من ذكريات أمير المؤمنين رحمه الله

مصعب البغلاني

 

من مئات أوصاف أميرالمؤمنين الكريمة والعالية، تبرز صفة شفقة أمير المؤمنين، وترحّمه ومودته برعيته، حتى نُقشت في الأذهان، فلن تمحى بإذن الله من أذهان المنصفين أبداً.

قبل حوالي 20 عاماً كان لصديقي الذي كان يعاني من إصابة في النخاع الشوكي زيارة لأمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد رحمه الله، وقصّ لي قصته الجميلة الرائعة، وقصته باقية في ذهني حتى الآن، فقال: بعدما أصِبتُ نقلوني إلى مستشفيات مختلفة، وعالجني الأطباء المشهورين، ومع مرور الوقت شُفيتُ من كثير من الأمراض التي كنت أعاني منها، ولكني لم أعافى بالكامل؛ إذ كانت أرجلي لا تتحرك ولا تشعر بشيء.

فرجعتُ من المستشفى مرّة أخرى إلى كابل، ولكني كنتُ أتالّم من عدم تحرك أرجلي، وكان الأطباء يُخفون عني واقع الأمر، ولا يحدثونني بالحقيقة كي لا أيئس، وما قالوا لي بأنّ أرجلي لا تجد صحتها السابقة أصلاً، كنتُ أعيش مع بعض المجاهدين المشلولين الآخرين في غرفات مخصوصة أعدّها لنا مسؤول الصحّة، وفي يوم من الأيام تشاورنا فيما بيننا وقلنا إن كان من الممكن علاج حالتنا على أيدي  الأطباء الأجانب فلماذا لا يُرسلوننا إلى البلاد الأجنبية؟ ولم نكن نعلم بأنّ علاجنا غير ممكن حتى في البلدان المتقدمة.

مشكلتنا أنّ أحداً لم يخبرنا بأنّ صحتنا لن تعود، فتشاورنا فيما بيننا لنذهب نحن المشلولين معاً إلى أمير المؤمنين ونشكي إليه، فتهيأنا في الصباح للذهاب إلى قندهار، فتحركنا نحو مطار خواجه رواش، وقام مسؤولوا المطار بقطع التذكرة لنا دون أن يستفسروا منا لماذا نذهب. وركبنا الطائرة المتجهة نحو مدينة قندهار، وبعد ساعة أو أقل نزلت الطائرة في مطار قندهار، فاستقبلنا مسؤولوا مطار قندهار بمودة واحترام، وقالوا لنا: بم نخدمكم؟ قلنا لهم: أوصلونا بسياراتكم إلى مضافة الولاية،  فما لبثوا حتى أركبونا سياراتهم وأنزلونا في مضافة الولاية (واليوم لا يوجد منازل خاصة للضيافة للمستضعفين والمشلولين حتى في كابل)، وكان المواطنون الغرباء من مدن مختلفة يعيشون في هذه الدور المضيفة حتى تحل مشاكلهم، ولا يهدرون أموالهم في الفنادق، ولكن اليوم…

ولمّا وصلنا إلى دار الضيافة، استقبلنا المسؤولون بحفاوة بالغة، وكانت دار الضيافة من المسؤوليات المناطة بالولاية وخلف مكتب أمير المؤمنين، وكان حراس أمير المؤمنين يتردّدون عليها باستمرار، فجاء بعض الحرّاس وسألونا عن أحوالنا، وكيف تجشمنا وعثاء السفر، ثم قالوا لنا: نحن في خدمتكم، فامرونا؟ قلنا لهم: إننا جئنا لزيارة أمير المؤمنين، فلم يسألونا أكثر من ذلك، بل ذهبوا إلى سكرتير أمير المؤمنين (كي يخبروه بأنّ جماعة من المشلولين أتو لزيارة أمير المؤمنين)، ونقل السكرتير الخبر فوراً إلى أمير المؤمنين لأننا كنّا مرضى وجئنا من مدينة بعيدة، ولمّا أُخبر أمير المؤمنين بمجيئنا قال لسكرتيره وهو الشيخ وكيل أحمد آخوندزاده بأنّ هؤلاء المرضى من خاصة ضيوفي، ومن اللازم أنْ يُنقلوا إلى دار ضيافة خاصة ويُكرموا إكراماً بالغاً. وقال له بأنه سيزور أولاً هؤلاء النفر قبل أن يزور والياً أو وزيراً أو قائداً. فنُقلنا إلى مكان خاص، وفي صباح اليوم التالي بعدما شربنا الشاي، نقلونا بالسيارات الخاصة إلى مكتب أمير المؤمنين، نزلنا من السيارات، ومكثنا في درّاجاتنا في دفئ الشمس علماً بأنّه كان أوان الشتاء.

وبعد مدّة يسيرة جاء أمير المؤمنين، وصافحنا فرداً فرداً، وسأل عن حالنا، ثم جلس على سرير عليه بطانية، وتكلّم معنا كصديق حميمٍ يعرفنا ونعرفه منذ فترة طويلة، فخجلنا في أنفسنا عندما رأينا من أمير المؤمنين هذه المودّة، مع أننا لم نره من قبل وما رآنا، إلا أنّ استقباله كان حاراً جداً، وكانت هذه الجلسة مع الزعيم الحبيب غالية، ثم التفت إلينا وقال: الآن عليكم أن تبيّنوا مشكلاتكم فرداً فرداً وأنا أصغي إليكم، ولمّا كانت مشكلتنا واحدة، عيّنا لأنفسنا ممثلاً كي يتكلم عن الجميع، وبعدما استمع إلى شكاوينا انهمرت دموع أمير المؤمنين على وجنتيه، وأجاب بجملة جميلة جداً: «لو نفذت جميع أموال بيت المال لعلاجكم، ما ادخرت منها شيئاً ولأنفقتها لعلاجكم، فبيت المال لكم وليس لنا». هذه الكلمات البسيطة كانت من أعذب الكلمات، وكأنه أعطانا كل الدنيا بها.

واستمرّت جلستنا 2 إلى 3 ساعات، وفي نهايتها قال لنا: لو تمكثون في قندهار، فسأرتّب لكم مكاناً حتى يهيؤوا لكم أمور السفر إلى بلاد أجنبية عن طريق وزارة الخارجية، فقلنا: لا، بل نذهب إلى كابل وننتظر هناك، وأعطانا مقداراً كافياً من المال، فانصرفنا من عنده، وأركبونا السيارات ونقلونا إلى المطار، وقطعوا لنا تذاكر طائرة آريانا، ورجعنا مسرورين إلى كابل.

إنّ دعم أمير المؤمنين كان في غاية الروعة، فقد نسينا آلامنا وأوجاعنا، ومشقاتنا بالجلوس معه. وحقاً إنه كان رجلاً مثالياً، يتفطّر قلبه للجميع، ويتألم بألم الآخرين.

لله أنت يا قائدي! افتديت بملكك بضعة مجاهدين مضطهدين، ودافعت عنهم كالرجال وحميتهم كالأبطال.

ثم استفسر أمير المؤمنين رحمه الله من الأطباء والأخصائيين الذين عالجونا؛ هل يمكن أن أرسلهم إلى بلاد أجنبية لتلقي العلاج (وآنذاك لم يعترف بحكومة الإمارة الإسلامية سوى 3 دول، وكانت البلاد تعاني من تحذيرات الأمم المتحدة)، فأجاب الأطباء بأنه لا يمكن ذلك، ثم أمر أمير المؤمنين بعد ذلك جميع الولاة بأن تكون أبوابهم مفتوحة أمام هؤلاء المشلولين كلما جاؤوا لمشكلة، وأن يُمنح كل واحدٍ من هؤلاء سيارة جديدة، ويوظف عاملٌ لخدمتهم، ويجروا راتباً لمن يخدمهم، وأنْ يكون وقود سياراتهم بالمجان، ولم تنحصر هذه الميزة لمشلولي الطالبان فحسب؛ بل لجميع الذين شلّوا في عهد السوفييت وللطالبان على حدٍ سواء.

هذه نبذة عن شهامة ونبل أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد رحمه الله.

وانظروا الآن إلى رؤساء الإدارة العميلة كيف يعاملون جنودهم المصابين، مع أنّ الإمارة الإسلامية لم تكن تملك 5% من الإمكانيات التي يملكها هؤلاء، ولكنهم كانوا في خدمة المواطنين وفي خدمة الشعب بالإمكانيات الضئيلة.

ولو بحثتم اليوم عن أوضاع المصابين في الإدارة العميلة لرأيتم شكاويهم تبلغ عنان السماء، فلا يواسون الجرحى والمصابين، وقبل فترة قال جندي مصاب -فقد عينيه ورجليه- جنوبي البلاد، قال لمراسل بي بي سي: إنّ الحكومة لم تساعدنا أصلاً، وأضاف بأنه فقد بضع نفر من أسرته في خدمة النظام الفاسد، إلا أنّ زعماء البلاد لم يعتنوا بهؤلاء أصلاً، ولا قيمة لهؤلاء عند زعمائهم، وإنه لمن الخسارة أن يكون هنالك من يخسر دينه ودنياه لأجل هؤلاء.