الافتتاحية: أنت اليوم أوعظُ منك حيّاً

هاقد ترجّل فارس من فوارس الأفغان الشجعان، وألقى عن كاهله عصا الترحال، وودّعنا تاركاً هذه الدنيا الفانية إلى الأخرى الباقية، بعد رحلة طويلة من الجهاد والرباط والصبر والمصابرة والتضحية والبذل في سبيل الله -نحسبه كذلك ولانزكيه على الله.

رحل الشيخ جلال الدين حقاني، أحد قامات الجهاد الأفغاني السامقة ضد الاحتلال السوفيتي ثم الاحتلال الأمريكي، ضارباً أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار والحكمة.

لقد جاهد الشيخ حقاني وقاتل الغزاة المعتدين طيلة عقود، حين أحجم الجبناء والمنافقون والمثبطون.

ووضع الشيخ حقاني السلاح واعتزل الفتنة، حين استعرت حظوظ النفس والأهواء في نفوس الذين قاتلوا لتكون كلمة حزبهم هي العليا وكلمة الأحزاب الأخرى هي السفلى.

وبايع الشيخ حقاني أمير المؤمنين الملا أختر محمد منصور -رحم الله الجميع- طمعاً في جمع الكلمة وتوحيد الصف، حين كان أنصاف المجاهدين وأشباه الرجال يتسوّلون البيعات ويتهافتون على شق صف المجاهدين وضعضعة بنيانهم هنا وهناك طلباً للإمارة.

وقدم الشيخ حقاني خلال مسيرته الجهادية خمسة من فلذات كبده -أربعة شهداء وأسير- وغيرهم من سائر أقربائه، حين ضن بالأموال فضلاً عن الأرواح والأبناء؛ المبشِرون بثقافة الإستضعاف والخنوع والإنهزام.

العالم الجليل والقائد المحنّك الذي كانت تتسابق وسائل الإعلام -بالأمس- للقائه وإجراء حوار معه وتحظى بشرف استضافتها له، رحل اليوم غريباً، تصفه -زوراً- ذات الوسائل الإعلامية بالإرهاب والتطرف والتمرد! لا لشيء سوى أن عدو اليوم أصبح أمريكياً ولم يعد سوفيتياً! وأن عدو اليوم هو الخصم والحكم! رحل -كما كان- شامخاً، أبيّاً، صابراً، لسان حاله:

عارٌ على المرء أن يُحتل مسكنـه *** وأن يجور عليه الخصم والحكم

وقلبه بضروب اللهــو مرتـــهـن *** ونفسه لرغيــد العيــش تلتهـــم

 

وهاهو الشيخ الجليل بعد رحلة العناء والمكابدة الطويلة التي قضاها مجاهداً، حراً، صنديداً، يسلّم الراية لتلامذته الذين نضجوا على عينه ونهلوا من معين إبائه وعلمه، ليكملوا مسيرته لتحرير هذه الأرض الطيبة من رجس الغزاة المجرمين.

هاهو البطل الذي خاض المعارك، وواجه الصعاب والأهوال بحد سيفه، وطلب القتل في سبيل الله مظانه؛ يموت على فراشه كما مات سيف الله المسلول خالد ابن الوليد -رضي الله عنه- مصداقاً لقول الله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]. واعظاً -بموته- جموع القاعدين عن الجهاد أن الموت لا يفرق بين مجاهد وقاعد، فلا الجهاد والنزال يقرّب أجلاً، ولا القعود والإخلاد إلى الأرض يؤخر حتفاً.

وكانت في حياتك لي عِظـاتٌ *** فأنت اليوم أوعظُ منك حيّاً

 

إن الشيخ الجليل كان لبِنة مهمة من لبِنات القلعة الأفغانية العتيدة، التي لن تتم إلا بأمثاله من الصادقين المخلصين الذين قضوا نحبهم غير مذبذبين ولا مفتونين. وهو وإن لم تقرّ عينه بطرد آخر جندي محتل من البلاد، فستقرّ بذلك -يقيناً- عيون تلامذته وأبناء شعبه قريباً، وسيقطف الأبناء ثمار نضال وكفاح آبائهم وأجدادهم بإذن الله عز وجل.