رمضان؛ شهر البطولات والفتوحات

سيف الله الهروي

 

إنّ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والذي فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، شهر حافل بالأحداث الجسيمة التي نصر الله فيها دينه، وأعلى كلمته وأعزَّ جنده، وذلك لأن شهر رمضان لم ينحصر في تاريخنا الإسلامي بالصيام والقيام وتزكية النفس فحسب، بل كان شهر البطولات والانتصارات والفتوحات، كان شهر الرباط والجهاد وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في أنحاء الأرض، ولقد كانت الأمّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، على موعد مع الفتوحات والانتصارات العظيمة الحاسمة في هذا الشهر الكريم.

ويشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في رمضان قد أثمرت الفوز والانتصار، ففي غزوات شهر رمضان كانت تجتمع لدى المقاتل الصائم مجاهـدة النفس ومجاهدة الأعداء؛ فإنِ انتصر تحقَّق له انتصاران: هما الانتصار على هوى النفس، والانتصار على أعداء الله، وإذا استُشهِد لقِيَ الله – سبحانه وتعالى – وهو صائم، وتحقَّق فيه قول الله – تبارك وتعالى -: “إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة”.

ومن خلال دراستنا لكتب السيرة والتاريخ فإننا نلاحظ أنه ما مِنْ معركة من المعارك، وما من غزوة من الغزوات خاضها المسلمون في هذا الشهر المبارك، إلّا ونصرهم الله على أعدائهم.

ففي السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى، التي أطلق عليها القرآن الكريم “يوم الفرقان”، وهي أولى المعارك المهمّة في التاريخ الإسلامي، حيث كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين تسعمائة وخمسين رجلاً، ولكن كانت القوّة الإلهية، والمعية الربانية التي لا تغلبها أيّة قوّة في الأرض مهما كانت مع المسلمين، فكان النصر لهم، ويوم بدر هو اليوم الأغرّ في جبين التاريخ الإسلامي العريق، حيث كان فرقاناً ميّز الحق وأظهره، وأخزى الباطل وحزبه.

وفي العشرين من شهر رمضان الفضيل المبارك في السنة الثامنة للهجرة كان فتح مكة الذي دخل الناس في أعقابه في دين الله أفواجا، والذي كان من أجل نصرة المظلومين من بني خزاعة الذين غدر بهم مشركو قريش، فاستنجدوا بالمسلمين، مما دفع الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – لتأديب مشركي قريش الذين نقضوا صلح الحديبية، وخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار والقبائل الأخرى، حيث أنعم الله على رسوله وعلى المؤمنين بفتح مكة، وقد حرص صلى الله عليه وسلم على دخول مكة دون قتال، فدخلها دخول الشاكرين لله عز وجل، دخلها وهو يردد قول الله تعالى: “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا”.

في السادس من رمضان عام 92هـ انتصر محمد بن القاسم على جيوش الهند عند نهر السند وتمّ فتح بلاد السند، حيث التحم الجيشان في معركة استمرت 7 أيام، استخدمت فيها الفيلة، وكان عددها ستين فيلاً، ولكن الله عزوجل نصر المسلمين، ثم واصل محمد بن القاسم جهاده، ففتح العديد من المدن، فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة، حتى وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير، واستطاع أن يخضع السند لحكم الخلافة الإسلامية في مدة لم تتجاوز ثلاث سنين فقط.

وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 92 هـ فتحت الأندلس بقيادة القائد طارق بن زياد، حيث انتصر المسلمون في هذه المعركة التي استمرت ثمانية أيام، وأصبحت الأندلس بعدها مصدرا للعلم والحضارة، ومنها أضاءت أنوار العلم الإسلامي على أوروبّا كلّها، بعد أن كانت تَغُطُّ في سبات الجهل العميق.

وفي السادس من شهر رمضان سنة 223 هـ، فتحت عمورية بعد أن جهّز المعتصم جيشاً لحرب الروم استجابة لصرخة إحدى النساء المسلمات وامعتصماه، حيث حاصر عمورية وأمر بهدمها.

وفي الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ٦٥٣هـ وقعت معركة عين جالوت، ولولا هذه المعركة التي كان النصر فيها حليف المسلمين المؤمنين، الذين قاتلوا بكلّ قوّة وإيمان وحبّ للشهادة أو النصر، لقضى التتار على العالم الإسلامي، ولكنها إرادة الله الذي نصر جنده وأولياءه الصالحين، وتُعدّ معركة عين جالوت من الصفحات المشرقة في التاريخ الإسلامي المجيد، حيث استطاع الجيش المسلم أن يهزم الجيش المغولي التتار الذي قَتَل المسلمين وَدَمَّرَ ديارهم عبر طريقه الطويل من منغوليا حتى فلسطين.

وفي الرابع عشر من شهر رمضان سنة ٦٦٦ هـ فتح الظاهر بيبرس انطاكيا وغنم منها أشياء كثيرة، ووجد عدداً كبيراً من أسرى المسلمين، وكان حاكم أنطاكية الصليبي من أشدّ الحكام أذى للمسلمين حين احتل التتار حلب، وكانت تعدّ أنطاكية من مراكز الصليبيين الرئيسة.

في السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ٩٢٧ هـ تمّ فتح مدينة بلغراد، حيث قام السلطان سليمان القانوني بمحاصرة بلغراد انتقاماً من ملك المجر الذي قتل السفير العثماني، وأرسل السلطان قائده المشهور “بيري” لمحاصرة بلغراد، ثم فتحت المدينة بعد دفاع أهلها عنها، وأخلى الجنود قلعتها في الخامس والعشرين ودخلها العثمانيون بعد ذلك، حيث أدوا أول صلاة جمعة فيها.

هذه لقطات من أبرز الفتوحات والانتصارات التي جاءت بعد بطولات في شهر رمضان المبارك، بطولاتٌ وانتصاراتٌ في كلّ منها دروس وعبر للمسلمين، فتوحات وانتصارات تعلّمنا أموراً ودروسا كثيرة؛ منها أنه ليس بعد العسر إلا اليسر، وأنه ليس بعد الضيق إلا الفرج، كما تعلّمنا أن من أسباب النصر وحدة الصفوف، وتعلِّمنا أيضاً قيمة هذا الشهر العظيم وفضله، حيث إن المسلمين لم يخوضوا حرباً ولا معركة ولا فتحاً في هذا الشهر الكريم إلا وكان النصر حليفهم بإذن الله تبارك وتعالى، كما تعلّمنا في المجموع درساً عظيماً، وهو أن رسالة الإسلام باقية إلى يوم القيامة على الرغم من كلّ المؤامرات والمخططات والمجازر المروّعة بحق حملة هذا الدين المبين، لأنه يوم ينتهي الإسلام من هذه الدنيا، فلن تكون هناك دنيا، لأنّ الشمس ستنطفئ، والنجوم ستنكدر، والحصاد الأخير سيطوي العالم أجمع.