أمير المؤمنين رحمه الله كما عرفته

الملا عبد السلام سعادت (عضو اللجنة العسكرية)

 

تشبه سيرة أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد -رحمه الله- سيرة سيّدنا أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه، وكلما طالعنا سيرة الفاروق رضي الله نرى أوصافه متجمّعة في سيرة عمر الثالث رحمه الله.

عندما كان الملا عمر رحمه الله يوصي مسؤولي الإمارة الإسلامية بأنْ يكونوا كأناس عاديين لا يختاروا عيش البذخ والرفاهية، كان هو بنفسه عاملاً بهذه الوصية، فكانت ملابسه وطعامه كأحد المسلمين العاديين، وذات مرّة (قبل فتح كابل في عهد الإمارة الإسلامية) أعدّ له طعام خاص من مطبخ فرقة جريشك، فهدّد ذلك العابدُ الزاهد مسؤول المطبخ وقال لا ينبغي أن يتميز طعامي عن طعام الآخرين، وهذه من ميزات عمر الثالث، حيث كانت شخصيته قبل الإمارة وبعدها على نمط واحد، يعيش عيش الزهد والفقراء، وفي إمكانه أن يعيش أرغد عيش، ويركب أرفه المراكب، لكن متاع الدنيا لم يخدع عينيه.

كان يتزعم المجاهدين والإمارة الإسلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى كان على الخطوط الأمامية يقاتل الأعداء وجهاً لوجه، فمنذ أن كنتُ مع المجاهدين من ابتداء حركة المجاهدين، رأيته يساهم بنفسه في معارك سانجين، وكجكي، وموسى قلعه، ضد المفسدين الأشرار، وعندما كنّا نذهب من هلمند إلى غربي البلاد (هرات و..) كان رحمه الله يشاركنا في العمليات، وفي مديرية فراه رود نجت سيارته من قصف طائرات إسماعيل خان، ومرّة كنا في فراه رود في مدرسة، فكان يبحث عنّا غرفة غرفة ويسال عن أحوالنا.

ومرّة لم نجد الطعام والشراب ليومين، وكنا في جوع شديد، فوجدنا كسرة خبز جافة، يبدو أنها قديمة ومضت عليها شهور، وكان قريباً منا نهر جارٍ ملطخ بالطين، فجمعت الماء من أربع جهات، وألقيتُ الخبز فيه، ثم نمتُ على ضفاف النّهر، وبعد لحظات استيقظتُ فرأيتُ بأن الخبز قد بلّ ورق، فأكلته، ولا أظنّ أنني ذقت ألذ من ذلك الخبز طيلة حياتي.

وأتذكر أول مرة التقيت فيها بأمير المؤمنين، حيث كنا عشرات الطلبة من مدارس دينية أتينا إلى قندهار للانضمام للإمارة الإسلامية، وفي اليوم التالي سرنا إلى جريشك بولاية هلمند للمشاركة في القتال، فرأيتُ أمير المؤمنين رحمه الله هنالك ولأوّل مرة، وكان أمير المؤمنين والملا محمد أخوند رحمهما الله ينفّذون معظم مشوارتهم في غرفتنا، فتأثرنا منذ الأيام الأولى من معاملة أمير المؤمنين رحمه الله الرائعة والجميلة، ثم زرته مراراً وتكراراً بعد فتح كابل في قندهار وكابل، وكان بابه مفتوحاً للجميع.

ومن أوصافه الحميدة أنه لم يكن يفارق المجاهدين في الظروف الحرجة والقاسية، وكان يسعى لحل مشاكلهم. وبعد غدر الجنرال عبد الملك وانسحاب المجاهدين من الصفوف الشمالية، جاء بنفسه إلى الصفوف وضبّط خنادق المجاهدين وحصّنها. وعندما سقطت كابل بأيدي المحتلين، وكانت أمريكا تقصف بكل قوة، اتصلنا بأمير المؤمنين -رحمه الله- عبر اللاسلكي باسم النّصرة الخاصة لأمير المؤمنين، فأمرنا بأن نذهب إلى الشيخ جلال الدين الحقاني شرقي البلاد، فوصلنا في 25 من رمضان المبارك إلى جارديز وبدأنا المقاومة من هناك.

كان رحمه الله يكره العصبية، ويحترم الأقوام الأخرى ويكنّ لهم مقاماً وجيهاً في الإمارة الإسلامية. وانطلقنا نحن مع الشهيد المقدام الملا أمين الله بورجان -رحمه الله- من مركز ولاية لوجر إلى المديرية، وبعد فتح كابل أخذ الشهيد بعض الأمراء معه وأرسل جماعة -بما فيهم أنا- إلى تشارآسياب، لأنّ أحداً لم يبق هناك، وهم دخلوا من جهة الشرق (أي ننجرهار ولغمان) داخل كابل، ونحن دخلنا من جهة الغرب أي من منطقة ريشخور،  فصلينا صلاة الفجر في وزارة الداخلية بإمامتي، وكنتُ دخلتُ كابل مع 20 من المجاهدين، وكان أمير المؤمنين قد عينني كقائد للفرقة الخامسة الجهادية نظراً لاحترامه للأقوام الآخرين.

كانت شخصيته متزنة ورصينة، لا يفقد وقاره في الأفراح ولا يتزلزل في الهزيمة والمصائب، وكان يعتمد على مجاهديه ومسؤوليه، ولا يقع في فخّ دعايات الأجانب، كان يستمع حديث الآخرين بصمت، إلا أنّه كان يجيب بجواب قصير وجامع ومقنع.

لم يصل شعبنا إلى أمله بعد التضحيات التاريخية الطويلة في الجهاد ضدّ السوفييت، والزعماء الذين دندنوا بالحكومة الإسلامية في أعوام المقاومة أمام النظام الشيوعي، جعلوا من آمال الشعب مصيدة لأطماعهم ومصالحهم، إلا أنّ جهاد أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد -رحمه الله- وقيام الإمارة الإسلامية حقّق آمال الشعب الأفغاني الكبيرة، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته في أعلى عليين.