القائد البطل الذي رحل إلى الحق مُرابطا ثابتا على الحق!

ذبيح الله مجاهد

 

لم يكتب الله لأحد الخلد، الجميع ميّتون لا محالة، والجميع راحلون عن هذه الدار الفانية إلى حيث كتب الله الخلود، خلقنا الله تعالى في هذه الدنيا ليبلونا أيّنا أحسن عملا، فيا لسعادة من رحل عن هذه الدار وقد أفلح فيما بلاه الله وابتلاه به!

لولا الامتحانات والمحن والبلايا لما تميز الطيب من الخبيث، ولما امتاز المؤمنون من المجرمين، ولا الكاذبون من الصادقين.

من السهل أن يقول المرء أنا مؤمن، ومن السهل أن يقوم الإنسان ببضعة أعمال صالحة في حياته أو بالعمل لشطر من حياته، لكن المهمّ والمطلوب للنجاح في هذا الامتحان الإلهي العظيم للحياة هو الثبات والاستقامة على العقيدة والسلوك والفكر والمبدأ حتى الخاتمة، وقليل أولئك الذين استقاموا بعد أن قالوا: ربنا الله، وقليل أولئك الذين قاتلوا في سبيل الله ثم استقاموا وثبتوا، والمجاهد الكبير جلال الدين حقاني – نحسبه كذلك ولا نُزكّي على الله أحدا-  من أولئك القلائل الذين ثبتوا على الطريق الحق القويم  ورابطوا عليه ثمّ رحلوا إلى الحق من غير أن تؤثر فيهم مطامع الدنيا أو تضلهم شهوات النفس، أو تصرفهم عن الغاية المنشودة مغريات الحياة.

عاش هذا القائد الأمير المجاهد الكبير رحمه الله طالبا زاهدا، ثمّ أصبح عالما زاهدا وإماما تقيا، ثمّ تبدل إلى أمير زاهد ورع، ثم في الاقتتالات الداخلية بين الشعب الأفغاني تجوّل بين الأطراف المتنازعة كطرف ثالث ناصح بالخير، و زاهد في الدنيا ورع، ثمّ لما أقيمت الإمارة الإسلامية التحق بصفوفها كمطيع مبايع سابق إلى الخيرات، ثم لما ابتلي الوطن بالاحتلال الصليبي الجديد انتقل من جديد إلى ساحات الوغى مجاهدا ورعا ومرشدا تقيا للشباب المقاومين المجاهدين، وفي النهاية أوى إلى الفراش مريضا زاهدا، واستمر مرضه الذي لم يؤثر في ورعه وفكره وتقواه وعقيدته وسلوكه إلى أن رحل رحمه الله إلى الدار الآخرة وهو زاهد في الدنيا مقبل على الآخرة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

نعم! هذا هو جلال الدين حقاني أحد أبرز قادة الجهاد ضد الاحتلالين السوفياتي والأمريكي لأفغانستان في القرن العشرين باتفاق من صاحبوا ورافقوه.

ولد رحمه الله سنة 1942م بشرق أفغانستان، ينتمى إلى قبيلة زدران إحدى القبائل الرئيسية بولاية باكتيا. بدأ تعليمه في مدرسة نور المدارس في منطقة شلغر في ولاية غزني من  المدارس الدينية بأفغانستان، ثم أكمل تعليمه في مدرسة الحقانية بمدينة أكورا ختك بالإقليم الحدودي القبائلي من باكستان، ثمّ عمل مدرسا في نفس المدرسة لمدّة عام قبل أن يلتحق بساحات الجهاد بولايات باكتيا وباكتيكا، ثم عاد إلى جبال منطقة زردان، ورفع راية استقلال البلد مقاتلا ضد قوات الاتحاد السوفياتي، استمر لمدة أربع عشرة سنة يقاتل ضد المحتلين وأذنابهم، لم يجد خلالها لذة للنوم ولا راحة في الجسم، تحمّل مراراة العيش ومشقات التنقل من مكان إلى مكان ومغادرة الأهل والأولاد والاغتراب والصعوبات.

بعد أربعة عشر سنة لمّا أشعل متعطشوا المناصب والدنيا النيران في أحلامه التي من أجلها جاهد وناضل وقاتل وضحى هو وسائر القادة المجاهدين المخلصين من الشعب الأفغاني، ولمّا تبدلت كابول إلى معترك لنيران الأحزاب والجماعات المتقاتلة على جيف الدنيا، جُرحت مشاعره ومشاعر المجاهدين المخلصين الصادقين جميعا، فرجحوا العزلة في بيوتهم مخافة أن تراق دم مسلم بغير حق، بينما مدّعوا الجهاد كذبا وزورا اشتغلوا في أنحاء أفغانستان بنهب أموال الشعب وأعراضهم.

بذل جلال الدين حقاني مساع كبيرة خلال هذه المدة للمصالحة بين الجماعات المتنازعة، فكان يوما بباب فلان راجيا منه أن يتنازل، ويوما بباب آخر متضرعا لئلا يشعلوا الأحلام الجهادية، ولتبقى الراية الجهادية التي سقطت من أيدي أصحابها مرفوعة مهتزة، وليصالح الأفغان المتنازعون على السلطة ويكفوا عن إراقة الدماء البريئة.

المجاهد الكبير جلال الدين حقاني أدخل السيف في الغمد، وكان يخدم كمرشد ومرب وشيخ للجميع، وكان يرى أن يتخذ هذا السلوك حسب مقتضى الوقت، لكن لمّا خرجت الأوضاع من السيطرة، عاد إلى قريته والمناطق المجاورة فيها، وأقام جلسات ومؤتمرات للمصالحة بين العشائر المتنازعة هناك، ووضع بجانب مساعيه في السلام والمصالحة أساس جامعة الشيخ زاهد في ولاية خوست كما وضع أساس مدرسة دينية إبان الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي، وشمّر عن ساقي الجد لإعمار الدنيا بجانب إعمار الآخرة في بلده الذي أنهكته الحروب ودمّره الاحتلال.

ثمّ لمّا ظهرت حركة طالبان، وجد القائد جلال الدين حقاني رحمه الله ضالّته، وتذكّر أحلامه المفقودة من جديد، وبايع هذه المرّة على يد من كان أقل مرتبة منه في العلم، و جعل من نفسه جنديا خادما له، بهذه الخطوة له فتحت مناطق كبيرة لحركة طالبان، وتقدمت الحركة كثيرا، وفتحت كابول أخيرا، وأقيمت إمارة إسلامية واحدة بدل الأحزاب العديدة المتصارعة في كابول، وأقيم النظام الذي عاش الحقاني يقاتل من أجله أربع عشرة سنة، وتحمّل رحلات ومشقات، وضحّى من أجله بالدم والروح هو ورفاقه وشعبه.

لم يفكر الحقاني رحمه الله يوما أنه قائد جهادي كبير، ولديه دبابات وأسلحة ومناطق وشعبية بين العشائر، ويلقب بفاتح خوست، فلماذا يجب أن يبايع واحدا من عناصر حركة طالبان؟ أين تذهب مكانته؟ وماذا يقول الناس؟ ولم يخطر بباله تلك التصورات والأفكار الواهية التي جعلت قادة المناصب وطماعيها ممن كانوا يرتدون أثواب الجهاد زورا وكذبا يقفون ضد راية الإمارة الإسلامية تلبية لمصالحهم الشخصية، واليوم أيضا يعيشون أذلة تحت راية الكفر.

إن القائد المجاهد جلال الدين حقاني نجح، حيث ثبت على الحق، واستقام عليه مرة أخرى، لكن الأقدار كتبت له محنة أخرى، حيث انطلق الجهاد الثاني؛ الجهاد ضدّ الاحتلال الأمريكي،  فعاد مرّة أخرى إلى تلك الجبال والأودية والهضاب، لجأ الأمير المجاهد الحقاني بقوة أكبر هذه المرّة إلى الجبال بدل أن ينعزل أو يستسلم لمتاعب الحياة وشيخوخة السن، أو يستسلم للعدو، أو يختار العزلة في ناحية.

في السابق كان العالّم كلّه يصف جلال الدين حقاني بالمجاهد الكبير، ويرون في شجاعته أسوة وقدوة، لكن هذه المرّة أطلقوا عليه لقب الإرهابي!  لكن جلال الدين حقاني تجارته كانت مع الله، ولم تكن لمرضاة الناس قيمة لديه، فدعا رحمه الله أولاده، وعشيرته بقوة إلى الجهاد في سبيل الله وضد الأمريكيين المحتلين، وكان أكثر ما يقلقه أن يترك رفقائه السابقون أو الجدد ميادين القتال.

طارده الأمريكيون سنة 2001م، فجرح في قصف جرحا شديدا، أرسل الشهيد سيف الرحمن منصور رحمه الله- نجل الشهيد نصر الله منصور رحمه الله- نائبه الشهيد المولوي فدا محمد جواد للكشف عن أحوال الحقاني إلى منطقته، فقال حقاني أثناء اللقاء مع الشهيد جواد: بلّغوا الأمير سيف الرحمن منصور السلام من جانبي، وقولوا له أن لا يترك الجهاد، ولا جبل شاهيكوت، سأشفى إن شاء الله والتحق بكم، لا تقنطوا! رحمهم الله جميعا.

في الجهاد السابق فقد جلال الدين واحدا من إخوته، وتحمّلت عائلته المشكلات، وتورّمت رجلاه، وهذه المرة أصيب قلبه من نواحٍ مختلفة، وقد تحمّل وهو في الشيخوخة والبؤس والمشكلات الجسدية شهادة أربعة من أبنائه وسائر أقاربه.

رحل جلال الدين حقاني مرابطا على الحق ثابتا عليه، رحل وقد ربّى في هذا الجهاد الأخير جيلا من الحقانيين الذين كسروا شوكة الأمريكيين بهجماتهم وأطاروا النوم من رؤوسهم، وكدّروا لهم سكرة الاحتلال في أذهانهم، وجعلوهم يستعدون للهروب، رحل جلال الدين حقاني المجاهد القائد العظيم في الجهادين العظيمين وقد ثبت على ولائه للإمارة الإسلامية حتى الرمق الأخير.

فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.