جلال الدين حقاني العالم الفقية.. والمجاهد المجدد (1)

بقلم: أ. مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)

 

{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ـ صدق الله العظيم ـ

لم أتصور ذلك يوما، ولا أحببت أن أكتب رثاء في ذلك الرجل، الذي تعلمت منه أهم دروس الحياة، وما لا يمكن أن أتعلمه من أي شخص آخر، في أي مكان آخر غير أفغانستان.

حاولت الإعتذار عن الكتابة، ولكنني جوبهت بإصرار من إخوة وأصدقاء على أن أكتب ما لا تصورت يوما أن أكتبه.

فقدان هذا العملاق أكبر من أن نقدم فيه التعزية. فمغزى ظهور تلك الشخصية في مثل تلك الفترة التاريخية الخطيرة التي عاصرها، هو في حد ذاته جانب عميق يستحق التأمل، كما أنه باعث على الأمل الذي يوازن الألم الناتج عن فقدانه. لأن الرحمة الإلهية واضحه في إمداد الأمة بمثل هؤلاء العلماء الأفزاز والقادة الأبطال. ليدافعوا عن الإسلام في واحدة من أخطر المراحل التي هددت أهم حصونه على الأرض؛ أفغانستان.

الغزاة كانوا الجيش الأحمر- الصورة الأحدث لجحافل المغول- وقد تقدمتهم “قوات الإستطلاع” من الشيوعيين المحليين الذين إستولوا على السلطة فبدأوا القتل والحرق.

وفي دياجير ذلك الليل المظلم تسللت بالتدريج أضواء الجهاد. ورفع الراية أبطال من أفغانستان يندر مثيلهم في التاريخ، وكان “حقاني” من رموزهم الكبرى. ومع علمه وتقواه وخلقه الرفيع، كان جنرالا عسكريا لا أعلم له نظيرا في تلك الحرب الظافرة ضد السوفييت والشيوعيين. بل أنه وبكل تواضع هو أحد أساتذة حروب العصابات الحديثة، وأحد المجددين لقواعدها. وعلى نفس طريق التطوير لنظرية الحروب الشعبية في مواجهة جيوش (ما بعد الحداثة)، (وما بعد التوحش)، جاء نجله “سراج الدين” ليواصل وبنفس العبقرية والإبداع طريق والده المجدد الأول للجهاد البطولي، الذي تحتضنه أفغانستان على مر العصور.

ولنبدأ القصة من أولها..

 

عبد الله.. والجبل:

ولد الشاب “عبدالله”، والذي عرف فيما بعد بإسمه الحركي “جلال الدين”، في أحضان جبل “ساتى كاندو ” العتيد وغاباته الصنوبرية. الجبل يقف مثل السد الجبار في مقابل مدينة جرديز عاصمة ولاية باكتيا. ولد عبد الله في قرية {كاندو كالاى} الصغيرة التي أهملتها الجغرافيا ولكنها صنعت التاريخ، بمولد “عبدالله” الذي وهبه والده لدراسة العلوم الدينية. وهي مهمة مقدسة في المجتمع الأفغاني. ومن حيث لم يعلم أحد، كانت تلك هي الخطوة الأولى لتجهيز “عبدالله” ليقف مثل جبل “ساتى كاندو” سدا منيعا في وجه السيل الشيوعي المتدفق من العاصمة كابل عبر جرديز صوب جبال باكتيا وقبائلها. فكان عبد الله في شموخ ومنعة جبل “ساتى كاندو”، بل أشد، وكأن الجبل العتيد هو الذي إستمد صموده وصلابته من ذلك الشاب.

التدرج في سلم العِلْم إستدعى منه السفر إلى باكستان لإستكمال الدروس الدينية في مدارس المناطق القبلية، حتى وصل إلى المدرسة “الحقانية” القريبة من بيشاور، وهي أعلى المدارس الدينية في تلك المناطق. ومن طالب علم نابغة، إلى مدرس موهوب، واصل “عبد الله” كفاحه الدراسي. واكتسب لقب”حقاني” نسبة إلى مدرسته التاريخية، كما حصل على المرتبة الدينية “مولوي”.

وكأن القدر كان يرتب لصدام تاريخي مذهل. ففي نفس الوقت الذي يتأهل فيه عبد الله في المدارس الدينية، كان شباب من باكتيا، وباقي مناطق أفغانستان، يتأهلون في موسكو لغزو أفغانستان كلها.

كان عود الشيوعية يشتد تدريجيا ـ وشباب البشتون كانوا لا يستدعون إلى التجنيد الإجباري، ولكنهم يلقون ترحيبا وتشجيعا لدخول الكليات العسكرية ـ ومن باكتيا وتحديداً من المناطق حول جرديز وصولا إلى خوست، عبورا بمناطق قبيلة “زدران” التي ينتمي إليها “عبدالله” تخرج شباب يافعون كضباط في الجيش، أرسلوا إلى موسكو لتلقى دورات عسكرية وعقائدية. وأكثرهم عاد إلى بلاده شيوعيا مندفعا. ومنهم كانت أسماء لامعة في تاريخ التأسيس للحكم الشيوعي والإنقلاب العسكري الذي جاء به، من تلك الأسماء كان:

– الجنرال عبد القادر ـــ القائد الفعلى للإنقلاب الشيوعي عام 1978 ـ وهو من منطقة (زورمات) جنوب مدينة جرديز.

– والجنرال إبراهيم من قبيلة “إبراهيم خيل”. وكان قائدا لسلاح الدبابات في جرديز، وله قصة نادرة في القتال بنفسه ومن فوق دبابته ضد قبيلته، في معركة مأساوية. إذ جاء طالبا منهم ترك الإسلام وفتح الطريق (من جرديز إلى خوست) أمام الجيش الشيوعى. فصنع أسطورة تشبه المآسى الأغريقية القديمة. وكانت المأساة قد إنتهت للتو عند وصولنا إلى “سرانا”فى زيارتنا الأولى عام 1979 وقد شاهدنا آثارها وصورنا بقايا المحرقة.

– والجنرال ” نظر محمد” من قبيلة زدران، وله قصة معقدة ومظلمة من أحد أهم ملاحم المنطقة. وقد عاصرنا جزءاً منها في أعوام (1987 ــــ 1988). وكان هدفه أيضا فتح الطريق من الجرديز إلى خوست أمام الجيش السوفيتى، ولكن من داخل صفوف المجاهدين هذه المرة. وقد نجح في مسعاه بتعاون من “عبد الرسول سياف” الزعيم والمتحول الشهير، الذي منحه الحماية والغطاء اللازم للعمل قائدا لجماعته في جبل “ساتى كاندو”، فمهد الطريق للقوات السوفيتية كى تمر.

– الجنرال “شاه نواز تاناى ” من قبيلة تاناى في خوست. وكان وزيرا للدفاع، حاول في عام 1990 ترتيب إنقلاب عسكرى بالتعاون مع الزعيم المتحول الشهير “حكمتيار”، ولكنهما فشلا.

ضد الجنرالين الأخيرين خاض حقاني صراعاً مريرا. وغير هم أسماء أخرى من باكتيا أيضا من قبائل “منجل” و”جربز”. ومن رتب كبيرة ومتوسطة جمعتهم صفات مشتركة منها العناد والتهور والصلابة. وهى صفات إستخدمت للأسف في غير مكانها المناسب.

سفكوا الكثير جدا من الدماء، وخاض أكثرهم معارك ضد حقاني، بعضها كان حملات موجهة خصيصا للقضاء عليه، أهمها كانت الحملة السوفيتية- الأفغانية على قاعدة جاور في عام 1986، والتى إستخدموا فيها ثلاثين ألف جندى.

 

عاد “عبدالله” إلى قريته {كاندو كالاى} خلال حكم السردار”محمد داود” الذي خلع إبن عمه الملك “ظاهر شاه” {1973}، وتولى هو السلطة كأول رئيس للجمهورية في تاريخ أفغانستان، بعدأن قضى عشر سنوات كرئيس للوزراء، وكانت سلطات الدولة معظمها في يده.

إستعان “دواد” بالشيوعيين في إدارة الدولة و الجيش وأجهزة الأمن فكانوا هم قوته الضاربة. ولكن سياساته لم تكن (ثورية) بما يكفى فانقلب علية “الرفاق” وقتلوه، وتولوا السلطة مباشرة في (27 أبريل 1978) معلنين جمهورية شعبية إشتراكية. فبدأت أكثر الفترات دموية في تاريخ أفغانستان لإقتلاع الإسلام من جذوره وفى أقصر مدة ممكنة. وهنا كان مقتلهم لأن تلك اللهفة عجلت بنهايتهم بواسطة نهضة جهادية حركها العلماء. إلى أن ترنح النظام الجديد وأوشك على السقوط. فلم تجد موسكو مخرجا سوى التدخل المباشر بجيشها في (28 ديسمبر1979) لإستكمال المهمة ـ لخشيتها الكبرى من أن سقوط نظام شيوعي في أفغانستان قد يؤدى إلى سقوط متسلسل (مثل أحجار الدومينو) للأنظمة الشيوعية من وسط آسيا إلى شرق أوروبا. و كل ما حصل أنهم أجلوا ذلك السقوط لعدة سنوات، حيث بدأ سقوط الإمبراطورية السوفيتية بعد عدة أشهر من إنسحابهم من أفغانستان في فبراير(1989).

 

لا شيء كما كان:

عاد “مولوي عبد الله” من رحلته، العلمية ولكن قريته “كاندو كالاى” لم تعد كما كانت. فالقوات الشيوعية التي يديرها الرئيس “داود” ـ كانت قاسية ومندفعة. ولأول مرة يتجرأ جيش حكومى على إقتحام الجبال وإعتقال الرجال من القرى، خاصة علماء الدين الذين يتكلمون ضد السطوة الشيوعية التي بدأت تظهر في أجهزة الدولة والقوانين الجديدة التي سنتها الدولة خلافا للدين والأعراف.

الضباط الشباب عادوا أيضا من الاتحاد السوفيتى. لم يعودوا “بالمبادئ ” الشيوعية فقط بل عادوا بأسلحة حديثة لا عهد للأفغان بها. فالجنود كانوا مزودين بالبنادق الآلية (كلاشنكوف). وتنقلهم المصفحات التي لا يخترقها الرصاص، والأخطر كانت الدبابة التي أثارت رعب الشجعان، وصرير جنازيرها يخيف سكان القرى فيختبئون أو يغادرون قراهم ـ فقذيفة الدبابة تهز الجبال وتنسف الصخور وتهدم بيتا وتقتل من فيه. بينما طلقة البندقية لا تؤثر فيها بشئ، وليس لدى الأهالى سوى بنادق الأجداد القديمة.

عاد المولوي الشاب “عبد الله حقاني” إلى قريته التي لم تعد هي نفسها. فبدأ يشجع الرجال ويدعوهم إلى الجهاد، وعدم الخشيه من الكافرين وأسلحتهم الحديثة.

ولكن التردد جاء أيضا من الموقف الناس إزاء رئيس الجمهورية الجديد” محمد دواد”، الذي كان هو حاكمهم الفعلى لمدة عشر سنوات، ثم أنه -وهذا هو الأهم- كان يدعى “الحاج محمد دواد” أي أنه مسلم موحد بالله، فكيف يخرجون عليه ويرفعون عليه السلاح ؟!

وصلت دعوة حقاني إلى أسماع السلطات فى”جرديز” القريبة، فأرسلوا قواتهم لإعتقاله، فطوقوا القرية بالدبابات وشاحنات الجنود والمصفحات في عملية كبرى لإستعراض القوة.

تمكن “عبدالله” بأعجوبة من الإفلات من الحصار، وأحتمى بالجبال القريبة. ودعا الشباب والرجال إلى الإلتحاق به، ولكن لم يستجب له سوى أقل القليل. ولم يكن لديهم سوى البنادق العتيقة التي لم تعد تفيد أمام جبال الصلب من دبابات ومصفحات.

جاء الشتاء والثلج أغلق الطرقات، وإمتنع الطعام، فهاجر “عبدالله” مع رجاله القليلون إلى باكستان، لأعادة تدبير أمورهم.

فى ميرانشاه كانت عدة أسر قد هاجرت من باكتيا. وبعضهم فقد شهداء. وكان اليأس عاماً، ولا عزيمة عند أحد حتى يخوض تجربة القتال ضد حكومة شرسة وجيش دموى مجهز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ورئيس جمهورية شيوعى.. نعم، ولكنه من حجاج بيت الله الحرام!!

 

ذهب مولوي “عبدالله حقاني” لأداء فريضة الحج مع صديق العمر وزميل الدراسة مولوي(أحمد جول)، الذي أصبح نائباً له في فترة الجهاد التالية. وتلك الرحلة سمعت بعض تفاصيلها من الرجلين.

كانت تجربة لا تخلو من الطرائف كونها المرة الأولى للشابين التي يغادران فيها أفغانستان، ذاهبين إلى الديار المقدسة براً عبر إيران والعراق.

فى أحد المطاعم الفقيرة على الطريق، شاهدا التلفزيون لأول مرة فأصابهما الذهول. أناس تتحرك وتتكلم من داخل صندوق؟! ذهبا للنظر إلى خلف الصندوق لإكتشاف السر ورؤية ما يحدث خلفه. ولكنهما لم يجدا شيئا. بعد ذلك كانت تلك الطرفة واحدة من نوادر السمر بين الصديقين الشابيين.

قال لي حقاني: “ونحن نصلي في الكعبة خلف إمام الحرم كان حماسنا لا يوصف. فنحن كأحناف لا نقول (آمين) بعد تلاوة سورة الفاتحة. ولكن عندما قالها إمام الحرم، رددناها خلفه بصوت عال وحماسة”.

(وفي ذلك عبرة لتأثير الحرمين في نشر دعوة من يستولي عليهما).

في العام التالي كتب المولوي الشاب “أحمد جول” إلى صديقه مولوي “عبدالله” أن يكررا تجربة الحج هذا العام أيضا. فكتب إليه مولوي “عبدالله”:

“لقد أدينا فريضة الحج في العام الماضي، وحجنا مرة أخرى هو نافلة، بينما الجهاد الآن فرض عين بعد أن إستولى الشيوعيون على الحكم وفرضوا شرائع جديدة مخالفة للإسلام”. وكان الشيوعيون قد أسرفوا في القتل والحرق والتعذيب، بشكل ليس له سابقة في تاريخ أفغانستان من بعد غزو المغول.

 

الجهاد.. من الكِتَاب إلى الميدان:

إجتمع الصديقان لبحث الخطوة الخطيرة في الإنتقال بالجهاد من النظرية الشرعية إلى التطبيق العملى. تساءلا معا: ماذا نفعل؟؟ وبعد بحث طويل كانت الخطة جاهزة. البداية أن يعملا سرا على ضم المزيد من الأصدقاء المؤيدين. وبعد مجهود وبحث وصلت القوة البشرية في إجمالها إلى 7 أشخاص. كل فرد سيدبر لنفسه بندقية وطلقات الرصاص.

جمعوا من بينهم أموالا إشتروا بها أغطية وطعام جاف (خبز ناشف وحمص وتوت مجفف وعسل قصب يابس “جُرْ “، شاى أخضر).

و إشتروا حمارا ليكون هو أول وسيلة لنقل الإمدادات في تلك الحرب الطويلة. إنتقل البحث عن أنسب مكان لبدء “العمليات الجهادية الأولى”. إستقر الرأى على أن تكون البداية من الجنوب الغربى لولاية باكتيا. وهو الجزء الذي حوله الشيوعيون إلى ولاية مستقلة أسموها باكتيكا. إختاروا المكان لكونه جبليا وعرا، ويضاف إلى ذلك غابات الصنوبر التي تشكل مخبأ جيدا. تحركت القوة الضاربة الأولى للجهاد في باكتيا، بين الغابات الجبلية حتى وصلوا إلى أحد مواقع الجيش. فقادة الجيش بدافع الغرور والغباء نشروا قواتهم في كل مكان يمكن أن يتمرد فيه السكان أو أن تبدأ فيه مقاومة. فتواجدوا في القرى الجبلية وبعض أعماق الجبال. ومن هنا بدأت قوة المجاهدين ضربتها الأولى.

إقترب المجاهدون السبعة حتى صار كل ما في معسكر الجيش واضحا لأعينهم.

هتف المجاهدون مكبرين. ثم صاحوا بالجنود حتى يستسلموا وينضموا إلى المجاهدين. وألقوا نصائح ومواعظ بأصواتهم المرتفعة.فأرسل إليهم الضباط سيلا من الشتائم بمكبرات الصوت.

تنبه قائد الموقع إلى خطورة تأثير كلام المجاهدين. فأمر جنوده بصيحة الشيوعيين في الحرب (هوراه..هوراه) لم يكن الجنود يفهمون معنى لذلك الصياح المنكر، ولكنهم مجبرون على ترديده. ثم أمرهم بإطلاق جميع نيرانهم الثقيلة والخفيفة في إتجاه مصدر أصوات المجاهدين، وإستمروا كذلك حتى هدأ غضب القائد.

رد المجاهدون السبعة بالتكبير، ثم بعدة بطلقات من بنادقهم الإنجليزية القديمة المتوارثة من غنائم آخر حملات بريطانيا على أفغانستان عام 1919.

ثم توقفوا حتى لا تنفذ ذخائرهم بسرعة. وبدأوا مرة أخرى في الوعظ والإرشاد والتكبير.. ثم ساد الصمت. وتداول المجاهدون في الوضع، خاصة وأن الذخائر قليلة جدا. فجأه سمعوا إطلاق نار شديد داخل المعسكر. ثم هدؤ.. ثم الجنود يخرجون رافعين الرايات البيضاء، ويستسلمون بلا قيد أو شرط. وقالوا للمجاهدين {لقد قتلنا الضباط الشيوعيين ونحن نسلم لكم الموقع !! }.

صار ذلك الحادث نموذجا للعديد مما تلاه من حوادث في باكتيا. والملخص هو رمايات قليلة من جانب المجاهدين مع الكثير من التكبير، ثم إستسلام جنود القوة الحكومية بعد قتل الضباط الشيوعيين.

ومع ذلك نشبت الكثير من المعارك الطاحنة، وسقط الكثير من الشهداء. ولكن النكسات والفشل كان المدرسة الكبرى التي تعلم منها المجاهدون فن الحرب ضد جيش حديث.

التعليم بالدم كان باهظ الثمن للغاية، بذل فيه أفضل الرجال أرواحهم، ولكن دروسه كانت راسخة، ومتراكمة ومتواصلة حتى لحظتنا الراهنة.

بدأ المجاهدون الأوائل في إتخاذ أسماء حركية، حتى لا تعرف الحكومة هوياتهم فيتعرض أهاليهم للإنتقام. لم يتحقق هذا الهدف إلا لمدة قصيرة وبعدها صاروا أشهر من نار على علم. فذهب سبب تغيير الاسماء، ولكن ظلت الأسماء الجديدة على حالها.

و”عبدالله حقاني ” أصبح “جلال الدين حقاني ” الإسم الاكثر هيبة وإحتراماً منذ ذلك الوقت وحتى الأجيال القادمة.

 

توَكَلْ على الله.. {تَوَكَلْ باخُدَاى}:

التوكل على الله شئ عظيم الخطورة لدى الأفغان. إنه ليس كلمة تقال، من نافلة القول، أو أنها علامة ضعف كما تستخدم أحيانا عندنا ـ أو حتى كلمة تحدي كما يستخدمها عوام المصريين بمعنى (إمشى غور من هنا !!).

ولكنها منهج حياة، وسلاح حرب، ويستخدمونه بمعنى (وما النصر إلا من عند الله) أو بمعنى (وإذا عزمت فتوكل على الله)، أو (لله الأمر من قبل ومن بعد). هي قريبة من أحد تلك المعانى حسب الظرف الذي تقال فيه.كانت شعارا دينيا حيويا في الحرب، يعادل في الأهمية شعار الله أكبر الذي هو العمود الفقرى للمجاهدين في أعمالهم، وحتى في أنفاسهم.

في رحلتنا الأولى إلى أفغانستان كنا ثلاثة وصلنا إلى مركز “جلال الدين حقاني” في قرية سرانا القريبة من جبل {ساتى كاندو}. لم نكن متعودين على مثل تلك الرحلات الشاقة الطويلة، مع طعام قليل يصعب أكله بدون حافز من حب البقاء.

بعد حفل إستقبال تحت أشجار “السرو” في الوادى. وخطبة قصيرة ألقيتها نيابة عن الوفد العربى، ثم خطاب طويل من حقاني، صعدنا معه إلى قمة الجبل القريب حيث يسكن، ويدير أمور مجاهديه المنتشرون في المنطقة.

كان يسكن في بيت من صخور وطين. صغير ومحشور بين كتل صخرية، ويصعب تمييزه إلا من مسافة قريبة. كانت أسرته تسكن معه أحيانا في ذلك البيت، وفى الشتاء يعودون إلى مدينة ميرانشاه الحدودية.

وكان له في ذلك الوقت طفلان (نصير الدين) و(سراج الدين). فوق سطح قمة الجبل مباشرة، ركز حقاني رشاشا ثقيلا من صناعة بلجيكية عام 1941، مهمته التصدى للطائرات التي تغير على الموقع وعلى القرية من وقت إلى آخر. تلك القرية موجودة على القمة المقابلة، على مسافة ليست كبيرة ويفصلهما وادى. ويقيم في تلك القرية عدد من عائلات المجاهدين

وأكثر من نصف القرية قد غادرها ساكنوها إلى باكستان خوفا من القصف المتكرر للطائرات.

قضينا ليلة في القرية ثم إنتقلنا إلى القمة الأخرى حيث حقاني والمدفع المضاد للطائرات الذي سنعود اليه في الفقرة الخاصة بإسقاط “هيبة الطائرات”، ودور حقاني في ذلك. وما خصنى به من توبيخ نتيجة تقديرى المبالغ فيه لقدرة الطائرات.

كان صديقنا (إسماعيل) قد غادرنا عائدا إلى بيشاور نتيجة لتورم في ركبتيه المصابتين أصلا نتيجة ممارساته الرياضية. بقيت مع أحمد، وهو صعيدى سريع الملل، لكنه أبدى صبرا مدهشا رغم إنفلاتات عصبية عاصفة، مرت بسلام.

كان لحقاني مجلس تحت الأشجار على سفح الجبل، وقد مهدوا له مساحة صغيرة تصلح لأربعة رجال. كان يجتمع فيها بقيادات المجموعات القادمين إليه. جلست معه عدة مرات أستفسر عن أشياء كثيرة تتعلق بأوضاع الجهاد في المنطقة وما حولها، وعن أحزاب بيشاور الذي بدأت تظهر على إستحياء شديد في ذلك العام. أهتممت بالإسفسار عن المشكلات بأنواعها. وكان واضحاً بالفعل حاجة المجاهدين إلى كل شئ. إنتابنى مقدار كبير من الهَم، لأن ما هو مطلوب يبدو أكبر بكثير جدا مما يمكننا توفيره، حتى مع بذل أقصى مجهود.

أدركت أن الموضوع سيكون طويلا وصعبا، بل أصعب مما تخيلنا ـ ملخص الوضع الراهن أنه لا توجد ذخائر كافية لأسلحة المجاهدين. والطعام متقطع وبمستويات متدنية حتى بالمعيار المحلى المتواضع جدا.

قال لى حقاني أنه جلس يوما قبل نومه مهموما لعدم وجود شئ لديه لإ طعام المجاهدين. وفى نومه، رأى شخصا يخاطبه قائلا: “يا عبدالله لم يتركك الله جائعا يوما، والآن بعد أن خرجت مجاهدا في سبيله، تظن أنه سيتخلى عنك؟؟ ستجد طعامك غدا معلقا بهذه الأشجار”. وفى الصباح جاءنا أحد الرعاة بخروفين تبرعا منه للمجاهدين.فذبحناهما وعلقنا اللحم على الأشجار لتوزيعه على مراكز المجاهدين.

وقال حقاني لولا التوكل على الله لما استطعنا البدء في الجهاد أو الإستمرار فيه ولو لساعة واحدة.

 

لا توجد حركة للمجاهد كفرد أو للمجاهدين كجماعة إلا ويتجسد فيها معنى التوكل الحقيقي على الله، حيث لا أسباب ولا وسائل تصلح لأن تعقد عليها الآمال. وكلما زادت القدرات كان عدد المتوكلين على الله يقل، فالبعض كان يلتصق بالأسباب ويقاتل من أجلها وعندها كانت الكوارث والهزائم.

كان حقاني هو المعلم الأكبر لرجاله لتذكيرهم بمعاني التوكل على الله وعدم التعلق بالأسباب، مع السعي الحثيث لحيازة أكبر ما يمكن من أدوات القتال الفعالة والتدريب عليها. وأرشدهم وأثبت لهم بنفسه عمليا أنه حتى مع عدم وجود الوسائل المناسبة للقتال فإنه بالتوكل على الله يمكن الإنتصار على العدو مهما كانت قوته.