داعشُ أفغانستان؛ إذ تُرحّب بهم إدارة كابول!

سيف الله الهروي

 

من العراق، إلى سوريا، فسيناء إلى أفغانستان، كيف يتردّد عناصرٌ ينتمون إلى تنظيم داعش سرًّا بعد زوال دولتهم وانهيار تنظيمهم في الموصل؟ وكيف يخططون لهجمات انتحارية على أشخاص في أماكن عامّة أكثرُهم معارضون للأنظمة الاستخباراتية في المنطقة؟

يبدو أنّ القضية لم تبق هذه الأيّام لغزًا من الألغاز أو سرًّا من الأسرار لأحد، بعدما أحاط بعناصر هذا التنظيم في بعض ولايات أفغانستان مقاتلو الإمارة الإسلامية مرارا، فإن هي هنيهات إلّا وقد وصلت مروحيات أمريكية بادرتْ بقصف مقاتلي الإمارة فورا وإنقاذ عناصر هذا التنظيم، وأخيرا بعدما ضاقت الأرض عليهم بسبب ضربات المجاهدين في أفغانستان، وهربوا من ضربات طالبان استسلموا في خطوة غريبة لحكومة كانوا يرونها وجيشها مرتدّين كافرين، وقتالَهم من أوجب الواجبات!

هكذا الغلاة دائما فهم إمّا في ذروة الغلو، وإمّا في حضيض التفريط، كانوا يكفّرون الحكومة، ثمّ لم يستسلموا لمجاهدي الإمارة الإسلامية، وإنما استسلموا لحكومة عميلة فاسقة فاجرة!

الغلاة وأفكارهم التكفيرية المتطرّفة، من أكبر الكوارث التي ابتليتْ الأمّة بهم في صدر الإسلام، وابتليت بهم أخيرا، حيث عاد الفكر الخارجي من جديد، وترعرع ونشأ في صمت دون أن تنتبه الأمّة لهذا الخطر الكبير، ودون أن تحصّن نفسها أمامه، لكن انتبه أعداؤنا لهذا الفكر، وربّما هم الذين أحيوا هذه الفكرة في عصرنا؛ لِما فيها من مصالح ومنافع لهم في تقويتها، وترويجها في الوسط الديني لهذه الأمّة.

لكن تفاقمت الكارثة لمّا تغلغل هذا الفكر الإجرامي المتطرّف في شعبة الجهاد والقتال التي هي أحد أهمّ شعب الدين، فالغلو لم يدخل في شعبة من شعب الدين إلّا وأفسده، فإذا دخل في العبادات أفسدها، وإذا دخل في السياسة أفسدها، وإذا دخل في العقائد والمعتقدات أفسدها، وهكذا إذا دخل الغلو في الجهاد لن يتركه إلا ويفسده، ولقد دخل الغلو في الجهاد في بعض المناطق من العالم الإسلامي فأفسد جهادَ المقاتلين المخلصين، وأحبط جهودهم، ولولا منّ الله تعالى وكرمه وفضله، ولولا ذكاء قادة الجهاد في افغانستان لتغلغل هذا السرطان بين مجاهدي أفغانستان وأفسد جهادهم، لكنّ الله تعالى حفظ جهاد هذا البلد من خبث الغلو والشدّة، بوعي المجاهدين أوّلًا وبحزمهم ثانيا في القضاء على أوكار الغلاة الخوارج الجدد في هذا البلد.

إنّ الغلو شرّ وفسادٌ أين كان وفي أي شعبة من الدين تغلغل، لذلك نهى القرآن عن الغلو قائلا: {لا تغلوا في دينكم}، ونهى النّبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو قائلا: “إيّاكم والغلو”.

لكنّ الغلاة المتغلغلين في صفوف المقاتلين أكثر شرّا وفسادا، ولا تخفى شرورهم ومفاسدهم على أحد بعدما شهد العالم دمارا واسعا لمناطق كان سيطر عليها الغلاة، حيث تركوها خرابا ويبابا، وتلك المناطق التي كانت عامرة، لم يبق اليوم منها إلا مخروبات وأنقاض، ومن أخبث ثمرات وجود الغلو والغلاة بين المقاتلين أنهم يجلبون على البلدان الإسلامية والمسلمين سخط المجتمع الدولي من غير حاجة، ويوفّرون للأعداء ذريعة للاحتشاد العسكري الدولي باسم محاربة الإرهاب، كما شوهد ذلك في بعض المناطق التي سيطر عليها الغلاة في مؤامرة مدروسة.

لقد قضى المجاهدون بحمد الله وتوفيقه في أفغانستان على غلاة داعش، وأراحوا البلاد والعباد من شرّهم، لكن الفكرة التي تغذّى بها عناصر هذا التنظيم، تلك الفكرة التكفيرية المتطرفة لا زالت تعيش حياتها الطبيعية خارج شعبة الجهاد والمجاهدين بين الأمة، تلك الفكرة التي تسعى لهدم كلّ ما بناه المسلمون عبر التاريخ الإسلامي من حضارة وثقافة.

والآن بعد أن هلك داعش واختفى في بلدان، ويلفظ أنفاسه الأخيرة في أخرى، يجب على الجميع أن يقوموا بواجبهم نحو تحصين الأمّة فكريا تجاه أزمة الغلو والتطرف والتكفير، ونحو تجفيف جذور هذه الفكرة الإجرامية بالتوعية والوعي؛ لئلا تشهد الأمة من جديد تنظيما إجراميا مثل داعش، ولئلا تصاب الأمّة بسرطان مثل هذا، ولئلا يقع شباب الأمة في شباك الاستخبارات العالمية باسم الدين والجهاد وغير ذلك.

وما ذلك على الله بعزيز.