علماء الثغور وعلماء القصور

إعداد:عرفان بلخي

 

انعقد مؤتمر جاكرتا للعلماء كما انعقد مجلسهم في كابول وافتوا أنه “لا أساس قانوني للحرب الجارية في أفغانستان حيث الأفغان وحدهم هم ضحايا الحرب (التي) لا تحمل أي قيمة دينية ولا وطنية ولا إنسانية”. وأضافوا أن القتال باسم الجهاد في أفغانستان، حيث غالبية السكان من المسلمين، أمر “غير شرعي” في الإسلام، داعين لعقد مباحثات سلام. ثم أكدت- مايسمي- بعثة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلنطي (ناتو) مجددا دعمها للحكومة الأفغانية وقوات الأمن والدفاع الوطني، كما أعلنت تأييدها للفتوى الصادرة عن رجال الدين بعدم جواز القتال.

نسوا أو تناسوا هؤلاء (العلماء) احتلال البلاد والجرائم الحربية التي تقوم بها القوات الغازية ليل نهار وقصف البيوت الآمنة ونسف دور العبادة والمساجد وقتل الأبرياء الأطفال وحفاظ القرأن يوم تخرجهم.

ونسوا دور العلماء في الجهاد المقدس ضد المعتدين والكفار؛ فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية العالم المجاهد الذي جمع بين السيف والقلم حينما جاء التتار بجموعهم إلى الشام سنة 702هـ أرجف المرجفون، وخرجت القلوب من جنوبها، حيث استعدت الجيوش من مصر والشام لملاقاة تلك الجموع، وقد أخذ دعاة الهزيمة والتردد ينشرون الفزع في القلوب، أما ابن تيمية فكان يثبت القلوب ويعدهم بالنصر والغلبة، تالياً عليهم قول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) حتى إنه كان يحلف بالله: إنكم لمنصورون!، فيقول بعض الأمراء له: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقاً لا تعليقاً، فاطمأنت القلوب وسكنت النفوس، ولكن دعاة الهزيمة أتوا الناس من ناحية أخرى متذرعين بقولهم: كيف نقاتل المسلمين؟ إن ذلك ليس بجائز شرعاً. يقولون هذا الزعم وكأنهم مهاجمون وليسوا مدافعين. عندئذ تقدم ابن تيمية بجرأة الحقيقة الشرعية في هذا القتال والمقاتلين. فيقول: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية رضي الله عنهما، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما. وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والمظالم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة. ثم قال مصرحاً: (إذا رأيتموني في ذلك الجانب –أي مع التتار- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني)!

وهذا السيد أحمد الشريف السنوسي رحمه الله الذي كان من المشايخ الأربعة الكبار للطريقة السنوسية كان حبر جليل وسيد غظريف وأستاذ كبير، من أنبل الناس جلالة قدر وسراوة حال، ورجاحة عقل قاتل الايطاليين إذ انضم إلى الدولة العثمانية فحمل لواء الجهاد وحده وسارت برقة وطرابلس تحت لوائه. وهو من قادة المجاهدين والعلماء العاملين، قد أوقف نفسه لنشر الإسلام وإعادة مجده وسلطانه. ووقف في وجه الكافر المستعمر الفرنسي إحدى عشرة سنة من 1902م إلى 1913م والكافر المستعمر الإيطالي ما يزيد على السبع سنين. لقد عرف عن السيد المجاهد، المصابرة على الجهاد، والاستماتة في مقاتلة الأعداء، فهو في الوقت الذي كان يجمع الجموع للجهاد ويحرضهم على القتال مبيناً فضله وعظيم أجره وجزيل ثوابه، كان يقود المجاهدين في ساحات الوغى ايضا.

وهذا هو القاضي الشيخ أسد بن الفرات. قاد جيشاً عظيماً لفتح صقلية. فخرج على رأس الجيش في ربيع 212 هـ وكان يوماً مشهوداً. حيث خرج وجوه أهل البلد يشيعونه. لم يبقَ أحد من رجال الدولة إلا شيعه. ولما خرج هذا العالم المجاهد. وسار في حفل عظيم من الناس. تحفه حملة الأعلام والسيوف. فركب البحر ونزل في مدينة (فأزر) من بلاد صقلية، والتقى الجمعان، فحمل المسلمون على أعدائهم: حملة شعواء. وهو على رأس النفيضة، يحرض المؤمنين على القتال قولاً وفعلاً، فدارت الدائرة على جيش الروم. ودك حصوناً واستولى عليها: ثم أصيب بجراحات بالغة سال منها الدم على اللواء الذي يحمله حتى فاضت روحه إلى ربها راضية مرضية. فأين منهم هئولاءاصحاب المؤامرات والمؤتمرات مايسمون انفسهم من العلماء؟

نعم ستنعقد المؤتمرات والمؤامرات والندوات الأخرى مرارا وتكرارا بمبادرة امريكية وحلفائها لكبح جماح الجهاد المقدس ووقف هذا السيل الجارف لمنافع المعتدين والغزاة والعملاء، ولكن بلا جدوى؛ فالشعب الأبي يعرف احتلال البلاد ومظالم الكفرة المعتدين فلذلك شمر عن ساعد الجد في مقابلة الكفار والمعتدين وسيقاتلونهم إلى أن يطردوا آخر فرد منهم من ربوع البلاد.

في زمان غابر كان للعلماء دورٌعظيمٌ في تثبيت قلوب المسلمين، وجمع صفَّهم، وبثِّ الهدوء والطمأنينة في روعهم، سيَّما في أزمان الفتن، وأوقات الهرج، فللعلماء دورٌكبيرٌ في توضيح ما أُشكل على الناس، وردِ مُخطئهم، وانْتشال من وقع منهم في الفتنة والغي والبغي، وليس لأحد من غير العلماء القدرة على هذا الأمر؛ لما يميزهم من فضيلة “الوراثة لعلم النبوة” بما تتضمنه من صفاء العلم وسلامته وصلته بمعين النبوة الصافي. وقد حفل تاريخنا الإسلامي بالعديد من الأسماء التي كان لها عظيمُ الأثرفي تجاوز مراحل الفتن، والعبوربالأمة الإسلامية إلى برِّالأمان، ولوأدى الأمرإلى تعرضهم وذويهم للبغي والأذى من قِبل أعداء الأمة، فكم من عالم أوذي في سبيل الحق الذي معه، أوالباطل الذي يعاديه ويناكفه وهذا الدورُ لم يكن ليقتصرعلى مظهرٍ واحدٍ، وإنَّما تنوع بتنوع الفتن، فإن كانت الفتنة فتنة قتالٍ وحروبٍ وهرجٍ ومرجٍ، خرجَ العلماءُ منتصرين لفسطاط الحق، مبصِّرين الناس بصاحب الحق، والواجب على الأمة حيال هذه الفتنة، وهكذا الحال تجاه كل فتنة تعرض على المسلمين فلم نرَمن العلماءالربانيين في ذلك إلاكل صدقٍ وأمانةٍ وحرصٍ على هذه الأمة، ولم نرَمنهم إلا قُد اتوا نماذج مثالية للإقتداء والتأسي.

وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر – رضي الله عنه -: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمي.

فهذا عتاب بن إبراهيم المحدث الذي اشتهر عنه أنه نافق الخليفة المهدي وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان المهدي يحب اللعب بالحمام والسباق بينها فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة: لا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ. وزاد الحديث أو جناح فأمر له المهدي بعشرة الآف ولما خرج قال: والله إني أعلم أن عتابًا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بالحمام فذبحه ولم يذكر عتابًا بعدها.

وهذا أبو الحسن بن علي بن جبلة الخراساني الملقب بالعكوك الشاعر الذي قال في أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي:

 

أنت الذي تنزل الأيام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال

وما مددت مدى طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال

 

فأحضره الخليفة المأمون بين يديه وقال له: أَسْتَحِلُّ قَتْلَكَ من أجل شركك وقولك في عبدٍ ذليلٍ هذه الأبيات ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه فأخرجوا لسانه، جزاء وفاقًا. (البداية والنهاية لابن كثير 10/280).

 

وهذا ابن هانيء الأندلسي الذي مدح الخليفة المعز الفاطمي بمدح يصل إلى الكفر فقال:

 

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ * * * فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

و كأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ * * * وكأنّما أنصاركَ الأنصارُ

أنتَ الذي كانتْ تُبشِّرنَا بهِ * * * في كُتْبِها الأحبارُ والأخبارُ

هذا إمامُ المتَّقينَ ومنْ بهِ* * * قد دُوِّخَ الطُّغيانُ والكُفّار

هذا الذي ترجى النجاة بحبِّهِ * * * وبه يحطُّ الإصرُ والأوزار

هذا الذي تجدي شفاعته غداً * * * وتفجَّرَتْ وتدفّقَتْ أنهار

 

نقول إن مهمة العلماء هي بيان الحق وقول الصدق، وقيادة الأمة قيادة عزة وكرامة، لا تخشى في الله لومة لائم، (وقل الحق من ربكم)، فهم هداة الأمة ونموذجها فإذا تنافس العلماء في الدنيا وتسابقوا إلى باب السلطان بالمديح والتملق، وتحولوا إلى خدام أوفياء لحكام الجبر والإكراه أو لعملاء الاحتلال فلا ترجو منهم خيرا. (وإذا رأيتم العالم يلج باب الحاكم فاحذروه). فأخطر ما أضر بأمتنا هم علماء البلاط (الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا)، ولا يجتهدون إلا في التبرير ولا طموح لهم في التغيير.

يقول صاحب تفسير في ظلال القرآن: “ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به.. هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم – في وهمهم – عرض الحياة الدنيا. وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعاً.