من أخلاق المجاهد: ضرورة الجود والسخاء في حياة المجاهد

إعداد: أبو طلحة

 

إن السخاء والكرم والجود تحتل مكانة کبیرة في الإسلام، والإسلام كما أكد على الصلاة أكد على الإنفاق والجود والبذل، بل جعل حصول البر منوطا بحصول إنفاق ما يحبه الإنسان في سبيل الله تعالى، فقال عز من قائل: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)). قال عطاء في تفسير هذه الآية: لن تنالوا البر يعنى شرف الدين والتقوى حتى تنتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء. (التفسير المظهري: 2/62). وقد أثنى الله تعالى على الصحابة رضي الله عنهم على اتصافهم بهذه الخلة الجميلة وإيثارهم على الغير، فقال: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). الاية.

 

السخاء لغة واصطلاحا:

السخاء لغة مأخوذ من مادة سخي ويدل على على اتّساعٍ في شيءٍ وانفراج فیه. الأصل فيه قولهم: سَخَيْتُ القِدر وسَخَوتُها، إذا جعلتَ لِلنارِ تحتها مَذْهباً. السّخاوة والسّخاء: الجود، والسّخيّ: الجواد. (مقاييس اللغة لابن فارس: 3/146)

واصطلاحا: بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل إلى مستحقّه بقدر الطّاقة . (أدب الدنيا والدين للماوردي: 184)

یقول ابن القیم رحمه الله: إذا كان السخاء محموداً فمن وقف على حده سمي كريماً وكان للحمد مستوجباً، ومن قصر عنه كان بخيلاً وكان للذم مستوجباً، وقد روي في أثر: إن الله عز وجل أقسم بعزته ألا يجاوزه بخيل. (الوابل الصیب:34)

 

أنواع السخاء:

یقول ابن القیم: السخاء نوعان: فأشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك، والثاني سخاؤك ببذل ما في يدك. فقد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئاً، لأنه سخا عما في أيديهم. وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً.

ویقول ابن قدامة المقدسي: أرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه. (مختصر منهاج القاصدين: 205)

وقالوا: السَّخيُّ مَن كان مسرورًا ببذله، متبـرِّعًا بعطائه، لا يلتمس عرض دنياه فيحْبَطُ عملُه، ولا طلب مكافأة فيسقط شكرُه، ولا يكون مَثَلُه فيما أعطى مَثَلُ الصَّائد الذي يلقي الحَبَّ للطَّائر، ولا يريد نفعها ولكن نَفْعَ نفسه. (صلاح الأمة في علو الهمة لسيد العفاني: 2-617)

 

نماذج مِن كرم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وجوده:

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أجود الناس وقد مثّل أروع الأمثلة على ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم تدرّ عليه الخيرات و الغنائم ولكنه يُؤْثِـر على نفسه، فيعطي العطاء ويمضي عليه الشَّهر والشَّهران لا يُوقَد في بيته نارٌ. وإذا ألقيت النظر في كتب الحديث ستجد نماذج رائعة عن الجود والكرم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ونكتفي هنا بسرد بعض الأحاديث.

ـ عن ابن عباس قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآن، قال: فلَرَسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – أجودُ بالخير من الريح المُرْسَلة. رواه أحمد.

– وعن أبی هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ.

– عن موسى بن أنسٍ، عن أبيه، قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة.

– وعن جبير بن مطعمٍ، أنَّه بينا هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه النَّاس، مقبلًا مِن حنينٍ، عَلِقَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ، فَخطِفَتْ رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العِضَاهِ نَعَمًا، لقسمته بينكم، ثمَّ لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا.

– وأهدت امرأة إلى النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام شملةً منسوجة، فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام محتاجًا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل مِن الصَّحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه! فاكْسُنِيها، فقال: نعم، فلمَّا قام النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام لامه أصحابه، فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجًا إليها، ثمَّ سألته إيَّاها، وقد عرفت أنَّه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلِّي أكفَّن فيها.

 

نماذج مِن كرم الصَّحابة وجودهم:

وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم نماذج رائعة من الإيثار والسخاء يندر نظيره في التاريخ البشري، ولولا وجود تلك الوقائع في كتب الحديث لما صدقه العقل البشري اليوم، وإن كتب التاريخ والسيرة طافحة بأمثال الجود والسخاء والإيثار التي اتصف بها الصحابة رضي الله عنهم أجميعن، ونشير هنا إلى بعض الأمثلة:

– عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطَّاب، يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده، فقال: يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا. رواه الترمذی

ـ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنَّه سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طَلْحَة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحى ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا نزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92] قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ الله يقول في كتابه: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخٍ ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه . رواه مسلم

ـ وعن ابى هريرة قال اتى رجل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال يا رسول الله أصابني الجهد فارسل الى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال انا يا رسول الله فذهب الى اهله فقال لامرأته هذا ضيف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا تدخريه شيئا قالت والله ما عندى إلا قوت الصبية قال فاذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوى بطوننا الليلة ففعلت.

ـ عن ابن عمر قال اهدى لرجل من اصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – راس شاة فقال ان أخي فلان وعياله أحوج الى هذا منا فبعث به إليهم فلم يزل يبعث به واحد الى اخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت الى أولئك.

هذه غيض من فيض من النماذج التي ضربها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في الجود والكرم والإيثار، وإن المسلمين اليوم بأمس الحاجة إلى التحلي بهذه الصفة التي كادت أن تصبح حلما من الأحلام نتيجة تأثير الحضارة الغربية الماجنة على الأسر والبيوتات.

إن المسلمين اليوم وهم يعيشون في ضيق وشدة في أنحاء العالم بحاجة ملحة إلى الجود والسخاء والإيثار وإن السخاء كفيل أن يخرج المسلمين من هذا المأزق الذي وقعوا فيه. وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” روي عنه أيضا: “الجُود حارس الأعراض”. (ربيع الأبرار ونصوص الأخيار للزمخشري: 357/4).

والمجاهد بأمس الحاجة إلى الاتصاف بهذه الصفة وهو يقاتل أعداء الأمة، وليتذكر المجاهد الذي لا يبغي بجهاده إلا رضى الله قصة الصحابة الذين تقاسموا الماء فيما بينهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة.

إن الجود والإيثار والسخاء قد صنعت العجائب خاصة في تاريخ الجهاد، والأمة الإسلامية إنما انتصرت على أعداءها بفضل اتحادها والتحامها، وإن الالتحام والاتحاد لا يمكن إلا إذا اتصفت الأمة بهذه الصفة النبيلة. والمجاهد الذي يمشي وراء الغنائم ولا تهمه إلا نفسه لا يكسب المعركة ولن ينال قصب العلو في معركة الجهاد.