ليبيننه للناس ولا يكتمونه

عرفان بلخي

 

من المقرر أن يعقد مؤتمر حول الأزمة الأفغانية في اندونيسيا ويشترك فيه علماء من ثلاث دول: باكستان، وافغانستان والبلد المضيف. ويوم كنا بصدد تسويد هذا المقال، قال نائب الرئيس (يوسف كالا) حول هذا المؤتمر: “لقد ناقشنا الاستعدادات لعقد مؤتمر العلماء من أفغانستان وباكستان وإندونيسيا الذي سيعقد هذا الشهر.”. وقال: “إن الاجتماع الديني الثلاثي كان في جوهره مبادرة لاستعادة السلام بين الشعب الافغاني ويمكن أن يؤدي الاجتماع إلى اتفاقات توصية أو مرسوم لاستعادة السلام في أفغانستان”. والجدير بالذكر أنه تم اختيار إندونيسيا من قبل أفغانستان للتوسط في هذه المسألة بسبب موقفها المحايد.

ووجهت الإمارة الاسلامية بهذه المناسبة رسالة إلى هذا المؤتمر، ونقتطف منها ما يلي: “أيها العلماء الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعلمون بأنه قبل سبعة عشر سنة كان على هذه الأرض نظام إسلامي قائم، وأن القوة السياسية كانت في يد فئة مجاهدة، هي الأكثر طهراً والتزاماً في المجتمع وهم (طلبة العلوم الشرعية والعلماء الأفاضل). وتعلمون أن الشريعة الغراء كانت نافذة حينها،… وكانت الأحكام في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفي كل جوانب الحياة تنفذ فقط على ضوء الشريعة المحمدية.”

وأضاف البيان: “الكفاراتحدوا تحت قيادة أمريكا، وأعلنوا موقف العداء للإمارة الإسلامية، في البداية بدؤوا حرباً إعلامية، ثم نفذوا خطة الحظر الاقتصادي والمحاصرة السياسية، وفي الخطوة الثالثة قاموا بالهجوم العسكري المباشر على بلادنا وعلى النظام الإسلامي فيها ومرّ كفاحنا الجهادي ضدهم بمراحل مختلفة وصعبة خلال السنوات السبعة عشر، إلى درجة أنه في فترة من الفترات وصل عدد المحتلّين الغربيين قرابة 130 ألف جندي مسلح، مدجّجين بأفتك أنواع الأسلحة والدبابات والطائرات والأجهزة المتطورة،… وكثيراً ما يقوم الغزاة بعمليات القصف الجوي العنيف، فارتكبوا جرائم ومظالم تاريخية؛ لكنهم مع كل تلك المحاولات والمساعي الحثيثة فشلوا في كسر إرادة شعبنا المؤمن”.

وأضاف البيان في الختام: “وضمن سلسلة المساعي لإضفاء الصبغة الشرعية على إدارة كابل اللا مشروعة، وضمن الدعاية المضللة والمحاولات المسعورة؛ يسعى أعداء ديننا ووطننا واستقلالنا هذه المرة بخداعهم لعلماء العالم والدول الإسلامية، لإقامة اجتماع باسم علماء الأمة الإسلامية في مدينة جاكرتا بإندونيسيا أو في بلد آخر. فقد أعلنت إدارة كابل العميلة بأن هذا الاجتماع سيتم عقده بطلب وابتكار منهم، حتى يتمكنوا من تقديم معلومات مغلوطة لهذا الاجتماع؛ طمعاً في إضفاء الشرعية لتواجد المحتلين الكفار في أفغانستان المسلمة، وإظهار الجهاد الحق للمجاهدين على أنه حرب باطلة. هؤلاء يسعون إلى تصوير الجهاد المقدس الواصل إلى أبواب النصر في أفغانستان بصورة الاقتتال الباطل الذي يهراق فيها دماء الأفغانيين خلافاً للأحكام الشرعية ونصوص الشريعة، وبذلك يسيئون إلى سمعة الجهاد.نحن نريد إيصال هذه الرسالة لجميع علماء الأمة الإسلامية الكرام، وبشكل خاص إلى علماء أفغانستان، وباكستان وإندونيسيا وعلماء بقية الدول الإسلامية الكرام”.

كانت هذه مقتطفات من رسالة الإمارة الاسلامية ونرجو بدورنا من العلماء الأفاضل أن يكون فيهم إحساس كعلماء السلف الذين كانوا يصدعون بالحق! وليت لهم جرأة قول كلمة الحق عند سلطان جائر. إن مواقف علماء السلف الصالح من الحكام الذين بدر منهم الانحراف ودخلوا مداخل الظالمين؛ كثيرة جدا، ونذكر منهم على سبيل المثال:

الحسن البصري رحمه الله، لما ولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبر، كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله وصدعوا بكلمة الحق في وجهه. ومن ذلك أن الحجاج بنى لنفسه بناء في (واسط) فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرحة عليه والدعاء له بالبركة فلم يشأ الحسن البصري أن يفوت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه فخرج إليهم ليعظهم ويذكرهم ويزهّدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عندالله عز وجل.

ولما بلغ المكان ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه؛ وقف فيهم خطيبا وكان في جملة ما قاله: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد وبنى أعلى مما بنى… ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنى وشيد.

ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه وأن أهل الأرض قد خدعوه، فقال أحد السامعين المشفقين من نقمة الحجاج :حسبك يا أبا سعيد! حسبك. فقال له الحسن لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

وفي اليوم الثاني دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيض وقال لجلاسه: تبا له وسحقا! يقوم عبد من عبيد البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ولا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه ؟ والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء!

ثم أمر بالسيف والنطع فاحضرا. ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه ثم وجه إلى الحسن بعض شرطه، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار ووجفت عليه القلوب.

فلما رأى الحسن السيف والنطع حرك شفتيه، وعليه جلاء المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله ثم أقبل على الحجاج.

فلما رآه الحجاج هابه أشد الهيبة وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا. ثم ما زال يوسع له ويقول ها هنا، والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه الحجاج على فراشه، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين والحسن يجيبه فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية وطيّب بها لحيته وودّعه باحترام. وَقَامَ الْحَسَنُ وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَرْضَى رَبَّهُ وَأَخَلَصَ لَهُ وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ وَهَكَذَا الْعُلَمَاءُ يَنْبِغِي أَنْ يَكُونُوا.

وحَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ فَدَعَا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ أَلَسْتُ أَعْمِلُ بِالْحَقِّ؟ أَلَسْتُ تَرَانِي أَعْدِلُ؟

فقال ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: أما إذا نشدتني بالله فأقول: اللهم لا أراك تعدل وإنك لجائر وإنك لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير.

هَلْ يُوَجَدُ هَذَا الطّرَازَ مِمَّنْ لا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ؟ أَظُنُّهُ مَعْدُوم فِي هَذَا الوَقْت، لا يوجد الْيَوْم مَنْ يَصْدَعُ بِالْحَقِّ فَلا حَوْلَ وَلا قُوَةَ إِلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

قَالَ الْحَجَّاجُ لِيَحْيَى بن يَعْمُرٍ: مَا تَقُولُ فِي وَاسِطٍ مَدِينَةٌ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَقُولُ فِيهَا وَقَدْ بَنَيْتَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِكَ وَسَيَسْكُنُهَا غَيْرُ أَهْلِكَ.

فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ فِي غَيْظٍ وَغَضَبٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ. قَالَ: مَا أَخَذَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْعُلَمَاءِ مِنَ الْعَهْدِ أَلا يَكْتُمُوا النَّاسَ حَدِيثًا، فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَخْشَ سَيْفَ الْحَجَّاجِ؟

فَقَالَ: لَقَدْ مَلأَتْنِي خَشْيَة اللهِ جَلَّ وَعَلا فَلَمْ تَدَعْ مَكَانًا لِخَشْيَةِ سِوَاهُ.

وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: وَيْحُكَ يَا حَجَّاجٌ مَا أَصْفَقَ وَجْهكَ وَأَقَلَ حَيَاءكَ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ وَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلامِ خبتَ وَضَلَّ سَعْيُكَ.

فَقَالَ لِلْحَرَس: خُذُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خِطْبَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ أَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللهِ وَلا أَجْتَرِئُ عَلَيْكَ وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى لا أَجْتَرِئُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. فَأُطْلِقَ.

فيا علماء المسلمين: الإسلام اليوم في أمس الحاجة إلى مواقفكم، تلك المواقف التي تشبه مواقف الرعيل الأول حيث صارعت الباطل فصرعته.