فلا نامت أعين الجبناء

نصيب زدران

 

حكى لي أحد أعضاء أسرة الحقاني -رحمه الله تعالى- بأنّ الحقاني لمّا استشهد ابنه الثاني بطائرة الدرون الأميركية، ذهبتُ أنا وصديقي الحاج خليل – شقيق الفقيد رحمه الله – عند الشيخ الحقاني -رحمه الله- كي نعزيه باستشهاد فلذته، فوجدناه يتلو القرآن الكريم، فلم ندري كيف نخبر الشيخ رحمه الله.

جاء الخبر بأنّ طائرة الدرون قصفت محمّدًا، وكان بجانب الشيخ رجلٌ آخر، فسأل كيف حال عمر؟ قلنا هو بخير. فبدأ الحاج خليل يتكلم عن الصبر، وفضيلة الشهادة؛ حيث لم يمض وقت طويل على استشهاد ابن آخر للحقاني، فلأجل ذلك رأينا بأن نصبّره بمقدّمة، ثم نخبره باستشهاد فلذته، إلا أنّ الحقاني فهم، فرفع صوته قائلاً: تكلم بوضوح وكن صريحًا في كلامك، ماذا حدث؟ هل استشهد محمّد أم أصيب؟ فأجاب الحاج خليل: نعم استشهد محمد، فلم يتغيّر وجهه ولم يحزن، وقال: هكذا قل بصراحة، وهذا ليس بشيء جديد، ثم اشتغل بتلاوة القرآن ثانية.

إن المضي في طريق الحق ليس بالأمر الشاق؛ إنّما الصعب هو الاستقامة في هذا الطريق. وكان الشيخ جلال الدين رحمه الله من الذين خاضوا هذا الطريق بصمود واستقامة منقطعة النظير. فلمّا وضع خطواته على هذا الطريق، لم ينكص على عقبيه، فواجه القلاقل والمدلهمّات والجروح والإصابات، والإنذارات، وإدراج اسمه في القائمة السوداء، ولكن لم يعبأ بشيء من ذلك، واستقام إلى أن لقي ربه صابرًا ومحتسبًا.

أبصرَ الشيخ جلال الدين الحقاني رحمه الله النورَ قبل 80 عامًا في قرية سوري خيل بمديرية زدران بولاية بكتيا، ولم يخطر على بال أحد بأن يذيع صيته في العالم، ويواجه كل يوم عناءً ومصيبة. قصد الأمريكان والعملاء اغتياله، ولكنّ الله سبحانه وتعالى حماه في كنفه، فقمع السوفييت وكأنه في غزوة بدر، ثم كغزوة أحد يفقد أبناءه وإخوانه وأحبابه والعشرات من أعضاء أسرته، ويرى بأمّ عينيه هزيمة كسرى وقيصر الروم (النيتو) بيد أبنائه البارّين والمجاهدين الصادقين.

حكى لي تاج الدين أحد أبطال بكتيا، اشتبكنا مع العملاء في منطقة نريزوي بمديرية تني بمديرية خوست، وكان المجاهدون يملكون أبسط الأسلحة، وكان عددهم قليل، وقوي العدوّ وتفرّق المجاهدون، وكان أزيز الرصاص مدويًا في كل مكان، فانسحب المجاهدون ورجعوا في الليل إلى مراكزهم، إلا أننا افتقدنا الحقاني -رحمه الله- فظنّنا بأنه أسِر أو مكث في الجبال، أو استشهد، فبحثنا عنه في الصباح، فوجدنا دبّابة للعدوّ، اقتربنا منها، فسقطت حجارة من تحت رجل صديقي وأحدثت ضجّة، فسمعنا صوتًا يقول: من أنت؟

كان هذا صوت الحقاني حيث أسر جنود العدوّ وجلس على متن الدبّابة، ينتظر رفاقه كي ينقل الجنود والدبّابة إلى مكانٍ آمن.

جاهد الشيخ الحقاني في عهد الجهاد ضدّ السوفييت تحت قيادة الشيخ يونس خالص، وبقي وفيًا له، ولمّا بدأ الاقتتال والتناحر، كان عنده رجال كثيرون وكمّية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدّات إلا أنه لم يقاتل أحدًا، ولم يكن يتطلع للجاه والمنصب. هوجم من قبل الكثيرين، إلا أنّه لم يدّخر جهدًا في السلام واستقرار الأمن.

التحق بصفوف الإمارة الإسلامية بلا قيود أو شروط، وبايع أمير المؤمنين الملا محمد عمر رحمه الله، وبقي وفيًا بعهده وبيعته إلى الأبد، وبدأ العدوّ ببروغاندا جديدة باسم شبكة الحقاني، إلا أنّ جميع مساعي العدوّ باءت بالفشل ولم ينقض جلال الدين الحقاني بيعته بالملا محمد عمر رحمهما الله.

استسلم كثير من الذين كانوا معه أيام الجهاد ضدّ السوفييت إلى النيتو والأمريكان، وكانوا يبغون الوزارة والرئاسة، فأرسلوا أبناءهم إلى البلاد الأجنبية، وقتل بعضهم في صفوف النّيتو، إلا أنّ جلال الدين -رحمه الله- اختار لنفسه وأبنائه طريقًا مليئًا بالأشواك والمخاطر، طريقًا مفعمًا بالخسائر الدنيوية، إلا أنّه رأى في ذلك المثوبة الأخروية.

استشهد أحد إخوانه في الجهاد ضدّ السوفييت، واستشهد 4 من فلذات كبده من قبل الأمريكان، وهم: نصير الدّين الحقاني، وبدر الدين الحقاني، ومحمد عمر الحقاني، ومحمّد الحقاني رحمهم الله، وابنه الآخر أنس الحقاني – فك الله أسره – مازال قابعًا خلف قضبان الألم. استشهد ما لا يقل عن 50 فردًا من أعضاء أسرته بما فيهم أخته بيد الأمريكان الأنجاس، وأدرج اسم إخوانه وأبنائه في القائمة السوداء، وامتلأ بيته بالأيتام، إلا أنّ موقفه لم يتغيّر تجاه الأمريكان، وهذا أنموذج مثالي من الغيرة الإيمانية في العصر الراهن.

إنّ التاريخ الإسلامي مليء بالأبطال كـ معاذ ومعوذ، وخالد بن الوليد، والحسين، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد بن القاسم، وعمر المختار، وأحمد شاه الأبدالي، وميرويس هوتك، والملا محمد عمر المجاهد، وأسامة بن لادن رحمهم الله، ولا غرو بأن الشيخ الحقاني -رحمه الله- كان بطلًا ترس صدره للسهام النّازفة، ولكنه ما وهن وما ترك سبيل الحق حتى وافاه الأجل وهو على ذلك.

وهكذا يعيش الأبطال ويرحلون، ولكنهم يلقّنون العالم درس البطولة والحقانية، إننا اليوم نغتبط ونفرح بأنّنا في عزاء قائد وزعيم لم يقترف أمرًا يطرق رؤوسنا أو يخجلنا. أصيب مرات واستشهد شبابه حتى النساء إلا أنّ الشهادة لم تطرق بابه، فمات كما مات خالد رضي الله عنه، فلا نامت أعين الجبناء.