هدنة الرأي السديد!

عرفان بلخي

 

للمرة الأولى أعلنت الإمارة الاسلامية هدنة ووقف العمليات الجهادية خلال أول ثلاثة أيام عيد الفطر المبارك وذلك تهنئة للشعب الأبي، وإظهار أنهم ماضون ومحبون للصلح، وانهم لا يعطون الدنية في دينهم ولا يتنازلون عن أرضهم وأرض أبائهم واجدادهم للمحتلين الغاصبين، وأنهم لايظلمون ولا يرضون بالظلم.

إن نية الإمارة الصالحة في إعلانها الهدنة ووقف عملياتها الجهادية كانت سببا واضحا وجليا على أنهم لازالوا محبين للأمن والأمان، وانهم أبناء شعب يريد ويعرف الحياة في سبيل الله كما أثبتوا أيضا أنهم يتقنون القتال والتضحية في سبيل الله.

وكانت هذه الهدنة سببا لايضاح واستيضاح أمور كثيرة. فقد أظهرت هذه الهدنة أننا لسنا كما تتدعي وسائل إعلام العدو وعملائهم، أشخاص همجيون، وحشيون، ومتخلفون، ورجعيون، فقد أثبتت الإمارة وجميع أفرادها أننا نقدر الحياة والعيش الكريم، وأننا كما علمنا ديننا الكريم واقفون ثابتون على مبادئنا وأخلاقنا وأعرافنا، فقد أثبتت الحركة بأمر الهدنة والتعامل الكريم مع السجناء والأسرى، والسماح لهم بزيارة أسرهم وأقاربهم في الولايات التي تحت سيطرة الإمارة الاسلامية؛ انها تحت قيادة رشيدة.

وكانت أوامر زعيم الامارة حفظه الله واضحة ودقيقة فيما يتعلق بمعاملة الأسرى والمسجونين، حيث قال: (يجب على كل القادة وكل الأمراء ايجاد الوسيلة المناسبة لجعل السجناء والأسرى في الوصول الى أهلهم وايجاد وسائل الترفيه والتسلية لهم خلال ايام العيد المبارك). ولله در المتنبي حيث قال:

 

الرأي قبل شجاعة الشجعانِ *** هو أولٌ وهي المحل الثّاني

فإذا هما اجتمعا لنفْسٍ حرّةٍ *** بلغتْ من العلياء كل مكانِ

 

نعم أظهرت الهدنة التي أعلنتها الامارة الإسلامية أننا ماضون في سبيل الجهاد حتى إعلاء كلمة الله تعالى وإخراج آخر جندي من جنود الاحتلال الغاشم من بلادنا واسترداد الحرية وإحلال السلام فيها وايجاد سبل العيش الكريم، والقضاء على الفساد والمفسدين في كافة أرجاء الوطن الحبيب. ورغم أن جهادنا هو الجهاد المقدس الذي لا شك ولا شبهة فيه، وأننا ندافع عن أعراضنا وأموالنا وديننا وأنفسنا فإن المتخاذلين والمثبطين يعلنون أننا لسنا على حق وأن جهادنا وقتالنا حرام، ولا يدري الإنسان متى يكون الجهاد حق مكتسب وواجب في مذهب هؤلاء المثبطين؟ ومتى يمكن لضمير هئولاء أن يستيقظ حتى يعلم أن قتالنا حق وواجب وأنه قد فرضنا علينا دون أن نسعى إليه أو نذهب إليه؟

إن المثبطين والمغرضين ممن كانوا يسمون أنفسهم بالأمس علماء وفقهاء كان الأولى بهم الوقوف مع جهادنا ضد عدو غاشم وأن يكونوا في صف تلك الشعوب التي تسعى لنيل حريتها وصيانة أعراضها وأموالها وكسر قيود المحتل المعتدي، وإن لم يكونوا كذلك فكان الأولى بهم السكوت والدعاء لنا بالخفاء، وهو عندئذ أضعف الإيمان.

هذا وكان من بشائر النصر التي هطلت مع إنتهاء الهدنة من طرف الإمارة الإسلامية، كانت قوافل المنضمين والمقتنعين الجدد للحركة أسرع من أي وقت مضى، فمنذ اليوم الرابع للعيد إنضم المئات من الجنود ورجال الشرطة للامارة الاسلامية، وما كان ذلك ليتحقق لولا صدق دعوة الإمارة فيما يدعونه ويقاتلون من أجله. وقد أظهرت هذه الهدنة أن الذين يقاتلون الغزاة المعتدين ليسوا أجانب ومرتزقة كما يدعيه إعلام العدو ومعاونيهم، وأن هؤلاء هم أبناء هذا الشعب، وهم الغيورون على أهليهم وأموالهم وأعراضهم أكثر من أي شخص آخر، فبعد أن اجتمع الجنود والشرطة بأفراد الإمارة الاسلامية عرفوا أنهم مخلصون ووطنيون أكثر من الذين هم في المناصب العليا وأن دعوة الإمارة الإسلامية ما هي إلا إخراج العدو المحتل وأن الإمارة مستعدة للصلح والجلوس على طاولة الحوار.

هذا وغالبا قد يعرض اشرف غني على الامارة الاسلامية وقفاً لإطلاق النار خلال حلول عيد الأضحى المبارك بعد هدنة مماثلة في عيد الفطر الماضي ولاشك أن هدنة عيد الفطر كان لها أثر ايجابي على جميع الأصعدة والكل ينتظرها مرة أخرى لكن لايجب أن تكون هدنة مؤقتة، بل إننا نصبوا الى سلام دائم ووقف اطلاق النار الشامل بخروج القوات الغازية بلاقيد وشرط ثم المصالحة والمفاوضات، ولكن الجانب المقابل اشرف غني وزبانيته يريدون هدنة في اطار الدعاية فقط ثم الحرب الدائمة وهذا ليس في مصلحة أحد.

عند تسويد هذا المقال هناك تكهنات عن إجراء محادثات أمريكية مباشرة مع ممثلي مكتب الامارة الاسلامية في الدوحة، وأثارت هدنة العيد الماضي تصورات عن إمكانية تحقيق سلام أطول أمداً، بعد 17 عاماً من الحملة التي قادتها الولايات المتحدة الامريكية لاحتلال البلاد وتدميرها.

وتأتي هذه المبادرات في وقت تحقق فيه الإمارة الإسلامية تقدما ملموساعلى كل جبهات القتال ضد العدو الغاشم وأعوانهم ومرتزقتهم، وإن ما يسيطرون الآن عليه يتجاوز 70% من مساحة البلاد.

إن الأفغان ليسوا ممن ينخدع بآلة الحرب، فتاريخهم التليد سطر بأحرف من شجاعة وبطولة، والمؤشرات تشير الى أن الأوضاع غيرصالحة للاحتلال، وإن استيراتيجية ترامب قد فشلت فشلا ذريعا، وإن الحقائق على الأرض تظهر نجم المقاومة الاسلامية يصعد في جميع الولايات دون استثناء، ويتزايد الرفض في جميع فئات الشعب لقوات الاحتلال الغاصبة المعتدية لأن القوات الغازية انجبت كل نقمة وجلبت كل نكبة ودمار.

إن شعبنا شعب صلب المراس يأنف الذل ولا يستطيع الاقامة على الضيم، فلقد قهر الاسكندر الأكبر، واذل بريطانيا، واخيرا الاتحاد السوفياتي، وهذا مصير كل من تسول له نفسه اجتياح بلادنا دون استثناء، فهل يبقى جنود الاطلسي والأمريكان سالمين!؟ كلا وحاشا، بل انهم سيقبرون بأمانيهم في هذا البلد مع من دفنوا فيها قبلا فهذه البلاد مقبرة الأمبراطوريات لان شعبنا من (الذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون) فالذي ينتصر بعد ظلمه، ويجزي السيئة بالسيئة، ولا يعتدي، ليس عليه جناح لأنه يزاول حقه المشروع، فما لأحد عليه من سلطان ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد، إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض فسادا، فعلى الناس أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق.

 

إذا كشـف الـزمـان لك القنـاعا *** ومدَّ إليـك صَـرْف الدهر باعًا

فلا تخشى المنية والتقيها *** ودافعْ ما استطعت لها دفاعًا