الافتتاحية: مؤتمرات الفتاوى المعلّبة لخدمة المشروع الأمريكي

صرّح قائد القوّات الأمريكية المحتلّة في أفغانستان الجنرال جان نيكولسن في المؤتمر الصحفي الذي انعقد في كابل بتاريخ (18/ مايو/ 2018) بأنّ أمريكا تعزم على أن تفرض ضغوطات متنوّعة على حركة طالبان هذا العام، كما أضاف: “نحن نقصد فرض  ضغوط عسكرية، وسياسية، واجتماعية، ومذهبية على طالبان”.

لا شك أن مقصود الجنرال من الضغوط المذهبية هي استخدام الدين ضدّ الإمارة الإسلامية، فهي حركة دينية إسلامية، والولايات المتحدة لا ترى سبيلا لمحاربتها إلّا باستخدام الدين والمذهب والفتاوى ضدّها، لا سيّما بعدما ألجأت تضحيات الإمارة الإسلامية خلال السنوات السبعة المنصرمة القوّات المحتلة إلى أن تعترف بهزيمتها في المجال العسكري وأن تبتغي الحيل للهروب من البلد، لذا فإنّ المحتلين الآن يستخدمون مؤامرات أخرى ليغطّوا بغربالها صوت الحرية وروح المقاومة عند الشعب الأفغاني المؤمن، وليفشلوا تلك الجهود والتضحيات الجهادية الضخمة. وبما أنّ العلماء لهم الدور الأساسي في الدفاع والمقاومة، فإنّ أعداء الإسلام قد أدركوا هذه الحقيقة، لذلك فالغزاة الصليبيون الجدد -كأسلافهم- في محاولات دائمة وجهود حثيثة ليستغلّوا العلماء، ويستخدموا فتاواهم في تحقيق غاياتهم الاحتلالية، ومشاريعهم الاستعمارية.

جاء انعقاد مؤتمر في الحادي عشر من شهر مايو في مدينة “بوجور” في أندونيسيا تلبية لهذا المشروع الأمريكي الجديد ومؤامرته الجديدة في المنطقة، ثمّ انعقد المؤتمر الثاني في كابول أخيراً، وانعقد كلّ من هذه المؤتمرات تحت مسمّى علماء الدين.

رسالة هذه المؤتمرات والاجتماعات التي انعقدت والتي قد تنعقد في قادم الأيام تحت مسمّى علماء الدين واضحة  لا غبار عليها وهي إصدار فتاوى دينية ضدّ الجهاد الذي يقوم بها مقاتلو الإمارة الإسلامية، بهدف سلب مشروعية المقاومة الجهادية التي استمرّت سبعة عشر عاماً!

ثم هذه المؤتمرات، وما يصدر عنها من فتاوى في الحقيقة يتمّ إعدادها من قبل، وإنما تُقرأ على أسماع المجتمعين دون أن تؤخذ آراء المشاركين فيها، بل ولا يُستشارون أصلا، وإنما تسعى أمريكا من وراء هذه المؤتمرات أن تأتي  بمبرّر شرعي لاحتلالها العسكري الغاشم بصبغة دينية، وأن تقول للعالم بأن جهاد الشعب الأفغاني ضدّها جهاد مردود غير مشروع، وهذه الفتاوى بلا شك لا قيمة لها قانونيا فضلا عن أن تكون حججا شرعية على أحد.

والعجيب أن مؤتمر كابول خُطط معه أيضا أن يحدث فيه تفجير، وأشيع إعلاميّا بأنه تفجير انتحاري، ليُتخذ هذا التفجير كوسيلة لاستفزاز مشاعر الشعب والعلماء ضدّ المجاهدين، بأنهم يستهدفون العلماء أيضا.

من المؤسف جدا لكل مواطن ومسلم أن يشاهد علماء بلده يشاركون في مؤتمر يُستغلّ فيه الدين والفتوى لخدمة مشروع أمريكي خالص، بينما لم يجدوهم في مؤتمرات ولا اجتمعات ولا جلسات تدين جرائم التحالف الصليبي في هذا البلد المسلم وسائر البلدان الإسلامية.

فكان المفروض على هؤلاء العلماء المشاركين في مؤتمر كابول أن يكونوا في عون شعبهم والمجاهدين  بدل أن تكون فتاواهم في خدمة المشروع الأمريكي في المنطقة، حتى يردّ الله شرّ الاحتلال عن هذا البلد، ويُعيد على الشعب المسلم عزّته وكرامته وحرّيته.

وعلى هؤلاء العلماء الذين يصفون هذا الجهاد الحق بغير المشروع أن يخشوا عقاب الله في الدنيا والآخرة، وأن يعيدوا النظر في تاريخ العلم والعلماء الربانيين الصادقين، أولئك الذين كلمّا تعرضت الشعوب المسلمة للاحتلال، أو تعرّضوا للجور والظلم من الطغاة والمستبدين والجبابرة، كانوا لها الملجأ والمأوى الأخير. وأن يعيدوا النظر في تاريخ أولئك الذين كانوا جبالا صامدين أمام الغزاة المحتلين في الميدانين العسكري والفكري، واستخدموا دائما مكانتهم بين الناس، وشعبيتهم في قيادة الأمم والشعوب في الوقت العسير، في تاريخ أولئك الذين كانوا حملة صادقين مخلصين لراية الجهاد، والإرشاد، والإصلاح، والدعوة، أولئك الذين قادوا سفينة هذه الأمّة إلى شاطئ النجاة وقت الشدائد. وأن يتعلّموا دروسا وعبرا من سير العلماء والدعاة الذين وقفوا دائما إلى جانب شعوبهم المؤمنة في جميع المحن والابتلاءات والهجمات التي اجتاحت بلاد المسلمين، واستماتوا في الدفاع عن قيم مجتمعاتهم الدينية، والأفكار الإسلامية، وثقافاتهم العظيمة، في تاريخ أولئك الذين صمدوا كالجبال الرواسي إبّان الاحتلال البريطاني على أفغانستان والمنطقة، أولئك الذين بذلوا تضحيات جبّارة لإنقاذ شعبهم المؤمن من مخالب الشيوعيين الملحدين.

وليعلم هؤلاء الذين يشاركون مؤاتمرات دينية تخدم مشروع الولايات المتحدة أنّ أمريكا كما أنها انهزمت في المعارك العسكرية والسياسية والدعائية، فإن مؤامرتها الدجالية الأخيرة هذه أيضاً ستبوء بالفشل والعار والهزيمة، فقد قال الله تعالى مبشراً بها، ومصدّقا لها: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون).

فالمطلوب من الجميع، لا سيّما أهل العلم الذين يراهم الناس ورثة الأنبياء، أن يسيروا على نهج مئات من خيرة علماء هذا البلد ممّن أفتوا بشرعية الجهاد ضدّ الغزاة المحتلين، وممّن لهم دور مؤثّر في مقاومة المحتل، وهم يسعون مخلصين جادّين لإقامة نظام إسلامي في البلد ينعم الجميع تحت رايته وأمنه وعدله.

وما ذلك على الله بعزيز.