هزيمة أمريكا في أفغانستان قاب قوسين أو أدنى

محمد أمين

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو رجل خارج عن المألوف ودائم المشاكسة، ظنّ بادئ الأمر بأنّه سيقضي على المجاهدين بالضغط، وبالهجمات والقصف العشوائي، إلا أنه أقر في خطابه الأخير حول افغانستان بأن «الإستراتيجية سوف تتغير بشكل دراماتيكي». ومع ذلك، فإن نظرة فاحصة تشير إلى عكس ذلك تماما. فلم يكشف ترامب عن تغيير جذري في السياسة التي انتهجها سلفه باراك أوباما، بشأن أفغانستان. ويبدو أنّ ترامب كان مهووساً بالإعلان عن تغيير أكثر من القيام بتغيير على أرض الواقع.

فمثل الرؤساء الأميركيين السابقين، يريد ترامب أن يحمل الناس على الاعتقاد أنه سيتصرّف بشكل مختلف عن سلفه. ولنتذكر كيف وعدت إدارة جورج دبليو بوش في أيامها الأولى بأن الجنود الأميركيين لن يقوموا، بعد اليوم، بأعمال الدورية في شوارع البلدان البعيدة. وكيف وعد باراك أوباما في بداية ولايته، بمرحلة من الراحة بعد (عقد من الحروب).
ولكن الأحداث والظروف تفرض كيفية تصرّف أي رئيس أكثر من الوعود الانتخابية. وقد اعترف ترامب بالحقائق ذات الصلة بأفغانستان، فعلى الرغم من رغبته في الانسحاب منها، فإن (القرارات تختلف كثيرًا عندما تجلس في المكتب البيضاوي)، على حدّ تعبيره. وهكذا، أعلن أن القوات الأميركية ستبقى، بل ستتم زيادة عددها.
ولا غرو في أن التعامل مع المسألة الأفغانية يمثّل تحدّيا معقدًا على نحو استثنائي. لقد ارتكبت الأخطاء قبل فترة طويلة من تولّي ترامب المسؤولية. فهذا البلد يعاني من الحروب المستمرة منذ الغزو السوفيتي عام 1979. وقد تم نشر قوات من الدول الغربية منذ 17عامًا تقريبًا لمواجهة جنود الإمارة  الإسلامية. والصراع ليس مجرد جرح مفتوح من المعاناة الإنسانية، بل إنه لا يزال يمثل صداعا على المستوى الإستراتيجي. وحقيقة ان ترامب استمع أخيرًا، إلى نصيحة الجنرالات في فريقه الرئاسي، قد تكشف عن طبيعة مختلفة لإدارة ترامب ما بعد بانون. ولكنها تعكس أيضا، الحجم الحقيقي للمأزق الذي نواجهه هناك.
أفغانستان هي قصة تناقض جذري بين شبكة معقّدة من الحقائق المحلية والبرامج المفرطة في الطموح التي فرضتها الأمم المتحدة في أعقاب 11 سبتمبر 2001. ولم تكن حربنا غير مشروعة، لكنها اتخذت مسارا خاطئا على نحو كارثي.

لقد كان هدف الأول من الحرب الأمريكي بذريعة حرمان الإرهابيين من ملاذ آمن على حدّ تعبيرهم، ثم تحوّل ذلك إلى ائتلاف يضم 40 دولة وبأهداف غير واضحة. واختلطت المخاوف المتعلّقة بالأمن الدولي مع محاولات باهظة الثمن لبناء الدولة الأفغانية. وبدلا من أن يتركوا الأفغان وشأنهم، احتلوا ديارهم ونشر «الناتو» قوات على الأرض على نطاق واسع، حيث أثار الوجود العسكري الأجنبي، العداء القديم تجاه أي قوة احتلال. وقد تم خفض عدد القوات الغربية إلى 12 ألف جندي آنذاك، مقارنة بــــ 140 ألفا، كان قد تم نشرها في عام 2011 في ذروة العملية. ولكن أخطاء الماضي أحدثت فوضى ورثها ترامب، وليس له يدٌ في خلقها.
ولكن تبيّن أن السياسة ستكون في معظمها، هي السياسة السابقة ذاتها. فهل كان هناك بديل حقيقي؟ لقد أعاد أوباما التركيز على جهود على مكافحة الإرهاب وتعزيز قوات الأمن الأفغانية. ولم تفلح محاولات جر حركة طالبان إلى طاولة المفاوضات، كل ذلك ناتجة عن عدم إذعانهم إلى ما يريده المجاهدون.

وبدل أن يذعنوا إلى متطلبات المجاهدين بدأوا بخطةأخرى وهي ممارسة ضغط أكبر على باكستان التي تتهم بإيواء المجاهدين، ومساعدتهم، ولكن هي أوهام بلا جدوى وليس من المحتمل أن تنجح هذه اللعبة.
الرأي العام الأميركي أعيته الحروب، ومع ذلك، فإن ترامب بزعم خاطئ حين يقول إن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تدير ظهرها لأفغانستان، فمن شأن ذلك تهديد الأمن في جنوب آسيا.

وفي بيان الإمارة الإسلامية أفضل اقتراح للأمريكان إن كانوا يعقلون، وجاء في البيان: وبمناسبة اكتمال 17 سنة لهذا الاحتلال الوحشي الغاشم توجه مرة أخرى نداءً للمحتلين بترك بلادنا ووضع نقطة النهاية لاحتلالكم الوحشي، وعدم إراقة دماء الأفغان العزل بوجودكم النتن، وترك الأفغان ليحكموا في مصير بلادهم ومستقبلهم بأنفسهم.

هذا هو السبيل المعقول للحل الحقيقي للقضية والذي قامت الإمارة الإسلامية بلفت انتباهكم له مرارا.

وإلا فإن الشعب الأفغاني المؤمن سيستمر في مبارزته الشرعية تحت قيادة الإمارة الإسلامية حتى إخراج المحتلين كأسلافهم من البلاد وطردهم بالقوة.