الفساد العریض من ثمار الاحتلال

عماد الدين

 

التجارب السیاسیة أثبتت أن معدل الفساد الإداري في الحکومات والدول ينخفض یوما بعد یوم حتی يضعف ويتلاشى من المجتمع. أما في أفغانستان فالقضیة على العکس تماماً؛ فإن الفساد الإداري وجمیع أنواع الفساد آخذة بالنمو والتغلغل في أحشاء المجتمع والإدارات الحکومیة. فإن الأخبار والتقاریر التي تنشر یومیا تکشف القناع عن فساد عریض حل بالمجتمع الأفغاني وإداراته الحکومیة جراء الحکم الغربي علی هذا البلد.

والسنة الجاریة في الکون أن الملوک إذا دخلوا قریة أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. هذه حقیقة صرح بها القرآن الکریم علی لسان بلقیس: (إن الملوك إذا دخلوا قریة أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة). ولیس خافیا علی الخبیر بقضایا المجتمع الأفغاني أن الفساد تغلغل في أحشاء الإدارات الحکومیة والعاملین فیها. ومرد هذا الفساد -باتفاق الخبراء والمحللین- إلی الاحتلال والمحتلین. ففي کل عام -بدلاً من الإخبار عن انخفاض معدلات الفساد- تعلن المؤسسات والمراکز الاستطلاعیة والتفتیشیة المحایدة عن تصاعد معدلات الفساد، ولازلنا نسمع في هذه الأیام التي تعد بدایات العام الشمسي الجدید، أخبارا جدیدة عن الفساد والمفسدین، ففي هذا الشهر جاءت الأنباء عن وزارة النقل أنها سلمت أکثر من ستین من عمالها إلی القضاء بجریمة ارتکاب الفساد وفیهم المدراء والرؤساء والآمرین والمأمورین. وقد أعلنت هذه الوزارة أن أکثر من 75 بالمائة من عوائدها تضيع جراء الفساد الموجود فيها. فماذا یبقى إذاً!

ونشرت منظمة الشفافیة الدولیة تقریرا سنویا صنفت فیه دول العالم حسب نسب الفساد فیها، وتستند الإحصائیات علی معدلات حریة الصحافة والشفافیة المالیة وسیادة القانون. وحسب تقریر هذه المنظمة تحتل أفغانستان الدرجة الخامسة عشر في الفساد، وتأتي أفغانستان بعد الصومال والسودان الجنوبية وسوریا، من حيث الفساد. وبالنظر إلی أرقام هذه المنظمة في السنوات الماضیة نلحظ نموا في مکافحة االفساد، غير أن الحقیقة شيء آخر، فبراعة المدراء والعاملین في الحكومة في ذرّ التراب علی أعين مفتشي المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال التفتیش؛ كبيرة للغاية.

لاشک أن دور البرلمان في النظم الجمهوریة مهم في مکافحة الفساد، ومهما کان البرلمان بعیداً عن الفساد، فسیلعب دورا أنفع في هذا المجال. وإذا تلوث ه أيضاً بالفساد وأخذ الرشی، فلا یمکن مکافحة الفساد. وهذا أقر به بعض النواب من أصحاب الضمائر الحیة، ومنهم عبدالجبار قهرمان. ففي حوار نشره موقع العربي الجدید أبدی عبدالجبار قهرمان تشاؤمه من مستقبل البلاد جراء انتشار الفساد في مفاصل حکومة کابول، في ظل عجز البرلمان عن مواجهته، بل والتورط فیه. کما یقول: الجمیع صار متعایشا مع مماراسات بیع الوظائف في مقابل الرشی، بدءاً من الوزراء وحتی صغار الموظفین في مختلف إدارات الدولة.

مخاوف البرلماني قهرمان لها ما یبررها وفقا لما قاله الشاعر ووزیر الإعلام السابق عبدالباري جهاني، والذي اتهم النائب السابق لرئیس البرلمان حاجي ظاهر قدیر بطلب 150 الف دولار أمریکي منه، حتی یتمکن من الحصول علی رأي الاعتماد “نیل ثقة البرلمان”، وفقا لما جاء في مقال له نقلته الصحف الأفغانیة في یونیو/حزیران الماضي عن صفحته الرسمیة علی موقع التواصل الاجتماعي “فیسبوک”.

وبحسب الوزیر جهاني فإن ظاهر قدیر الذي کان یرفع صوته ضد الفساد وینتقد الحکومة، دعا عددا من المرشحین للوزارة إلی مأدبة عشاء وأثناءها تحدث معهم حول مدی تعقید الأمور داخل البرلمان وصعوبة نیلهم رأي الاعتماد وأن کل واحد منهم بحاجة إلی دفع 150 ألف دولار.

فهذا هو البرلمان الذي کان من حقه أن یلعب دوره المتمیز اللائق به في مکافحة الفساد. خاصة في هذه الظروف التي نزلت فیها البلاد إلی الحضیض وهي تواجه أوضاعا لا تواجهها في قرون. إن دعاوي النواب في الإصلاح ومکافحة الفساد تبلغ عنان السماء وفي حقیقة الأمر کافة المفاسد تنطلق منهم وإلیهم.

لاشک أن الفساد مرض مهلک یعرض البلاد للمشاکل والمسائل المستعصیة، بل طریق یؤدي إلی دمار البلاد. وکم من الثروات تضیع في ظل الفساد الموجود في البلد.

ویالیت مضار الفساد الموجود في الإدارات انحصرت بين جدران الإدارات، لكن دخان الفساد دخل في عیون عامة الشعب؛ فالفقر المتفشي في البلاد من ثمار الفساد في هیکل حکومة کابول.

إن البلاد علی فوهة برکان، وإن الشعب مستعد للقیام بهجمة ثوریة ضد الفساد الموجود، وسيتحقق هذا القیام رغم الضغوط التي يمارسها عملاء الاحتلال على الشعب الأفغاني الذي لم یزل متمسکاً بدینه وجذوة الإیمان مازالت متقدة في قلبه.