القصف والإبادة الجماعية، والضمائر الميتة!!

لا يمضي يوم ولا ليلة في قرى أفغانستان والمناطق النائية لا يستشهد فيه الأبرياء من المدنيين الأفغان نتيجة الغارات الجوية التي تنفذ من قبل طائرات أمريكية بلا طيار، أو المروحيات ومقاتلات (اف 16)، أو القذائف والصواريخ التي تطلقها القوات الأجنبية والداخلية.

ومن ضمن هذه الجرائم كانت أحداثاً ذهب ضحيتها عشرات من المدنيين الأبرياء، و قتل أفراد أسر بأكملها من الرجال والنساء، ولعل أحدث نماذج لهذه الجرائم الوحشية هي التي ارتكبت أخيراً في مديرية زرمت بولاية بكتيا، ومديرية خوجياني بولاية ننجرهار، ومديرية تشهاردرة بولاية قندوز، وغيرها من الأحداث الكثيرة التي يمكن أن تعنون كل واحدة منها بعنوان (إبادة جماعية، أو جريمة حرب كبيرة)

وفي الأونة الأخيرة انتشر الجنود الأمريكيون من جديد في بعض ولايات أفغانستان، وإثر ذلك ارتفعت نسبة الجرائم المشار إليها آنفاً بشكل ملفت، ورغم أن صحف وإعلام أمريكا وإدارة كابل لا تتعرض لهذه الجرائم والغارات الوحشية، إلا أننا نشاهد في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي صور وفيديوهات موثقة لجرائم الأمريكيين والتي تكشف الستار عن وحشية المحتلين.

ومن الملفت في سلسلة ارتكاب هذه الجرائم والانتهاكات، هو السكوت التام والصمت المطبق!! فرغم الإبادة الجماعية وأعمال الهدم والتدمير؛ لم تتخذ مؤسسات حقوق الإنسان، ولا أنظمة دول العالم، ولا المنظمات المستقلة، ولا الشخصيات البارزة المؤثرة في الساحة أية خطوات عملية لإيقاف هذا العدوان، ولا حتى نطقت ببنت شفة في إدانتها، بل تجاهلت كل هذه الجرائم وكأن شيئاً لم يحدث!!.

ولا ندري كيف يوجه هؤلاء مواقفهم الانحيازية هذه، ففي أوروبا والدول الغربية لو أن أحد اعتدى على آخر بالسكين، أو تسبب في قتله أو جرحه في أي هجوم آخر، تقوم جميع وسائل الإعلام في العالم وتسطر ذلك الخبر في العناوين الرئيسية لصحفها، ويبادر أمين عام الأمم المتحدة بإظهار تعاطفه مع ضحايا الحادث، ويعلن الشخصيات السياسية حدادهم، ولا يتوان أحدٌ منهم عن المواساة ووعود الدعم والمساعدات؛ لكن حينما تقصف المقاتلات الأمريكية قرى بأكملها في أفغانستان، وتحول دياراً عامرة إلى أطلال بالية، وتحرق أطفالاً نياماً بلهيب قنابل الفاسفورس الأبيض! وتُحرم الفلاحين، وأصحاب المواشي، والعمال الفقراء من ثرواتهم ومزارعهم ومواشيهم، وتحول المنازل مقابر على سكانها! فلا نجد حينها أي خبر فرعي في الوسائل الإعلامية، ولا يتحرك لها الضمير الإنساني!!

إن المواقف غير المحايدة، والتعامل السياسي مع القضايا الإنسانية في الحقيقة عارٌ على أصحابها وأمر لا يمكن توجيهه، ويتضح من ذلك بأن الشعارات التي رفعت في الأونة الأخيرة والتي تنادي بحقوق الإنسان، والرعاية البشرية، والتعاطف والمواساة جميعها متعرضة للفشل، وأن دعاة التمدن والحضارة الحاليون عائدون خلقياً إلى الحالة المأساوية في القرون الوسطى.

إن إمارة أفغانستان الإسلامية تندد باشد العبارات الإبادة الجماعية للأبرياء التي شرعها الأمريكيون، وتطالب جميع أصحاب الفطر السليمة على مستوى البلد والعالم بأن يقفوا في وجه هذه الجرائم والانتهاكات، وإن الغارات الجوية الأمريكية مهما عنونوا لها إلا أن نتيجتها الواقعية هي قتل الأبرياء وإبادتهم، وهدم ديارهم ومنازلهم. وتقتضي الأخوة الإسلامية، والتعاطف الإنساني بأن نرفع أصواتنا ضد هذه الانتهاكات والجرائم البشعة، حتى لا تسفك مزيد من دماء شعبنا المظلوم والمضطهد.