَّفت ولن تتخلَّف، بشرط أن يكون من نزلت به الشدَّة، أو أحاط به علمًا، جامعًا لصفات ثلاث: العقل، والثقافة، والتربية. يشهد بذلك أنَّ الإنسان مهما ارتقى في صفاته ومواهبه، أو انحطَّ في إدراكه وخلائقه، فلن يعدو مقصوده أن يكون جلب محبوب، أو دفع مكروه؛ فالتخلُّص من المكروهات حاجة ضرورية من حاجات النفس، كتحصيل المحبوبات سواء بسواء، ومما لا ريب فيه أنَّ الحاجة تفتق وجه الحيلة، وأنَّ المصائب مظهر المواهب، والشدائد تصهر النفس، وتشحذ الهمم، وتيقظ ما فيها من غفوة وخمود.

 

لولا اشتعالُ النَّارِ فيما جاورتْ  *** ما كان يُعرَف طِيبُ عَرفِ العُودِ

 

إنَّ الأُمَّة السعيدة هي التي تنتفع بالشدائد والمحن، وتكون في ذلك أشبه بالذهب يُصهر بالنَّار، فيصقل ويَنصُل ذهبًا خالصًا نقيًّا، فمهما أصابها من هزاهز الفتن، وكُرَب البلايا، فإنَّها تثبت للصدمة، وتسترشد في حاضرها بما أصاب غيرها من الأمم السالفة، وتأخذ نفسها بالحزامة، والبصر بما وفقت إليه من عظة واعتبار.

أمَّا الذين تجرَّدوا من تلك الخلال التي أسلفنا بيانها، فليس لهم حظٌّ من الاعتبار بالشدائد والانتفاع بها، وإنَّما الذي يصيبهم عند حلولها هو اليأس والقنوت، وهو موت الأحياء، إذ لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة. وإنَّ فردًا من الناس، أو أُمَّة من الأُمم على هذا النحو من ضروب الخور والضعف، جدراء بأن يصيبهم ما أصاب الأمم الضعيفة من الاستعباد والهوان، ثم الانقراض والفناء.

والذين أخذوا نصيبًا من الخصال المذكورة ولم يستوفوها، فأولئك يكون اعتبارهم بالشدائد، وانتفاعهم بها على قدر ما أخذوا وحصَّلوا، قلَّ أو كثر؛ وفي المشاهد الكونية، والمثل العلوية، وفي بطون التاريخ والحوادث الحاضرة، ما يشهد بذلك، ويدلُّ عليه أصدق دلالة. وإنَّ القرآن الكريم، وهو أجمع وأفضل كتاب أُنزل على خاتم الأنبياء وخيرهم صلى الله عليه وسلم، ذكر الشدائد التي نزلت بأُمم سلفت، وبيَّن أسبابها وبواعثها، وكرَّر ذلك في مواطن كثيرة، تنبيهًا للعقلاء، ولفتًا لأنظارهم إلى سنة الله في كونه، وعقَّب ذلك بنحو قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون}. [يوسف : 111]، وقوله: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود : 120]، وقوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر : 17]، عقَّب بهذه الآية كلَّ قصة من قصص أولئك الذين أهلكهم الله بسيئات أعمالهم.

وليست العبرة والعظة في الشدائد وحدها، بل إنَّ في السعادة عظة وعبرة، لذلك بيَّن الله سبحانه وتعالى في إسعاد من أسعدهم، الأعمال الصالحة التي سعدوا بها، فكما أنَّ الأعمال الصالحة سبب لارتقاء الفرد والجماعة، وسبب لتحصيل الحياة الطيبة، كذلك أضدادها سبب للتعس في الدنيا، وسوء المنقلب في الآخرة، وذلك حكمة القصص في القرآن، فما كان إلا لبيان سنة الله في خلقه التي لا تتبدَّل، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب : 62].

ولسنا نبعد بالمثل لذلك في القديم والحديث، فالتاريخ الإسلامي حدَّثنا عن الشِّدَّة لقيها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في دعوته حين تألَّب عليه المشركون، ووقفوا له بالمرصاد، وحاولوا أن يحولوا بينه وبين دعوته إلى الله تعالى، وإبلاغها إلى الناس كافة، وخذله في ذلك قومه من قريش، حتى أهله وأعمامه وبنو قرابته الأدنون. ألحَّ به صلى الله عليه وسلم العدوان والهوان، وقلَّ الصاحب، وعزَّ النصير، وضاقت عليه وعلى أصحابه، الفئة المجاهدة الصابرة القليلة، مكة وشعابها، وصارت قريش تنتقل معه من أذى إلى أذى، وتتبعه إلى المجامع والأسواق، يدعو الناس إلى التوحيد، فيقولون للناس: لا تسمعوا له، إنَّه كذاب، إنَّه ساحر، إنَّه مجنون!

كل ذلك احتمله النبي صابرًا، واحتمل أصحابه معه أعظم السخرية والمهانة، وباعوا أرواحهم معه بيع السماح، فلم يعدل به عن الدعوة إلى الله تعالى، وتبليغها بكافة الطرق إلى الناس، وجعل يعالج القوم باللين مرة وبالشدة أخرى، وفي غضون ذلك يظفر منهم بالرجل والرجلين والثلاثة ينضمون إلى صفوفه وينفحون عنه وعن أنفسهم، حتى إذا ضاق به خصومه ذرعًا، ويئسوا من انصرافه عن دعوته، وأنه إذا استمرَّ على ذلك نجح وخسروا في زعمهم- ائتمروا على قتله، وتلك نهاية مخيفة؛ ولكن الله أعلم نبيه الكريم بما ائتمروا به، ورأى المعصوم صلى الله عليه وسلم بوحي منه تعالى أن يفرَّ بدينه وبدعوته إلى قوم من أهل المدينة، تعاهدوا معه على النصر والهدم والدم، وهم بعض الأوس والخزرج من النساء والرجال لا يزيدون على المائة، كانوا قد تلاقوا معه سرًّا في بعضه حجيجهم إلى مكة، وسمعوا دعوته، واستجابوا له، وعقدوا معه هذا العهد. وإذ بيَّت الخصوم ما ائتمروا عليه من قتله صلى الله عليه وسلم في هدأة من الليل كان النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر يضرب في رمال الصحراء مهاجرًا إلى المدينة، وقد وصل إليها، وخاب القوم في اللحاق به؛ وفي المدينة أفجر فجر الإسلام، وانبثقت الدعوة فوَّارة، وتمت كلمة الله.

{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 90].

ولا جرم أنَّ الله سبحانه وتعالى حقق للمعصوم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضوان الله عليهم، نصره ووعده، تلقاء ما احتملوا واتقوا وصبروا وصدقوا، فبدَّل فقرهم غنى، وخوفهم أمنًا، وذلتهم عزة، وقلتهم كثرة، ووحدتهم جماعة، وبداوتهم حضارة، واستخلفهم في الأرض، ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأخضع لهم عروش الأكاسرة والقياصرة، وملَّكهم زمام الدنيا في المشرق والمغرب..

ولنضرب مثلًا لمن لم يستوفِ شرائط الكمال في الحياة، بل أخذ حظًّا منها، بفرنسا الصريعة الجريحة، تلك الدولة التي شارفت السماكين ثقافة وازدهارًا، وحضارة وعمرانًا، ونافست أقوى الأمم مالًا وجندًا وعتادًا، وأحاطت بعلوم الدنيا، حتى قصد إليها الوارد والمتردد من الشرق والغرب، ينهل من وردها الصافي شرابًا سائغًا، وضربت المثل للعالم كلِّه للحرية والإخاء والمساواة، وكانت مثابة للمضطهدين والمظلومين والفارين السياسيين من كلِّ ملة ونحلة؛ ولكن مع هذا كله كان ينقصها شرط أساسي لكمال الحياة وبقائها ظليلة؛ كان ينقصها التربية الخلقية، فقد نهلت وعلَّت من الشهوات، وأسرفت في الاستمتاع بكلِّ لذة آثمة، وتحللت من كلِّ قيد للآداب العامة، والأخلاق الفاضلة، وغفلت عن المصير للأمم التي استعبدتها الشهوات واللذات؛ لهذا لم تحتمل الشدة في لقاء العدوِّ، وانهارت عند أول صدمة، وضربت مثلًا للهزيمة والفشل؛ وفي ذلك دروس وعظات ينتفع بها غيرها من الأمم الأخرى في حاضرها ومستقبلها، فتأخذ نفسها بتحصين أخلاقها، فإنَّها الأساس للمنعة والقوة، وأمتن الروابط بين الأسر والعشائر وأبناء الوطن.

والحرب القائمة- وهي تعتبر من أكبر الشدائد على الإنسانية في التاريخ- فيها من العظات والعبر الشيء الكثير؛ فلقد علَّمتنا أنَّ المعاهدات الدولية التي كان الوفاء بها من أقدس الواجبات، والشرف الدولي، لا وزن لها ولا اعتبار، بل هي قصاصات ورق، وأنَّ على كلِّ أمة أن تأخذ حذرها من الأخرى مهما كان بينهما من عهود ومواثيق.

وعلمتنا أن لا قيمة للكيان السياسي لأيِّ أُمَّة إلا بما تحرزه من قوة التسليح والتجنيد، وأن لا قيمة للدول الصغيرة إلا باتحادها وترابطها كتلة واحدة. وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

وعلَّمتنا أنَّ دعاية الأمم إلى احترام الحريات السياسية، والرثاء لها والبكاء عليها، وأنَّ الدعاية إلى نقص التسليح، ووضع موازنة عامة للدول المسلحة، كلُّ ذلك وهم وكذب وتضليل، وإنما هو حيلة الثعلب لتنويم الفريسة.

وعلَّمتنا أنَّ العلم كالسكين تذبح بها الذبيحة للتذكية، ويذبح بها الإنسان للانتقام والشهوة، وأنَّ علم الدنيا لا يعصم المتصف به من اقتراف الشرور والآثام، وأنَّه وحده لا يثقف الروح، وإنما يغذي الناحية الحيوانية في الإنسان ويجعله حيوانًا شرسًا فتاكًا؛ فهذه المجازر البشرية، ومحق الملايين من الخلق بلا رحمة ولا شفقة، وتركها في العراء تعافها الوحوش والطيور، أكبر دليل على ذلك.

وعلَّمتنا أخيرًا أنَّ المدنيات الحاضرة هي مدنيات كاذبة، وأنَّه جدير بالعالم أن يبحث من جديد عن مدنية جديدة تكفل له الاطمئنان والاستقرار والسعادة، وتلك المدنية الجديدة التي نعنيها، هي الرجوع إلى الدين الصحيح.