کیف دخلتُ میدان الجهاد لأول مرة (۲)

غلام الله هلمندي

 

وفي الیوم اللاحق بدأت أنتظر معسکر التدریب باشتیاق بالغ، وبتعبیر أدق: کنت علی أحر من الجمر، كانت کل دقیقة تساوي ساعة، وکنت أنتظر حتی یجتمع مجاهدون جدد ونذهب معا إلی معسکر من معسکرات التدریب، ونشترك معا في دورة تدریبیة. طال الإنتظار ولم یأت أحد.

کنت أعلم أن زمیلًا لي حمیمًا، عشنا معًا ودرسنا معًا خمس سنوات کاملات متوالیات في مدرسة دینیة واحدة، جاء قبلي بشهر تقریبًا ویتدرب في إحدی المعسکرات التدریبیة؛ إلا أني لم أکن أعلم بالتحدید ما اسمه المستعار، وفي أي معسکر یتدرب؛ فإن قواعد التدریب لم تکن قلیلة حینئذ، والحمد لله. سألت عنه کثیرًا؛ ولکن دون جدوی، لم یعرفه أحد.

کنت سمعت کثیرا قبل أن أدخل جبهات الجهاد عن قائد میداني اشتهر في الآونة بـ «فاتح» وعن شدته وتجلده وصلابته، لا بل عن التزامه وتقیده بالمقرّرات وعدم تساهله في تدبیر الشؤون الجهادیة. إن «فاتح» قائد أسطوري عبقري لا یشق له غبار، لا یکل ولا یمل، ولا یستریح ولا یریح، وله علو کعب في فنون القتال وتخطیط المعارك والانضباط العسکري وإدارة الشؤون الجهادیة؛ رغم أن یمینه مشلولة، غیر أنه -بحمد الله- لم تشل عزائمه؛ کأن الرجل قد ولد أصلا لیکون قائدا یقود المعارك، دخل میادین الجهاد وهو شاب، قضی أکثر عمره في الجهاد، ولم یضعف عزمه أبدًا ولن یضعف أبدًا بإذن الله، لم تنقص الجولات والهزائم والتراجعات من قوة إرادته علی مدار الزمن. أعتقد بالتأکید أن حرکة جهادیة تملك رجالًا کهذا لا تشیب أبدًا، بل ستبقی شابة رغم أنف الحاقدین. سمعت أنه لن يقبل الصبیة؛ الصبیة الذین لم یلتحوا بعد، ولن یسمح لهم بالتدریب في القواعد التدریبیة، وأما أنا فلم أکن صبیًا، إلا أنه لم ینبت علی ذقني غیر شعیرات عدة لا تتجاوز عدّ الأنامل؛ بناءً علی ذلك کنت قلقًا، أخاف أن یردني صفر الیدین ویرجعني خائبًا ویشمت بي زملائي وأصدقائي الذین ترکتهم ورائي، والذین کانوا ینهونني عن الذهاب إلی میدان الجهاد في هذه السن المبکرة؛ ولکني بحمدالله رفضت ذلك رفضًا حاسمًا، و سلکت طریقي إلی أحلامي القدیمة العذبة.

بعد یومین من الانتظار، جاءت سیارة وحملتني وحیدًا، ویقود السیارة قائد عبقري من القادة المیدانیين، یسمی بـ «عارف»؛ رجل أحمر الوجه وأزرق العینین وبعید المنکبین، ضحوك مرح دائم البسمة، یملك قدرًا کبیرًا من الشجاعة والذکاء، ویتمیز بکمیة کبیرة من النبل والسخاء.

اتجهت السیارة إلی حیث لا أعلم؛ إلی شرقي المدینة، إلی وسط الجبال الشاهقة الوعرة الجرداء. في سفح جبل رفیع. أوقف السیارة رجل جهیر الصوت یحرس المعسکر، ینادي «قف! قف!» وقد وقف الرجل في خندق صنع من أحجار وضع بعضها علی بعض، وقد وجه فوهة البندقیة نحو صدورنا بالتحدید، إذاً هو نفس الرجل، الرجل الذي کنت أبحث عنه وأسأل دون جدوی، ولم یکن یراني، ولا یعرف «عارف» القائد الشهیر ویحدثه بشدة وقسوة؛ کأنه مليء بالغضب ولا یبالي ببسماته اللطیفة.

ها أنا أخیرًا في «بت شکن» (كاسر الصنم). ومن الغریب أن «بت شکن» لیس اسمًا لمعسکر تدریبي واحد. بل هو اسم یتناوبه المعسکرات التدریبیة حینًا بعد حین.

علی أي حال، دخلتُ المعسکر وأخذت علی غرة باختصاره ومنظره وهیئته؛ لأن المعسکر کان عبارة عن شجرة مورقة ظلیلة، وعن بساط عتیق متقطع نبسطه تحت الشجرة نهارًا ونطویه لیلًا وعن مصاحف عدة، وکتب قلائل وضعت بین أغصان الشجرة.

والشجرة تقع علی شفا واد لیس واسعًا، وادٍ نمارس فیه الریاضة یومیًا والرمایة نادرًا، بل مرّة أو مرتین طوال الدورة التدریبیة. هذا کل ما نملکه في المعسکر خلافًا لما کنتُ أتخیّل عن القواعد التدریبیة قبل أن أدخلها. ولا یملك کل أحد کلاشنکوفا. إنما کان یتناوب على استخدامه المتدربون عند التدریب، لم یکن في المعسکر من المعدات العسکریة غیر جرینوف خفیف واحد، و آر بي جي واحد، ومسدس واحد، وعدة کلاشنکوفات.

والعجیب أن حنظلة، الرجل المبحوث عنه، لم یکن کمتدرب یتعلم کما کنت أظن، إنما کان یشبه مدربًا یُعلّم. عرفت ذلك من هیئته وجلسته عند المدربین الآخرین. ولا غرو؛ فإنه کان قوي الجسم وقوي العضلات وقوي الذهن، کان یمارس الریاضة في أکثر أوقات الفراغ، قبل أن یدخل المعسکر. نعم کان قد أمسی مدربًا ممتازًا. ولکني لم أعتبره -مع الأسف- أستاذا إلی نهایة الدورة؛ لأجل الصداقة التي کانت بیننا منذ سنین طوال.

انتظرتُ بضعة أیام حتی یکتمل العدد المطلوب لبدء الدورة التدریبیة الثانیة تحت إشراف حنظلة، الرجل الذي لا أعتبره أستاذًا. لم یکن لدي کلاشنکوف لمدة أسبوع کامل، وربما أکثر. انتهت الدورة التدریبیة السابقة فأصبحت صاحب کلاشنکوف فقط، ولم أملك حزام الرصاص.

فتعلمنا خلال هذه الدورة فك الأسلحة وترکیبها، الأسلحة الخفیفة الموجودة داخل المعسکر؛ حتی تعلمنا أن نفكّ الأسلحة ونرکّبها دون أن ننظر إلیها. کان الأستاذ یشد علی أعیینا رداء، فیأمرنا أن نقوم بفکها وترکیبها. هذا کان قد صار لنا روتینًا، نقوم به یومیًا بکل راحة.

وبالإضافة إلی تعلم الأسلحة، کنا نتعلم کذلك أنه یجب أن نقاوم بهذه الإمکانیات البسیطة والمعدات العسکریة الضئیلة وهذه الأسلحة العتیقة؛ أقوی القوات في العالم عددًا وعدةً على الإطلاق.

السلاح الوحید الذي یملکه المجاهد فقط ولا یملکه عدوه هو الإیمان بالله وحده، والسلاح الفرید الذي یتمیز به المجاهد هو الإیمان بقدرة  الله ونصره والتوکل علیه.

کان أمیر المعسکر ومشرفه الأخ عمر البلوشي -فك الله أسره- وهو رجل ضاحك الوجه، یتمیز بکمیة کبیرة من حسن الخلق وخفة الروح، رجل نحیف الجسم ومتوسط القامة ورقیق القلب وضعیف البدن في الظاهر؛ ولکنه أستاذ بمعنى الکلمة في التکتیك وفنون الدفاع عن الذات، یجید استعمال الأسلحة، وقد قضی أکثر عمره في التدریب والتدرب، وکنا نسمیه: «أستاذ عمر».

ولما غادر المعسکر وودّعنا سالتْ دموعه وبکی کثیرًا، بل أکثر المتدربین کانوا یبکون عند الفراق ربما بأصوات جهیرة تشبه النیاحة. سبحان الله! هذا هو الإیمان الذي یؤاخي بین المسلمین إلی هذا الحد، وهذا هو الجهاد الذي یجمع أناسًا من مختلف الجنسیات واللغات والقومیات ویجعلهم عباد الله إخوانًا. لا فضل لأحد علی أحد إلا بالتقوی.

ولکن الأستاذ عمر کان في الوقت ذاته رجلًا متصلّبًا عنیفًا یمارس العنف ربما الضرب عند ممارسة التکالیف الریاضیة وتعلیم الأسلحة والتحیات العسکریة الخاصة. إن جمیع المدربین کانوا یتعمدون العنف والإیذاء بسبب أعمال لا طائل تحتها غالبًا، حتی لم یکونوا یسمحون أن نشبع إلا نادرًا؛ مثلا في بعض الأحیان کنا نأکل بضع لقیمات من طعام لا یکاد یکفي طفلًا فیأمروننا بالإمساك ویرفعون السفرة من بین أیدینا دون أن یبلغ الطعام إلی المعدة، نأتي السفرة جیاعًا ونقوم عنها جیاعًا. هکذا کانوا یثیرون غضبنا ویعودوننا علی الصبر واحتمال المصاعب والمشاکل والتعود على الظروف القاسیة.

نعم، بکل صراحة لم یکن في قاعدة التدریب شيء من الرفاهیات غیر لقیمات یقمن الصلب وکأس من شأي منکدر وجرعات من ماء منکدر حار یروي الغلیل وماء نتوضأ به. إن الماء کان یأتینا من بئر بل من حفرة طولها نصف متر، حفرت في سطح الوادي، وطبعًا لم یکن الماء متیسرًا في کل وقت، بل کان ینضب إذا کثر الاغتراف منه.‌ لم یکن هناك شيء لصالحنا نحن المتدربین في الظاهر؛ إلا أن هذه الإجراءات العنیفة الشاقة نفعتنا في نهایة المطاف إلی حد کبیر.

لم أتعود قبل الالتحاق بالمعسکر بأن أستیقظ من النوم مبکرًا بنفسي دون أن یوقظني أحد. في لیلتي الأولی لم یوقظني أحد لصلاة الفجر؛ ولأجل هذا تأخرت عن الجماعة، فکلفني أمیر المعسکر بتکالیف ریاضیة شاقة جدًّا. کنت أمارس تکالیفي وهو یصب علی رأسي وبدني ماءً باردًا بات اللیلة في «برافشا». ظل هذا الخطأ آخر أخطائي کما کان أول أخطائي. کان البرنامج أن نتلو قلیلًا بعد صلاة الفجر، ولکن في بعض الأیام کنت أختفي تحت الصخور وأنام نومة الأرنب؛ ولکن بمجرد أن یقول الأستاذ: «اجتمعوا» (کلمة واحدة) أطیر من النوم وأحضر في ساحة الریاضة بسرعة، قبل کل أحد. والفضل یرجع إلی ذلك الماء البارد الذي صب علی بدني وأنا أقوم بتکالیفي الریاضیة في الصباح المبکر. رغم کل هذه الصعوبات کنا نشعر بأن الدنیا بحذافیرها اجتمعت لدینا والسعادة کلها أحاطت بنا.

من الجدیر بالذکر هنا أني کنت مریضًا لمدة شهر تقریبًا قبل أن أدخل «أرض الجهاد»، ودخلتُ المعسکر وأنا أحمل حملًا ثقیلًا من الدواء. ومن العجیب أني لم أذق الدواء ولو لمرة طول إقامتي في تلك المرة. عافاني الله ببرکة الجهاد في سبیله ثم ببرکة صحبة المجاهدین. وأتذکر جیدًا أني مکثتُ في تلك المرة ثلاثة أشهر إلا بضعة أیام.

وقد ذکرت لکم أني کنت صغیر السن لم ألتح بعد‌؛ غیر بضعة شعیرات علی ذقني. کنت أخاف الطرد والرد في أي لحظة. فاجئنا ذات یوم القائد العبقري «فاتح» الذي تکلمت في بدایة المقال عنه وعن تصلبه وتعنفه أو کنت أظنه هکذا علی الأقل، ومن حسن الحظ لم أکن قریبًا منه لما جاء، ولم یقع نظره علي. فأحضر الجمیع وطبعًا أنا لم أحضر واختفیت علی بعد أمتار منهم في شقوق الصخور، حیث ننام لیلًا ونقیل عند الظهیرة. کنت أخاف أن یردني صفر الیدین خائبًا خاسرًا. کنت قریبا عندهم بحیث أسمع هینمتهم. ظننتُ في البدایة بالنجاة من الطرد وشعرت بالسعادة وسررت بالحیلة ولکن من سوء الحظ کادت تنتهي السعادة. طلب منه أمیر المعسکر «الأستاذ عمر» أن یزور مبیت المتدربین في شقوق الصخور واحدًا واحدًا، کان یرید أن یطمئنه بأن مبیت المتدربین قد اختير بالدقة.

هنا غمرني خوف وقلق بالغان، بل قامت في کیاني قیامة؛ لأجل أني أیقنت بأنه سیفضحني ویرجعني بلا تردد ولا تریث. وکم دعوت ربي ونادیته، بدأ یزور المبیت واحدا تلو الآخر، ولما اقترب مني مترًا أو مترین تقریبًا، کاد أن یراني، وأنا مختف في شقوق الصخور، رجع وقال: «أحسنتم و أجدتم الاختیار» هکذا حافظ ربي علی حرمتي وزاد في مدتي، مدة البقاء في أرض الجهاد.

 

کانت شقوق الأحجار والصخور بمثابة خنادق لنا؛ لأجل أن الطائرات المتجسسة کانت تحلق فوق رؤسنا لیلًا ونهارًا إلا ما شذّ وندر. وکانت الظروف قاسیة ورهیبة، علی الأقل بالنسبة لنا نحن المجاهدین الجدد الذین لم یجرّبوا القصف ولم یدخلوا الحرب.

کان معنا أخ یسمي نفسه «محمودا» یتدرب معنا؛ لکن في معسکر آخر خاص لتعلیم الأسلحة الثقیلة، بعد أن انتهت هذه الدورة، کان أصغر مني سنًّا بکثیر، وکان صبیا یبلغ من العمر ۱۵ عاما، علی ما یبدو، کان أصغر مني سنا وأضعف مني جثة وأقصر مني قامة ولکن أصلب مني إیمانا وأقوی مني عزما وخدمة للمجاهدین وأنقی مني صدقًا وإخلاصًا. أحسبه کذلك ولا أزکي علی الله أحدًا. في البدایة أبی أمیر المعسکر «صارم» أن یسجله وحاول أن یردّه؛ إلا أنه لم یفشل بل بحث عن الحل وذهب إلی القادة وقال لهم بصراحة: «إن أخرجتموني، سوف أشکوکم الي ربي في محکمته یوم القیامة. ماذا ترون؟» خاف القادة شکایته وأذنوا له بالإلتحاق بالمعسکر. إضافة إلی ذلك، جاء جده مرات عدة لیقنعه بالرجوع معه إلی البیت؛ ولکنه امتنع، بل استرجعه مرة بالقوة ولکنه لم یستسلم وعاد مجددًا إلی المیدان ولم یتراجع أبدًا عن فکرته ومسیرته؛ مسیرة الدفاع عن الأرض والعرض ومسیرة إعادة المجد وتحریر البلاد وتطهير الوطن من أعداء الله ورسوله. وهذا لا یعني أن جده کان مخالفًا للجهاد، کلا وحاشا! بل کان یؤمن بالجهاد ویحب المجاهدین؛ إنما کان یصر علی استرجاعه لأجل صغره. وبعد مدة سجل هذا الشبل في الفدائین وقام بعملیة إستشهادیة مبارکة وقضی نحبه ونال مراده. أحسبه کذلك والله حسیبه. وليتني أعطیت قدرا من تحمسه للإسلام وتفانیه في سبیل المجد والکرامة وموالاته للمؤمنین.

إن تاریخ الجهاد والمقاومة في أرض الأفغان مليء بأمثال «محمود» الذین دفنوا تحت التراب ولم یعرفهم أحد؛ إلا أن ربهم عز وجل یعرفهم ویجعل تضحیاتهم في میزان حسناتهم وسوف یجزيهم علیها بغیر حساب.