عبد الصبور..أيقونة الهجمات من الداخل

خلیل وصیل

 

“الهجمات من الداخل” ميزة الجهاد الأفغاني، التي أرعبت المحتلين الأجانب وجرعتهم المر والعلقم، وأذاقتهم الويلات تلو الويلات وأنكت فيهم أيما نكاية، وأجبرت كثيرا منهم على الهروب والانسحاب.

لا زال كابوس هذه الهجمات البطولية يخيف الأجانب ويخنقهم، هذا التكتيك الجهادي لا زال يطارد المحتلين حينا بعد حين، مخلفا في صفوفهم خسائر فادحة، وملقنا إياهم دروسا لن ينسوها طيلة حياتهم عن مقبرة الإمبراطوريات وحول إباء الأفغان ورفضهم للاحتلال.

“عبد الصبور” (فرج الله عنه) أحد هؤلاء الجنود الأخفياء، قبل سبعة أعوام في يناير عام 2012 الميلادي، صوب فوهة سلاحه نحو المحتلين الفرانسيين وأردى منهم 17 قتيلا وجرح 25 آخرين، ووقع في أسر الأعداء وحكم عليه بالإعدام.

هذا الأسد المغوار مضى عليه 28 ربيعا من عمره، لا زال أسيرا منذ سبعة أعوام ولا زال يجلجل في قيود ولكن زئيره يخيف المحتلين والعملاء.

ينتمي هذا البطل إلى عائلة “نور محمد” من ولاية كابول مديرية “موسهي”، انضم إلى صفوف العسكر، وفي العام الحادي والعشرين من عمره قام بقتل الجنود الفرنسيين في مديرية “تكاب” بولاية “كابيسا” ويذكر قصة هجومه في الكلمات التالية:

كنت في الجيش، وأقوم بمهمتي في مديرية تكاب بولاية كابيسا، وذات مرة اشتبكنا مع طالبان ودارت رحى الحرب الزبون، واستشهد عدد من الطالبان، وأهان الفرنسيون جثامين الشهداء، ومثلوا بهم وتبولوا عليهم، ويضيف عبد الصبور أني لما شاهدت هذا الموقف المخزي اضطربت روحي، ووجدت كثيرا وقلت في نفسي لا خير فيّ إن لم أثأر لهؤلاء الشهداء، وكنت مدهشا وأسأل نفسي ما ذا أفعل؟

إلى أن جاء العصر، واجتمع الفرانسيون للعب الكرة في ملعب القاعدة التي كنا نسكن معا فيها، فصعدت إلى الدبابة التي كنا قد أوقفناها للحراسة، فلما اجتمعوا واجتمعوا، صوبت فوهة “دوشيكا” نحوهم، وأمطرت عليهم وابلا من الرصاصات إلى أن انتهت، وقد قتل في هذا الهجوم 17 فرنسيا وجرح 25 آخرين.

ويضيف “عبد الصبور” قبض علي الجنود الآخرون، وكنت إلى حين مع الفرانسيين، ثم أحالوني إلى وزارة الدفاع، فضربوني وعذبوني ونكلوا بي، وأحالوا ملف قضيتي إلى المحكمة والنيابة العامة، وحكم علي القاضي بالإعدام قائلا: بأنك خائن خنت البلد، وأنك أفضحتنا، وأنك قتلت أصدقاءنا، أنت خائن، أنت عميل باكستان، أنت طالب، ويجب أن تشنق.

يقول “عبد الصبور” بعد سبعة أشهر من التعذيب والتنكيل المستمر وقفت أمام طاولة المحكمة، فأدانتني المحكمة وحكمت علي بالإعدام. وقد خرجت آنذاك تظاهرات في أرجاء البلد تأييدا لعبد الصبور، وتنديدا بحكم المحكمة باعتبارهم له حكما جائرا، وفي نفس الوقت قتل جندي أمريكي 16 عضوا من أسرة واحدة في زنجاوات قندهار، ولكن أمريكا توعدت وقالت لا يمكنكم محاكمة هذا الجندي الأمريكي.

 

عبد الصبور هزم فرنسا!

أرسلت فرنسا الكثير من جنودها إلى شمال أفغانستان تحت قيادة الحلف الأطلسي، وأدهشت بطولة عبد الصبور فرنسا، وزعزعت الثقة بينهم وبين الجنود الأفغان الذين تعهد الفرنسيون بتدريبهم.

وقد أجبرت هذه الحادثة وزير الدفاع الفرنسي آنذاك “جيرارد لونغه” على زيارة مفاجئة إلى كابول، وأرغمت حكومة فرنسا على سحب جميع جنودها من أفغانستان قبل الموعد.

عبد الصبور ذلك الأسد الصهور الذي يعتز به الأفغان، لا زال يقبع في سجون العملاء الذين لا يعرفون قدر الحرية والتضحية. ومؤخرا خرجت صورة له على منصات التواصل الاجتماعي وهو مكبل بقيوده، وصرح بأن حالته الصحية متدهورة، ولا زال يصارع الأمراض التي لحقت به جراء التنكيلات والتعذيبات في الزنزانة، ورجى من جميع المسلمين أن لا ينسوه من صالح دعائهم.