دروس من بلاد الأفغان

حامد عبد العظيم

“حان الوقت للتحدث مع طالبان”.

“ليس لدينا خيار”.

“لقد فشلت الحرب التي دامت 17 عامًا في أفغانستان على كل المستويات”.

هكذا يقول المحلل والضابط الأمريكي المخضرم دانيال ديفيس، والذي أضاف في مقال له: إن تقارير قد ظهرت في الآونة الأخيرة بأن البيت الأبيض يُصدر تعليماته إلى كبار الدبلوماسيين بالبدء في البحث عن محادثات مباشرة مع طالبان، إنه إجراء لم يكن من الممكن تصوره في بداية حرب أفغانستان، لكن هذا اليوم قد طال انتظاره. على الرغم من الانتقادات التي أثارتها، فإن مثل هذه المحادثات تقدم أفضل فرصة لإنهاء أطول حرب في الولايات المتحدة وأكثرها عقمًا”.

وقال ديفيس -الذي قاتل في أفغانستان- بوضوح: “إنه في حين أن هناك اتفاقاً واسعاً على أن القادة الأمريكيين كان لديهم ما يبرر إطلاق العمليات العسكرية في أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، فإنه من الواضح بشكل مؤلم بعد 17 عاما أن لا أحد لديه أي فكرة عن كيفية إنهاء القتال بشروط عسكرية.

وتوصل إلى الحل في نهاية مقاله بقوله إن “الحل الحقيقي لذلك هو سحب قواتنا بأسرع ما يمكن تحقيقه بأمان بدلاً من إلقاء المزيد منهم في صراع غير مثمر”[1].

الحقيقة أن ذلك ليس رأياً فردياً من محلل عسكري وضابط سابق بالجيش الأمريكي، بل هي القناعة التي وصلت إليها الإدارة الأمريكية والرأي العام الأمريكي، فطالبان تقترب من السيطرة على نصف أفغانستان، وازداد نشاطها العسكري للغاية ضد الاحتلال الأمريكي وصنائعه منذ أن أطلقت “عملية الحندق” في شهر أبريل من العام الجاري (2018). وحربها في أفغانستان هي أطول حرب خاضتها أمريكا، أطول من الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية مجتمعة[2].

إنها ليست أطول حرب في أميركا فحسب، بل إنها تأتي أيضًا بتكلفة كبيرة في الدماء والاقتصاد. فقد قُتل ما يقرب من 2200 جندي أمريكي وأصيب أكثر من ذلك من الجرحى. وتقدر تكلفة الحرب بأكثر من تريليون دولار. وهذا وفق الإحصائيات الأمريكية[3].

بينما تقول تقديرات أخرى إن هذه الحرب قد تجاوزت تريليون دولار، وبلغ عدد قتلى القوات الأمريكية 2350 جندياً، إلى جانب 20092 من المصابين وأفراد أسرهم. ويعاني 320 ألف جندي سابق خدموا في العراق وأفغانستان من آثار الإصابة في الرأس، ومن أبرز تداعاياتها الاضطرابات الذهنية والشرود. ومن بين هؤلاء هناك 8237 ممن يعانون من إصابات شديدة في الدماغ إضافة إلى 1645 جندياً فقدوا جميع أو أحد الأطراف. وتشير الإحصاءات إلى أنه خلال عام 2016 أقدم 20 جندياً متقاعداً على الانتحار يومياً حسب إحصاءات المركز الوطني للجنود المتقاعدين. وتشير تقديرات الباحثة في جامعة هارفارد ليندا بلايم إلى أن نفقات الخدمات الطبية لقدماء الحرب ومعاقي الحرب خلال السنوات الأربعين المقبلة ستتجاوز تريليون دولار؛ إذ تدل التجربة أن هذه الكلفة تبلغ حدها الأقصى خلال 30 الى 40 سنة من انتهاء الحرب[4].

إن هذه القناعة التي وصلت إليها الإدارة الأمريكية والرأي العام الأمريكي تمثلت من عدة أيام في صورة لقاء في العاصمة القَطرية (الدوحة)، بين دبلوماسيين رسميين أمريكيين ومسؤولين من “الإمارة الإسلامية” أو من يصر الإعلام على وصفهم بأنهم مجرد “حركة” تُدعى طالبان. على الرغم من سيطرة “الإمارة الإسلامية” على 59 مقاطعة سيطرة كاملة وبإدارة كاملة منها في كل مرافق الحياة.

وكان قد طلب البيت الأبيض رسمياً من الدبلوماسيين الأمريكيين -كما نشرت صحيفة نيوورك تايمز- فتح باب للتفاوض المباشر مع حركة طالبان. وعلقت الصحيفة بأن هذا التحول الكبير في السياسة الأمريكية قد حدث على أمل إنهاء حرب السبعة عشر عاماً[5].

وكانت الحكومة الأفغانية قد عرضت على حركة طالبان الجلوس على مائدة التفاوض، إلا أن طالبان رفضت وقالت للحكومة إننا نتفاوض فقط مع من تتبعون له، وتعني بذلك الولايات المتحدة.

لقد كان التحول في السياسة الأمريكية تجاه طالبان مؤخراً بعد أن أدرك المسؤولون الأمريكان والأفغان أن حتى استراتيجية ترامب الجديدة لا تحدث فرقا جوهريا وأن طالبان تكسب على الأرض.

فبعد فترة ليست طويلة من توليه منصبه، وافق ترامب على مضض على توفير المزيد من الموارد لقادته الميدانيين الذين يقاتلون حركة طالبان، مضيفا بضعة آلاف من القوات ليصبح مجموع القوات الأمريكية نحو 15000. ولكن بعد مرور عام، ما زالت طالبان تهاجم القوات الأمنية وتسبب خسائر فادحة في صفوفها وتسيطر على مدن جديدة كل يوم.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، قام كبار المسؤولين الأميركيين بزيارة إلى أفغانستان وباكستان لوضع الأساس لمحادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وطالبان. وزار وزير الخارجية مايك بومبيو لفترة وجيزة العاصمة الأفغانية، كابول، الأسبوع الأول من الشهر الجاري يوليو ٢٠١٨، وأمضت أليس جي. ويلز، كبيرة الدبلوماسيين في المنطقة، عدة أيام في إجراء محادثات مع اللاعبين الرئيسيين في أفغانستان وباكستان. وذلك قبل أن تلتقي في الدوحة مع مسؤولين في طالبان يوم ٢٦-٧-٢٠١٨.

وقال وزير الخارجية بومبيو في تصريح خطير له: “إنه لن يكون هناك شرط مسبق للمحادثات، وأن كل شيء بما في ذلك وجود القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان، مطروح للمناقشة”[6].

تقول صحيفة نيويورك تايمز: “وقد نما توافق شبه الإجماع بين المسؤولين الأمريكيين والأفغان المشاركين في الجهود السابقة والحالية لإطلاق عملية سلام، بأن السبيل الوحيد للخروج من الحرب هو أن تقوم الولايات المتحدة بدور أكثر مباشرة في المفاوضات. يعتمد هذا الإدراك على عدة حقائق: أن حركة طالبان هي تمرد عنيد، وأنهم لن يتراجعوا عن مطلبهم بالتحدث مباشرة مع الأمريكيين… المسؤولون الأمريكان يتحركون بشعور من الإلحاح لأن ترامب أعرب عن إحباطه من الحرب ويريد أن يرى نهايتها… إن سبب فتح المحادثات الأخيرة وفقاً للمسؤولين المشاركين في محاولات المفاوضات السابقة، هو أن جيش الولايات المتحدة يبدو أنه سيكون على متن الطائرة قريباً”…

في عام 2011، عندما تحولت إدارة أوباما لأول مرة إلى سياسة إنهاء الحرب من خلال المفاوضات، ظل القادة العسكريون يعتقدون أن بإمكانهم هزيمة طالبان. والآن يحددون هدفهم بشكل أكثر تواضعاً: إيقاف حركة طالبان عن النصر إلى أن يتوصلوا إلى تسوية سياسية.

وقال سيث جونز، الذي يرأس مشروع التهديدات العابرة للحدود الوطنية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن هناك أدلة قليلة على أن كبار قادة طالبان مهتمون بشكل جدي بشروط التسوية المقبولة للمسؤولين الأفغان والأميركيين، وقال: “معظم قادة طالبان يعتقدون أنهم يكسبون الحرب في أفغانستان وأن الوقت يقف إلى جانبهم”[7].

وتصر طالبان على انسحاب جميع القوات الأمريكية من البلاد كجزء من أي عملية مصالحة.

وقد نشر الرئيس الأفغاني أشرف غاني مقالاً يستجدي تعاطف “الإمارة الإسلامية” فيه، وذلك في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان (سأتفاوض مع طالبان في أي مكان)، وقال فيه: “سأجلس وأتفاوض مع زعيم طالبان، مولوي هبة الله أخوندزاده، في أي مكان يريد”[9].

ولكن السؤال الجدير بالاهتمام: لماذا صمدت طالبان وباتت على وشك هزيمة الاحتلال الأمريكي؟

هذا يعود لعدة عوامل أهمها:

– وضوح الهدف وثباته (إخراج المحتل وإقامة دولة إسلامية).

– كسب الشعب (عدم تكفيره أو تبديعه أو احتقاره والحرص على إرضائه وحُسن إدارة المناطق المسيطر عليها).

– تجنب الخلاف قدر الإمكان.

– وضوح العدو (الأمريكان وعملائهم من الجيش والشرطة الأفغانية).

– عدم التفريط في امتلاك القوة والسلاح.

– رفض جميع المصالحات إلا بشروط فرضوها على أرض الواقع فرضاً.

– إنشاؤها مكتباً سياسياً يجيد التفاوض ويعرف مساحات المناورة والثوابت الحركية، وعدم الاقتصار على العمل المسلح فقط.

– التوازن بين العمل الدعوي والسياسي والجهادي.

– عمل إعلامي قوي ومميز (رغم عدم امتلاك القنوات الفضائية والصحف المشهورة، عن طريق الإنترنت وشبكة مراسلين واسعة، ومجلة إلكترونية، وغير ذلك من الوسائل الضعيفة لكنهم استخدموها استخداماً فعّالاً).

– نسجت شبكة علاقات ندية قائمة على المصالح السياسية لها وللغير وفق فهم عميق لخريطة القوى، كما فعلت مع أطراف إقليمية (باكستان وإيران وحتى روسيا).

– إجادة التعامل مع المشكلات والأزمات الداخلية في صمت وحكمة (وفاة أميرها الملا عمر وعدم بث ذلك إلا بعد 3 سنوات، مثالاً).

– عمل مؤسسي لا يتوقف على شخص ما (توفي الملا عمر، ثم الملا أختر منصور بعد عدة أشهر ولم يؤثر في شيء، بل زادت شراسة الإمارة يوماً بعد يوم).

هذه أبرز العوامل التي جعلت من “الإمارة الإسلامية رقماً صعباً في المشهد الأفغاني، والتي من المتوقع أن تأخذ بناصيتها إلى فوز كاسح قريب على الاحتلال الأمريكي، يتبعه سيطرة حقيقية على كامل البلاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] DANIEL L. DAVIS, Time to Talk to the Taliban, July 24, 2018.
[2] تسيطر الحكومة الأفغانية العميلة للولايات المتحدة على 229 من مناطق أفغانستان البالغ عددها 407، أما الطالبان فتسيطر على 59. وباقي المقاطعات ال١١٩ هي سجال بين طالبان والحكومة.
[3] IAN PANNELL, Taliban insurgents pledge to continue fight in Afghanistan, Jul 14, 2018.
[4] بي بي سي، الكلفة الفلكية للحرب الأمريكية في أفغانستان، 22-08-2017م.
[5] Mujib Mashal and Eric Schmitt, White House Orders Direct Taliban Talks to Jump-Start Afghan Negotiations, July 15, 2018.
[6] المصدر السابق.
[7] السابق.
[8] Ashraf Ghani, I Will Negotiate With the Taliban Anywhere, June 27, 2018