أفغانستان في مركز النظام الدولي القادم

بقلم الاستاذ مصطفى حامد (ابوالوليد المصري)

 

■ لم تعد أفغانستان منطقة عازلة، بل أصبحت حلقة وصل أساسية بين أقاليم آسيا.

■ الاستعمار الأمريكى يحتضر، وهو آخر السلالات المتوحشة للاستعمار الأروبي.

■ شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكي والإرهاب الداعشي، ومن حقه أن يحصل على دعمهم السياسي والتسليحي.

■ التعاون مع شعب أفغانستان في وقت الضيق الحالي، سوف يحدد مدى تعاونه مع أصدقائه في عصر السلام القادم.

■ ستنتشر هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير، وسارت طرق القطارات عبر أفغانستان إلى براري آسيا وموانئ العالم.

■ ليس السؤال هو متى ينسحب الجيش الأمريكي من أفغانستان، بل السؤال هو كم من جنوده يمكنهم النجاة من أفغانستان؟؟.

 

ليس هناك أي شك في أن “النظام الدولي” أحادي القطبية قد انهار. وأن نظامًا آخر قيد التشكيل وسط مقاومة أمريكية عنيفة ومتهورة.

تلك المقاومة الحمقاء تعجل بتشكيل النظام الدولي القادم، وكل الدول المتماسكة تبحث لنفسها عن مكان بداخله. والدول المسحوقة فاقدة الإرادة تتمسك بالسيد الأمريكي، ومستعدة للذهاب معه إلى الجحيم، وتدفع له الإتاوات وتنفذ كافة مطالبه عسى أن يقبل تعلقها الذليل به.

من استوعبوا الحكمة الكامنة في التاريخ كانوا يقولون أن أمريكا ارتكبت أكبر خطأ في تاريخها بغزوها لأفغانستان بينما عبرة سقوط الاتحاد السوفيتي مازالت ماثلة للعيان. وكانوا يقولون أن أفغانستان صارت محصّنة ضد أي غزو خارجي بعد ما حدث للسوفييت. ومن قبله ما حدث لبريطانيا التي كانت عظمى وإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ولكن بعد ثلاث حملات عسكرية لإخضاع أفغانستان تحوّلت إلى دولة من الدرجة الثانية، ثم إلى مجرد “ذيل حضاري” للإمبراطورية الأمريكية التي سيطرت على النظام الدولي في مقابل كتلة شيوعية منافسة. فكان نظامًا ثنائي الأقطاب استمرّ حتى هزيمة السوفييت في أفغانستان وسقوط إمبراطوريتهم، وإعلان أمريكا عن نفسها كمنتصر أوحد في حرب أفغانستان، وتعلن نهاية الحرب الباردة وأنها سيد العالم الأوحد بلا منازع وإلى مالا نهاية.

ثم رفعت راية “العولمة” التي هي “أمركة” العالم اقتصاديًا وثقافيًا، تحت سطوة أمريكا العسكرية، وأحادية سيطرتها على كل بني البشر في كل أنحاء الأرض.

بلغ الغرور الأمريكى حدًّا تجاهلت فيه السُنَّة التاريخية الثابتة، والتي تقول أن أفغانستان هي مقبرة الإمبراطوريات الظالمة التي تخترع للبشر نظامًا للاستعباد ” تسميه ” النظام دولي”.

لم يكن غير الأحمق جورج بوش الصغير هو من يمكن أن تبلغ به الجهالة إلى حد الإقدام على غزو أفغانستان. لتبدأ عملية تركيع أمريكا على يد مجاهدي الشعب الأفغانى.

كان واضحًا للرئيس أوباما أن بلاده لن تفوز في حرب أفغانستان، ولكنه لم يمتلك القدرة على مواجهة مجموعات الضغط التي تريد استمرار الحرب حتى ولو كانت حربًا عقيمةً عسكرياً طالما إنها تحقق أرباحاً طائلة في جوانب أخرى مثل الأفيون والنفط ونهب الثروات المنجمية، إضافة إلى ترويج منتجات صناعة السلاح والصناعات الأمنية وشركات المرتزقة (المتعاقدون)، وفوق الجميع البنوك الكبرى العاملة في عوائد النشاطات آنفة الذكر خاصة المخدرات.

■ حتى اللحظة الراهنة لم تخرج القوات الأمريكية من أفغانستان، وإن كانت قد انخفضت إلى جزء من عشرة أجزاء من حجمها الأصلى. أي أنها الآن 15 ألفًا بدلًا من 150 ألف جندى قبل عام 2015. ولكن لا تتوافر إحصاءات رسمية عن قوات(بلاك ووتر) وأشقائهم من الدواعش من “فرق الموت” الىاعشية التابعة للجيش الأمريكي. وهناك قوات مستخزية أخرى، هم (أولاد الحرام) الذين يمولون الناتو ويقاتلون معه حيثما حل في بلاد المسلمين، بدون أن يعترف الحلف بأنهم أبناء شرعيون له.

■ ومع هذا فإنّ ترامب (المجنون، المختل نفسيًا، المنحرف أخلاقيًا) قد يحصل على فرصة فريدة لتخليص بلاده من حفرة النار الأفغانية التي سقطت فيها. ومن المتوقع أن الفترة ما بعد انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر القادم سوف تشهد مفاجآت أمريكية غير متوقعة، أيًّا ما كانت نتائج الانتخابات.

ــ (النظام الدولي) الأمريكي أحادي القطبية قد انتهى منذ سنوات وبهذا تكون أفغانستان أوفت بعهدها، وقضت على مكانة دولة عظمى، و(نظام دولي) حاول إذلال العالم، ولم ينتبه إلى خطواته التي أسكرها الغرور فسقط في جهنم الأفغانية.

ــ العالم الآن بلا نظام دولي. وهناك نظام في طور التكوين، وللمفارقة فإن تخبط السياسة الأمريكية تدفع نحو بلورته بسرعة. وكتلته الصلبة سوف تكون الصين وروسيا، وحولهما إيران ودول أخرى تمتد من الهند إلى جنوب أفريقيا والبرازيل.

تنبهت أمريكا بعد فوات الأوان إلى الخطأ الذي وقعت فيه بمعاداة روسيا والصين معًا ــ فحاولت اجتذاب الهند بعيدًا عنهما ــ فخصّها ترامب بعبارة مجاملة في خطابه الفكاهي في الدورة 43 للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي أضحك قادة العالم على ما وصلت إليه الولايات المتحدة، التي قضت على أنظمة العالم وقوانينه، بينما يقف رئيسها يتباهى بجهله ومغالطاته المضحكة.

■ أفغانستان التي حطّمت خلال قرن ونصف، ثلاث أنظمة استعمارية كانت تدير العالم، لم تستفد في أي مرة من إنجازات دفعت ثمنها غاليًا من الدماء والأموال. يعود ذلك إلى ضعف القيادة السياسية للبلد، وقدرة القوى الاستعمارية على إشعال الفتن الداخلية، والتدخل في أمور الدولة إلى درجة تعيين الحكام ومساندة طرف على أطراف أخرى منافسة.

آخر الفرص التي ضاعت كانت انتصار الشعب الأفغاني على الغزو السوفيتي الذي كلّف دماء وأرواح مليوني شهيد وأضعاف ذلك من المعاقين والجرحى.

ولكن عدم وجود قيادة سياسية للجهاد، أتاح فرصة للدول الخارجية كي ترسم المسار السياسي لأفغانستان، فأوقعتها في حرب أهلية طاحنة منعتها من جني ثمار انتصارها الكبير.

الجهاد الحالى ضد الاحتلال الأمريكي، يدور في مناخ إقليمى ودولي تأثر كثيرًا بالفشل الأمريكي في إخضاع أحد أفقر الشعوب اقتصاديًا، وأغناها معنويًا ودينيًا، ممّا أدى إلى ظهور أقطاب كبرى حول أفغانستان تزحف بثبات نحو قيادة العالم، في مواجهة معارضة وعرقلات أمريكية كثيرة وقوية. ولكنها مسألة وقت ليس إلا، حتى يبزغ نظام آسيوي يقود العالم، ستكون أفغانستان في مركزه، ولديها المؤهلات لذلك، وهي:

 

أوّلًا ـ انقلاب في الدور “الجيوسياسي” لأفغانستان:

في القرن التاسع عشر كان ينظر ـ دوليا ـ إلى أفغانستان على أنها ” دولة عازلة” تفصل بين كتلتين من أعظم كتل العالم، تزحفان في اتجاهين متعاكسين. الروس يزحفون لتوسيع إمبراطوريهم القارية من الشمال إلى الجنوب، وغاية زحفهم كانت مياه المحيطات الدافئة أي انتزاع الهند من التاج البريطاني. وإمبراطورية بريطانية “بحرية” لا تغيب عنها الشمس زاحفة في الاتّجاه المعاكس من الجنوب نحو الشمال، لتبتلع المساحات الشاسعة في آسيا الوسطى وجبال القوقاز وما خلفها من بلاد.

ولأن الصدام بينهما سيكون كارثيًا للإمبراطوريتين، فاتفقتاعلى تحييد أفغانستان وجعلها منطقة عازلة تمنع التماس المباشر بينهما وما قد ينتج عنه من حروب.

■ الآن اختفت تلك المعادلة الدولية. فروسيا الإمبراطورية لم تعد موجودة، وبريطانيا العظمى اختفت عظمتها. والإمبراطورية السوفيتية اختفت كلها، والولايات المتحدة فشلت في فرض نظام دولي جديد لأن الأفغان حطموا أحلامها، حتى صار رئيسها أضحوكة العالم في الأمم المتحدة. ودول آسيا تبحث عن تواصل اقتصادي يرفع من مستوى الشعوب وليست في حاجة إلى مساحات عازلة، بل تحتاج إلى أفغانستان كحلقة اتصال جغرافي بين اتجاهات آسيا الأربعة. وتلك ميزة جغرافية تكسب أفغانستان قوة سياسية في الإقليم ودورًا حيويًا في نهضة اقتصادية عالمية القائمة على حرية وكثافة تنقل البضائع والأفراد بين أرجاء آسيا، خاصة كتلها الكبرى: الصين ـ روسيا ـ الهند ـ إيران.

إيران والهند بمباركة روسية، بدأتا بالفعل خطوات لإنجاز تلك الرؤية عبر مرتكزين هامين الأول ميناء تشابهار على بحر العرب، والثاني خط سكة حديد لربط الميناء بآسيا الوسطى وروسيا. لذا يمكن أن نطلق عليه مشروع (الميناء والقطار).

ومشروع الصين العظيم الذي أسمته (الحزام والطريق) وهي مشروع صيني ذو عمق عالمي يربط مناطق كثيرة من العالم القديم مع الصين، كمركز اقتصادي وأكبر قوة تصديرية في العالم. والمشروع يستلهم فكرة طريق الحرير التاريخي الذي كان يربط أروبا بالصين التي يمكن أن تتطور مستقبلا إلى قطب قائد للسياسة العالمية. وإذا اتجه ذلك العملاق صوب حضارة عسكرية على النمط الغربي الذي مارستة الدول الاستعمارية في أروبا وأمريكا فسوف يدخل العالم في نفق أسود. ولكن التمنيات تقول أن ذلك لن يحدث على أمل أن التراضي الاقتصادي وتقاسم الأرباح الهائلة بشيء من العدالة لن يجعل “عسكرة” النظام الدولي القادم أمرًا مفيدًا للاقتصاد أو للسياسة.

■ لأفغانستان دور في كلا المشروعين، الصيني (الحزام والطريق )، أو في مشروع (الميناء والقطار) أي مشروع ميناء تشابهار وخط القطارات المنطلق منه. ويؤكد المشروعان على أن الدور الجيوسياسي لأفغانستان ما بعد التحرير هو كونها حلقة وصل جامعة لكل آسيا. ومَعْبَراً لعدد من أهم دولها للخروج إلى البحار الواسعة من خلال ميناء تشابهار.

من ضمن أهداف أمريكا في أفغانستان هو استخدامها كقاعدة لتخريب النظام الأسيوي الدولي، والعمل منها ضدّ أهم ركائزه، وهم الصين وروسيا والهند وإيران، باستخدام ورقة “الإرهاب الداعشي” الملحق بالجيش الأمريكي وحلف “الناتو”.

إدراك أقطاب آسيا للأهداف الأمريكية بكل وضوح، جعل الميدان السياسي مفتوحًا أمام تقدّم حاسم للإمارة الإسلامية لتثبيت جذورها في النظام الأسيوي القادم، واقتحام الميدان الأسيوي منذ الآن بتمهيد الطرق مع تجمعاته المتعددة، وإيضاح موقفها من أوضاع العالم الحالية، والخطر الذي تمثله الولايات المتحدة وحلف الناتوعلى أمن واستقرار العالم وشعوب آسيا. وأنّ إمارة أفغانستان الإسلامية بعد التحرير، تعي دورها في حفظ السلام والأمن في آسيا وتخليصها من سرطان الاحتلال الأمريكي وإرهابه الداعشي، لإتاحة الفرص أمام أوسع نطاق ممكن من تحسين أوضاع المنطقة وتنمية ثرواتها في ظلال من العدالة والسلام.

 

الإمارة الإسلامية تتصدى لأمريكا وداعش:

يتابع العالم ـ والقوى الأسيوية تحديدًا ـ المعركة الضارية بين حركة طالبان ـ القوة الضاربة للإمارة الإسلامية ـ وبين جيش الاحتلال الأمريكي، وما يتبعه من حلفاء وذيول وحشرات متسلقة. ومن أهم مكونات الاحتلال تأتي داعش (كتيبة المرتزقة الىاعشيين) الملحقة بجيوش أمريكا والناتو.

لقد فشلت داعش في تحقيق أي من مهامها في أفغانستان. ولم تنجح فيما فشل فيه سادتها الأمريكيين، رغم ما بذلته من تخريب وقتل لإشاعة الفتن المذهبية والعرقية، وإرهاب مُنَسَّقْ مع أجهزة الدولة في كابول، وانخراط في صراعات حزبية وأمنية، وحروب بين ميليشيات النافذين في النظام. فلم يقتنع أحد في الشعب الأفغاني بأن إجرام داعش له أي صلة بجهاد حركة طالبان. وحتى دول الجوار لم يساورها أي شك في ذلك، سواء الجيران في الصين أو إيران أو روسيا والهند. فالمسلمون في القارة الآسيوية هم منارة هدى وحضارة ومُثُل دينية عليا، وليسوا مع الإرهاب أو التخريب، ولن يكونوا (ورقة) في يد أمريكا أو إسرائيل والناتو لتخريب أمن شعوب آسيا وعرقلة نهضة تلك القارة العريقة. فالمسلمون كانوا دومًا ضمير آسيا ومنارة الهداية المشرقة في أرجائها. والأجواء القادمة في آسيا والعالم ستجعل الإسلام يشق طريقه بالهداية والدعوة. وعلى خطوط التبادل التجاري التي ستغطي آسيا والعالم سينتشر الإسلام مع حركة الناس والتجار وطلاب العلم، كما كان الحال في الأزمان الخالية قبل الهجمة الإستعمارية على دول آسيا المسالمة. ستسير هداية الإسلام أينما سار طريق الحرير، وسارت خطوط القطارات عبر أفغانستان إلى براري وموانئ آسيا والعالم.

أما الغزاة المعتدين فمصيرهم معروف، ومن المفروض أن أحدًا لن يفكر يومًا في تعكير صفو أمن الشعب الأفغاني، أو شعوب آسيا الحرة المتشوقة إلى هداية الإسلام الذي سيعرض عليها في أجواء من السلم والثقة.

 

تحديات المستقبل والعلاقات مع دول الجوار:

■ تطوير علاقات الإمارة الإسلامية مع أقطاب آسيا (الصين ـ روسيا ـ إيران ـ الهند) له هدفان رئيسيان:

الأوّل: إعادة بناء أفغانستان.

الثاني: مواجهة الموجة الجديدة من الحروب الأمريكية، وفي طليعتها الإرهاب الداعشي، والمخدرات.

وكلا الهدفين مرتبط بالآخر ارتباطًا وثيقًا لدرجة يمكن اعتبارهما هدفًا واحدًا. وكلاهما في حاجة إلى ترابط إقليمي بين أفغانستان ومحيطها الأسيوي العملاق. فمواجهة خطر الإرهاب الداعشي، ومشتقاته يحتاج إلى بناء جيش قوي ركيزته القوات الجهادية الحالية بعد تحديثها وتسليحها جيدًا، وإعادة تدريبها على مزيد من المهام المستجدة في الحروب الحديثة. ويحتاج إلى نظام معلوماتي قادر على التصدي للحرب الاستخبارية المساندة للإرهاب الداعشي، وقادر على الإسهام في تعاون إقليمي لرصد الشبكات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات التي تديرها أمريكا حاليًا في أفغانستان وباقي دول المنطقة لإغراقها في مستنقع المشاكل الأمنية بدلًا من التركيز على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشاريع الاتّصال بين دول آسيا.

هذا الانفتاح الهائل أمام أفغانستان برًا وبحرًا سيصنع القيمة الجيوسياسية الجديدة لهذا البلد. وليس هذا بالخبر السارّ للمحتل الأمريكي ومشاريعه المنهارة في أفغانستان الذي طمع في أن يجعلها (إسرائيل جديدة في المنطقة) حسب قول عضو في الكونجرس الأمريكي قبل العدوان الأمريكي على أفغانستان، أي بجعل ذلك البلد قاعدة للتخريب والحروب ونهب الثروات ونشر الفتن بأنواعها.

■ أما مكافحة المخدرات فهي عمل لا يمكن إنجازه بدون تعاون إقليمي يقدم حلًا جذريًا للمشكلة. فأمريكا هي المتسبب الأوّل في مشكلة المخدرات كما في مشكلة الإرهاب. لذا فإن الحقيقة التي يدركها العالم ودول الجوار الأفغاني هي أن خروج الاحتلال الأمريكي من أفغانستان هو شرط ضروري لحل مشكلتي الإرهاب والمخدرات، خاصة تصنيع الهيروين وتوزيعه دوليًا، والذي تقوم به قوات الاحتلال من قواعدها الجوية. ومن المعروف دوليًا أن أمريكا بعد احتلالها لأفغانستان رفعت إنتاج الأفيون إلى أكثر من خمسين ضعفًا ممّا كان عليه في عام دخولها الإجرامي إلى هذا البلد.

■ ويمكن تقديم اقتراح لتنفيذه بشكل جماعي من دول المنطقة، وهو مشروع لصناعة دوائية عملاقة تستخدم محصول الأفيون الأفغاني في انتاج الأدوية المحتوية على المسكنات بحيث تكفي احتياجات دول الإقليم ـ وهي دول تحتوي على أكثر من ثلث سكان العالم. فتساهم أفغانستان بأرض لإقامة المشروع، وبمحصول الأفيون اللازم. ودول الإقليم تساهم في التمويل وتقديم الآلات والخبرات الفنية. ويعد ذلك يحظر زراعة أي مساحات إضافية من نبات الخشخاش إلا لتلبية طلبات مصانع دوائية معترف بها في مناطق أخرى من العالم.

■ أما الإرهاب الىاعشي فهو وافد مصطنع حقنه الاحتلال الأمريكي للإضرار بالجهاد وضرب قاعدته الشعبية والفقهية، واستبداله بالفتن الطائفية والعرقية.

والتواجد الداعشي هو جزء من الحضور العسكري لأمريكا وحلف الناتو. وهو يمثل تهديدًا لأفغانستان (لأنه يريد اتخاذها مركزًا دائمًا ومتوسطًا بين الدول المستهدفة). فهو خطر على باقي الدول خاصة إيران وروسيا والصين، وهذا يفرض نوعًا من التعاون لإنهاء تواجد ذلك الخطر ماديًّا.

وبزوال الاحتلال يزول ذلك المرض الخبيث. وأي مجموعات يرسلها الاحتلال سيكون القضاء عليها سهلًا نتيجة لافتقارها إلى البيئة الاجتماعية التي تقبل بذلك الفكر المريض.

 

ويظلّ الخطر الأمريكي مستمرًا:

زوال الاحتلال لا يعني أنّ الولايات المتحدة ستتوقف عن العمل ضد النظام الجديد، وضد الترتيبات الجديدة في الإقليم، لأنّها ترى في ذلك نهاية لدورها في العالم.

والمرجّح أنّ أفغانستان وإمارتها الإسلامية سوف تتصدر قائمة التخريب الأمريكي، كضيفٍ دائم على قائمة “محور الشر” أو “الدول المارقة” أو “الدول الراعية للإرهاب”، التي هي قوائم بأسماء المعارضين لسياسات الهيمنة الأمريكية.

وجود قواعد أمريكية في دول الجوار يشكل خطرًا على استقرار أفغانستان. لهذا يجب التعاون جماعيًا لجعلها منطقة خالية من التواجد العسكري لأمريكا وحلف الناتو وملحقاتهم الداعشية، ومقاومة أي تحالفات أمنية أو عسكرية تقيمها أمريكا مع دول المنطقة.

ومن باب أولى فإن أي اتفاقات عقدتها الحكومات التي أقامها المحتل في كابول يجب اعتبارها لاغية وفي مقدمتها الاتفاقات العسكرية والأمنية ـ أو أي “تعاون” يضع التعليم أو التشريع تحت وصايته وبمرجعيات غير إسلامية.

أمّا أي اتّفاقات اقتصادية مع أطراف أخرى تمت في عهد الاحتلال، خاصة المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية، مثل مشاريع الطاقة والثروات المنجمية، فيعاد النظر فيها وأخذ قرارات بشأنها بما يتناسب مع الطبيعة الإسلامية للنظام، ووفقًا لرؤية لدور أفغانستان في الإقليم والعالم.

ويقع على أفغانستان الإسلامية مسئولية التأسيس لتعليم ديني يتماشى مع تراثها الفقهي الذي هو من نفس النسيج الفقهي لمسلمي آسيا، وأن تخصص له موارد مالية كافية أو وقفًا إسلاميًا قد يكون جزء محددًا من دخل الدولة. فالتراث الديني لتلك المنطقة لم يعرف التطرف الدموي الىاعشي، الذي زرعه في جزيرة العرب الحكم البريطاني للهند.

 

غطرسة الغريق:

” سآوي إلى جبل يعصمني من الماء”، كلمة لابن نبي الله نوح، الذي كفر برسالة ربّه فكابر وهو يغرق زاعمًا أنه سيجد جبلًا يأوي إليه ليعصمه من الغرق. ولكن قضاء الله إذا جاء فإن جبال الدنيا كلها لا تعصم منه كافرًا واحدًا.

القائد العسكري الأمريكي الجديد في أفغانستان اتخذ نفس الموقف، عندما قال في مطلع تسلمه لسلطاته المشئومة، أن بلاده لن تخرج من أفغانستان. تلك الغطرسة لن تعصم بلاده من الغرق في الطوفان الجهادي، وسيغرق جيشه كما غرق الجيش البريطاني ومن بعده السوفيتي. ويفهم المسلمون أن ذلك استدراج من الله لتلك الدولة التي طغت على عباده في الأرض وقالت لهم (أنا ربكم الأعلى). وموعدها مع الانتقام الإلهي الشامل هو موعد لا يخلفه، وتلك سنة في أمم قد خلت فذاقت عذاب الدنيا قبل الآخرة.

 

حشرجة موت الإمبراطورية:

هذا هو تفسير الهياج الأمريكي على كل الجبهات، فهي دولة لا تمتلك غير الحرب والحصار والتهديد، ضد الجميع. ولم تترك لنفسها صديق حول العالم إلا “براميل النفط”، وإسرائيل. ورئيسهم ترامب أضحك العالم على غبائه ورعونته، وهذا لم يحدث قط لأي طاغية من قبل.

التوتّر والحروب يزيد قوة حلفاء ترامب من اليمين المتطرف العنصري وهم جمهوره الإنتخابي. ويزيد من أرباح مجموعات الضغط، المكوّنة من صناعات السلاح والنفط وصهاينة (إيباك) والبنوك اليهودية. وهم قوة التمويل وتصنيع سياسات الدولة الأمريكية في الداخل والخارج.

حلفاء ترامب الانتخابيون، والماليون، يناسبهم تمامًا سياسات حافة الهاوية والمغامرات الصاخبة والتهديد والحصار والقصف. خاصة إذا كان ذلك ضد المسلمين أوّلًا.. ثم ضد روسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا.. إلخ.

■ترامب رأس نظام الإمبراطورية المنهارة، فرض عقوبات اقتصادية على نصف العالم، ويهدّد بالحرب على روسيا والصين. فيهدّد روسيا بحصار بحري كامل، فردت فورًا بأن ذلك غير ممكن بغير الحرب (!!). فهددتها أمريكا مرة أخرى بضرب الصواريخ المجنحة الروسية قصيرة المدى ومتوسطة المدى، داخل الأراضي الروسية نفسها !!.

نفس الشيء مع إيران حين يهددها ترامب بحصار بحري يمنعها من تصدير النفط، فكان ردها مماثلا للرد الروسي، وأنها ستغلق مضيق هرمز في وجه الجميع، وهو تعبير عن خوض الحرب الشاملة.

شعوب آسيا تدرك الآن أهمية جهاد شعب أفغانستان لحماية شعوب القارة من العدوان الأمريكي والإرهاب الداعشي. وأن من حقه الحصول منهم على دعم سياسي وتسليحي. فالتعاون مع شعب أفغانستان في وقت الضيق الحالي سوف يحدد مدى تجاوبه مع أصدقائه في عصر السلام القادم.

أمّا الصين فإن ترامب يَسُوق قطيع حلفائه لإستفزاز الصين عسكريا في بحر الصين، شرقه وجنوبه، في محاولة لسلب الصين حقوقها التاريخية في ذلك البحر، والذي فقدت سيادتها عليه نتيجة لحربي الأفيون الأولى والثانية. وإلى الآن ترفض أمريكا إعادة تلك الحقوق لأصحابها التاريخيين. تمامًا كما ترفض الاعتراف بأن هناك شعبًا عربيًا يمتلك فلسطين، أو أنّ هناك عربًا في المنطقة العربية، أو أنّ في الخليج شعب عربي وليس كما يقول ترامب مزرعة ماشية للحليب والذبح. أو أنّ شعب اليمن له حق في الحياه.. مجرد الحياة.

■ النظام الأمريكي نظام يحتضر وهو آخر السلالات المتوحشة للغرب الإستعماري. وغطرسة الغريق، أو حشرجته المتخبطة، ليست سوى دلائل على زواله القريب. ورصاصة الرحمة سينالها من مجاهدي أفغانستان.

والسؤال ليس هو متى ينسحب الجيش الأمريكي، بل هو كم من جنوده الذين يمكنهم النجاة من أفغانستان؟؟