الافتتاحية: التوقف عن مقاومة الاحتلال؛ خيانة للإسلام

لا أدري تذكرون أم لا كلام الملاَّ (عبيد الله آخوند) نائب أمير المؤمنين الملا محمد عمر ووزير الدفاع السابق في الحركة، حيث نبَّه على أنَّ طالبان لن تتوقف عن مقاتلة الأمريكان وحلفائهم، وأكَّد أنَّ الهجمات الفدائيَّة ستستمر…

 ومن الأمثال الشعبيَّة الدارجة لدى الأفغان في أفغانستان: (إنَّ البشتوني إذا قال نعم فهو يعني نعم، وإذا قال لا فإنّه لن يتحوَّل عنها) فما ظنُّك وهذا العِرق يرى أنَّ الإسلام هو البديل الصحيح لشتَّى البدائل الأخرى؟

الشعب الأفغاني شعب عتيد وعنيد يأبى الاحتلال، ويرفض الضيم والعتو، ولا يوالي أكثريَّته لمن احتلَّ أرضه، وهذا ما ذكره شكيب أرسلان بقوله عن هذا الشعب: (لا ينام على الثأر، ولا يقبل أن يطأ الأجنبي أرضه ولا يواطئ العدو على استقلال بلاده) حواشي حاضر العالم الإسلامي ـ شكيب أرسلان / صـ200.

ونحن لا ننسى كيف لقَّن المجاهدون الأفغان؛ التتر دروساً في الدفاع عن دينهم وعقيدتهم، بل هزموا جنكيز خان الذي كانت له اليد الطولى في سفك الدماء، واحتلال بلاد الإسلام، وكيف حطَّم الأفغان الاستعمار البريطاني الذي جثم على أرضهم 44 عاماً، وأهان المجاهدون البريطانيين في ثلاث حروب متتالية، وأمَّا الاتحاد السوفييتِّي فقد كان للمجاهدين الأفغان دورٌ كبيرٌ في تفكيكه إلى دويلات، وعدم الاستسلام له خلال حرب دامت أكثر من عشرين عاماً من الزمان، لقِّبت بعدها بلاد الأفغان بأنَّها مقبرة للغزاة.
وهكذا تمضي دورة الأيَّام ويأتي الأمريكان وحلفاؤهم من الصليبيين ليحطِّموا إمارة طالبان ويكسروا شوكتهم ويقضوا عليهم خلال فترة وجيزة، ولكن الأمل الذي كان يحدوهم، انقلب إلى ألم شديد، فقد أيقنوا أنَّ المجاهدين الأفغان كانوا غصَّة في حلوقهم، وحجر عثرة في طريقهم، حيث صمدوا في قتالهم ضدَّ المحتلِّين، وبدأت الأنظار تتلفَّت إلى أعمالهم ومواقفهم بشكل ملحوظ.

ومع تصاعد حدة المواجهات والحرب في أفغانستان، والأنباء القليلة المسرّبة من هناك، فإن انطباعاً عاماً، يؤكد بأن هناك تعثراً ما، وصعوبات جمة، حقيقية، وجدية، تواجهها القوات الأمريكية في تلك الحرب التي بدأت تتجه، فيما يبدو نحو العبث والنسيان. وإذا استعرنا من التاريخ أيضاً، قصصه، وعبره، ودروسه، يتضح لنا بأن هذا البلد كان مقبرة، لثلاث إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ، هي إمبراطورية الاسكندر الأكبر ذي القرنين، والإمبراطورية البريطانية التي “غابت عنها آخر الشموس في الخليج” مع رحيل قواتها من البصرة،، وواحدة من أخرى من أعتى وأقوى الإمبراطوريات عسكرية في التاريخ الحديث، ألا وهي، إمبراطورية الرفاق السوفييت الحمر، التي ارتدت على أعقابها مدحورة من أفغانستان، وكانت تلك الهزيمة العسكرية المجلجلة واحدة، إضافة لعوامل أخرى، ساهمت إلى حد كبير، في سقوط الإمبراطورية الحمراء الأولى، وربما الأخيرة، وبمشيئة الله، في تاريخ بني الإنسان.

لم يكن استعمال أساليب القوة، والقبضة الحديدية، مجدياً عبر التاريخ، والعنف لا يولد إلا العنف، ولكل فعل، فيزيائياً، رد فعل بحجم الفعل. وقوانين الطبيعة، كما هو معروف، هي ذاتها التي تسيطر على قوانين السياسية كما على قوانين علم الاجتماع، والحياة بشكل عام. ومن هنا لا يفهم هذا الإصرار الغربي العنيد على اللجوء العبثي والطائش إلى القوة، لحسم هذا الصراع وغيره، ولا يمكن النظر إليه إلا في سياق أمر واحد، وهو المضي العبثي، قدماً.