مسرحية الفتاوى الأمريكية

بقلم الاستاذ خليل

 

العمامة من الأزياء الدينية التقليدية للأفغان، خاصة العمامة البيضاء؛ فهي عادة ما يرتديها أهل العلم، وتعتبر علامة على علم أصحابها.

يُحكى أن أحدا من المتعممين الأميين كان جالسا يوما في حافلة شعبية في كابول، فجاءه أحد أفراد الشرطة واستقرأه ورقة.

فقال له: أنا أمي لا أستطيع القراءة.

فقال له الشرطي: كيف تقول أنا أمي وعلى رأسك عمامة بيضاء؟

فرفع الرجل العمامة عن رأسه ووضعها على رأس الشرطي وقال اقرأها أنت الآن! فتحير الشرطي واندهش، ولم يجد جوابا.

تذكرت هذه القصة لما تردد مؤخراً عن أن عدداً من المتعممين اجتمعوا في العاصمة كابول ليصدروا فتوى تُحرِّم النشاطات المسلحة ضد الاحتلال الصليبي وعملائهم في أفغانستان.

وتأتي سلسلة هذه المؤتمرات والفتاوى عقب تصريحات الجنرال الأمريكي المهزوم “نيكولسن” بفرض ضغوط سياسية وعسكرية ودينية على حركة “طالبان” لإخضاعهم للمصالحة مع حكومة كابول العميلة، مما نستنتج منه أن هؤلاء تم جمعهم بتعليمات مباشرة من الجنرال الأمريكي المنهزم “نيكلسن”، وأن الفتوى تم تحريرها وترتيبها تحت إشراف كبار جنرالات الصليب وبرعاية الإستخباراتيين.

وكفى بتلك الفتوى باطلاً أنها خرجت من نفس الخيمة التي حاولت إضفاء الشرعية على الاحتلال الأمريكي وأيدت توقيع الشراكة الإستراتيجية معه، كما أنها لم تتطرق إلى موضوع تواجد الاحتلال الأجنبي على الأرض المسلمة وجرائمه في حق الأفغان الأبرياء العزل.

إن الأفغان ينبذون مثل هذه الفتاوى المستأجرة ويتعاملون معها على أنها هذيان، وأن هؤلاء المجتمعين ماهم إلا أبواقاً للاحتلال تعكس آراءه، ولذلك أثارت موجة من السخرية في وسائل التواصل الإجتماعي حيث وجه مستخدموها عدة أسئلة إلى هؤلاء الذين أُصدروا هذه الفتوى باسمهم:

أيها المفتون! من فضلكم أفتونا منذ متى صار احتلال أراضي المسلمين جائزا؟

ما هو الفرق بين الاحتلال الأمريكي والاحتلال السوفييتي؟

ما حكم الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الأمريكية على بلاد الأفغان وقراهم ويروح ضحيتها العشرات من الأبرياء يوميا؟

 

وبحسب الخبراء فإن الفتوى كانت قد جهزت لمؤتمر إندونيسيا لكن الأطراف لم توافق على إصدارها، فبادرت حكومة كابول العميلة إلى جمع عدد من المنتسبين إلى العلم وإصدارها باسم العلماء.

والفتوى إلى جانب اشتمالها على خيانات علمية من تحريفات وتناقضات، وإنزال النصوص الشرعية، الآيات والأحاديث في غير مواقعها، كانت ناقصة من الناحية العلمية والفقهية أيضا.

حيث استدلوا لتحريم العمليات الإستشهادية بقتل النفس والانتحار، وهذا لا ينكره أحد بأن الانتحار حرام، ولكن هناك فروقا واضحة بين الانتحار والاستشهاد ذكرها العلماء الأفاضل في كتبهم.

إن الأعداء يهدفون عن طريق هذه الفتاوى إلى نزع هذا السلاح الفتاك من أيدي المجاهدين، لأن للعمليات الإستشهادية دورا بارزا في إذلال الاحتلال الأمريكي وعملائه، وإفشال مؤامراته ودسائسه، وهي الوسيلة الناجعة لمقارعة أعداء الإسلام المدججين بأفتك أنواع الأسلحة والمختبئين في القواعد المحصنة، ولذلك نرى الأعداء ركزوا على محاربتها صرفا للشباب عن القيام بها.

وقد أفتى علماء الأمة الربانيون على اختلاف مشاربهم وعرقياتهم بجواز العمليات الإستشهادية ضد القوات المحتلة والعميلة في فلسطين وأفغانستان وغيرهما، وفتاويهم متوافرة على الشبكة العنكبوتية.

وكذلك استدلوا على تحريم النشاطات المسلحة ضد الاحتلال وعملائه بأنها تسفك الدم الحرام، لكنهم غضوا الطرف عن حكم الغارات الجوية، والمداهمات الليلية، وقذائف المدافع التي تطلقها القوات الحكومية.

واعتبرت الفتوى الجهاد في أفغانستان قتالا دائرا بين طائفتين من المسلمين! ومن أغرب ما جاءوا به أنهم اعتبروا المجاهدين الفئة الباغية التي تجب قتالهم، ولكن يعلم القاصي والداني والعدو والصديق أن القتال في أفغانستان بين المسلمين من جهة وبين الصليبيين المعتدين وعملائهم المرتزقة من جهة أخرى، والقتال بين معسكر الإيمان ومعسكر الصليب.

ولئن سلمنا أن القتال بين طائفتين من المسلمين، فأخبروني بالله من هي الفئة الباغية، الحكومة الموالية لليهود والنصارى أم المجاهدون والشعب المدافعون عن دينهم وأنفسهم وأرضهم وعرضهم؟

وقد ادعوا أن ألفي عالم اجتمعوا من أنحاء أفغانستان، وأصدروا فتوى بعنوان “فتوى علماء أفغانستان”، ولكن لم تشتمل الفتوى حتى على اسم وتوقيع واحد من المشاركين! ولم نسمع عن مشاركة شخصية علمية محايدة واحدة في هذا المؤتمر، مما يثير عدة أسئلة لا زالت معلقة وبدون أجوبة حول هذه الفتوى:

من هم هؤلاء المجتمعون؟

هل كانوا علماء؟

ما هي أهليتهم العلمية؟

هل كانوا أهلا للفتوى؟

هل كانوا ثقاة ومحايدين؟

وغير ذلك من الأسئلة مما يزيدنا ثقة بأنها فتوى مشبوهة، لأنها فتوى المجاهيل والجهال والضالين المضلين، وأنها فتوى المفتنين والمفتونين بفتنة الاحتلال الصليبي، وأنها فتوى علماء السوء الذين يريدون أن يأخذوا الأسلحة من أيدي الشعب الأفغاني ليقتلهم الصليبيون وعملاؤهم كما يشاؤون.

إن الأمريكيين يريدون تحقيق هدفين عن طريق مثل هذه المؤتمرات الهزيلة والفتاوى المستأجرة؛ إخضاع المقاومة الجهادية والإساءة لاسم العلماء.

ولكن يجب أن نقول لهم: لا تظنوا أن الإسلام كاليهودية المبدلة والنصرانية المحرفة، حيث تبدل القساوسة والحاخامات أحكام كتبهم حسب أهوائهم. لا، بل لقد قيض الله للإسلام حماة في كل زمان ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وقد تعهد رب العالمين بحفظه وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

فهجوم الكفار واحتلالهم لأرض المسلمين لا يقره دين الإسلام مهما وجد الصليب من يفتيهم بجوازه، والمقاومة ضد الكفار المعتدين وعملائهم جهاد مقدس وحق مكفول شرعا للمستضعفين ولو أجمع العالم على تسميته إرهابا. هذا من أجلى البديهيات ومن الأساسيات في دين الإسلام التي لا تستطيع فتوى من أي مركز ديني وأي مرجعية صدرت تبديلها وتغييرها.

ولا تظنوا أن المجاهدين سيتخلون عن الجهاد والكفاح بهذه الفتاوى المضللة المستأجرة، أو أنها ستؤثر سلبا على المقاومة الجهادية الأفغانية، لأن المجاهدين لم يبدؤوا جهادهم بفتوى من علماء السوء الموالين للإحتلال الذين غذوا بلبانه ونشؤوا في حجوره ليتخلوا عنه بفتواهم!

إن حركة طالبان الإسلامية حركة علمية جهادية، أميرها وأكثر أعضاء شوراها القيادي من علماء الدين الأجلاء، وجل مجاهديها هم طلبة العلم الشرعي، وتدعم مقاومتها الجهادية جمهور العلماء من الأمة الإسلامية داخل البلاد وخارجها، وتستمد حركة طالبان قوتها من الفتاوى الشرعية الصحيحة، فهل يظنن عاقل بعد ذلك أن فتوى “نيكلسن” المشبوهة ستؤثر سلبا على مقاومتهم الجهادية؟

إن للبلاعمة تاريخ طويل، إن المحتلين في كل مكان وزمان استغلوا حماقات هؤلاء في التصدي للجهاد والمجاهدين.

وقد سبقكم إلى مثل هذه الفتاوى الشيوعيون لكنهم عجزوا عن القضاء على المقاومة الأفغانية الجهادية.

إنكم ستتمكنون من شراء ذمم آلاف المنتسبين إلى العلم واستصدار فتاوى تطابق أهواءكم وتتماشى مع مصالحكم، لكن القضاء على الجهاد ليس بوسعكم، إن الجهاد ماض إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.

فيا لعناد أمريكا وتعنتها! لا زالت تجحد حقوق الأفغان المغتصبة وتحاول بشتى الطرق وكافة الوسائل تثبيت احتلالها على أرضهم إلى أمد بعيد، بدءا من استفراغ القوة الفتاكة، ومرورا بالحرب الدعائية المكثفة ووصولا إلى الفتاوى التضليلية المعلبة كلها محاولات أمريكية بائسة لإخضاع الأفغان لقبول الاحتلال، ولكن أنى لها أن تنجح! فالأفغان هم الأباة الذين لا يقبلون الاحتلال ولا ينامون على الضيم، وبلادهم مقبرة للامبراطوريات وعصية على المحتلين وتأبى أن تخضع لهم.

فعليكم أن تعترفوا بهزيمتكم أمام المجاهدين الأبطال، وقد عجزتم أمام صمود الأفغان وصبرهم.

يجب على أمريكا أن لا تتهرب من الواقع. وبعد فشل محاولاتها المتكررة عليها أن تعترف بفشلها وهزيمتها أمام مقاومة الأفغان الجهادية، فالواقع هو الواقع اعترفتم أم أنكرتم، شئتم أم أبيتم.

وبحسب الخبراء فإن أمريكا وصلت إلى مرحلة اليأس، وبهذه الخطوات المضحكة الطفولية تريد أن تحول هزيمتها الوشيكة نصرا، وإن سعيها لاستصدار الفتوى باسم علماء الدين محاولة أخيرة يائسة من هذه السلسلة.

وإننا على يقين تام بأن صمود الأفغان وصبرهم ومقاومتهم الجهادية ستطرد المحتلين عن البلاد وتجبرهم على الانسحاب، وأن هذه الفتاوى المعلبة لن تؤثر على المقاومة كما لم تؤثر عليها قنابل الفسفور وأم القنابل.