arhmunnas

من أخلاق المجاهد: الإخلاص ضرورته وأهميته

أبو طلحة

إن الإخلاص من أهم معالم الدين وعليه مدار الأعمال، فإن كل ما يقوم به المسلم في حياته من الأعمال وما يمارسه من العبادات لا تزن عند الله جناح بعوضة إذا لم يتصف المرء بصفة الإخلاص، قال عز من قائل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(البینة) وقد أكّد الله على الإخلاص في العمل والتوحيد لله تعالى في كل شأن من شؤون الحياة، وأن تكون حياة الإنسان ومماته لله رب العالمين، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. الایه.

ولا شك أن المجاهد أكثر حاجة للتحلي بهذه الصفة من الغير، إذ هو يفتدي بأغلى ما عنده ألا وهو النفس، فإذا لم یتصف بالإخلاص ولم يجاهد لله تعالى بل كان جهاده للشهرة وطلب الجاه والغنيمة، ولم يبغ بجهاده إعلاء كلمة الله فإن جهاده وأعماله تذهب هباء منثورا ولا تكون لها عند الله قيمة ولا وزن.

الإخلاص لغة واصطلاحا:

الإخلاص لغةً: النجاة، أَخْلَص للّه دِينَه أَمْحَضَه وأَخْلَصَ الشيءَ اختاره والمُخْلِص الذي وحّد اللّه تعالى خالصاً ولذلك قيل لسورة قل هو اللّه أَحد سورة الإِخلاص (لسان العرب) قال أبو القاسم القشيري: الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله دون شىء آخر من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.(الرسالة القشیریة 2/359) وقال أبو عَلِيّ الدقاق: الإخلاص التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك و( الصدق) هو التنقي من مطالعة النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا الصدق إلا بالإخلاص، ولا يتمان إلا بالصبر. (الرسالة القشیریة 2/359) وقال الجنيد: الإخلاص سر بين الله والعبد، لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.

الأحاديث الواردة في الإخلاص:

وقد جاء في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تأكيدات كثيرة على التحلي بهذه الصفة، وكتب الحديث طافحة بأمثال الأحاديث التي تؤكد على الاتصاف بالإخلاص، نذكر هنا نبذا من الأحاديث النبوية.

1 ـ عن عمر بن االخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه [مُتَّفَقٌ عَلَيه].

2 ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أوّل الناس يُقضى عليه يوم القيامة: رجلٌ استُشْهِد، فأُتي به، فَعَرّفَهُ نعمته عليه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليُقال جريء، فقد قيل. ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجههِ حتى أُلقيَ في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فَعَرّفه نِعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيه؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلّمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجلٌ وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتي به، فعرّفه نعمه فعَرَفها. قال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفَق فيها إلا أنفقت. قال: كذبت. ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل. ثمّ أُمر به فسُحب على وجهه حتّى أُلقيَ في النار “.

3 ـ وعن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”

4 ـ وعن أبي أمامة الباهليّ – رضي اللّه عنه – قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذّكر، ما له؟. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “لا شي ء له”. فأعاد ثلاث مرّات. يقول له رسول اللّه – صلّى اللّه عليه وسلّم -: “لا شي ء له”. ثمّ قال: “إنّ اللّه لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه”) رواه النسائى

5ـ وعن أبی هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

علامات الإخلاص:

ومن علامات الإخلاص أن الإنسان لا يغتر بأعماله فكل ما يمارسه من الأعمال يراه فضلا من الله فيشكره، ويزيده الله توفيقا وحرصا في أعمال الخير. ومن علامات الإخلاص أن يستوي المدح والذم من الناس عنده فلا يفرح ولا يحزن بمدح ولا بذم، ويقول ذو النون: ثَلاث من علامات الإخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال فِي الأعمال ونسيان اقتضاء ثواب العمل فِي الآخرة.

كيف نتحلى بصفة الإخلاص:

ولا شك أن كل أحد يريد أن تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى، ولكن قد تشوب الأعمال شائبة الرياء من حيث لا يشعر الإنسان، إذن ينبغي لمن يريد أن يتزين بالإخلاص في أعمال وجهاده أن يتحرى الطرق التي يمكن من خلالها أن يتصف بها الإنسان بالإخلاص.

إن أول ما يجب على المسلم أن يقوم به هو أن يطهر نفسه من الغل والحقد والحسد التي تحبط الأعمال وتؤدي إلى الرياء والسمعة وقد جاء في الحديث النبوي:: “ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ”

ومما يعين على الإخلاص أن يصحب الإنسان الصالحين، ويأتسي بهم ويجالسهم ويلازمهم فإن صحبة الصالحين المخلصين الذي وهبوا حياتهم لله تعالى يترك أثرا كبيرا في تغيير مجرى الحياة والتحلية بالإخلاص.

ومما يعين على الإخلاص التحلي بالتقوى، فإن التقوى هو الباعث على الخير والدافع للأعمال الصالة والراجز عن الأعمال السيئة ورذائل الأخلاق. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم:أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق.

ومما يعين على الإخلاص كثرة الدعاء والتضرع والتواضع أمام الآخرين فإن الدعاء يغير التقدير ويعين الإنسان على الاتصاف بالأخلاق الحسنة المرضية.

ومما يعين على الإخلاص أن يجتهد الإنسان لتحسين أعماله لا لتكثيرها، قال تعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا. الآية. فمدار القبول عند الله هو الكيفية وحسن العمل لا الكيفية وكثرة العمل. فالله تعالى غني عن الأعمال إنما يقبل من العبد الذي يخلصه في العبادة لا العبد الذي يكثر في العبادة وفي أعمال الخير ولا يتحلى بالإخلاص.

فليعلم المجاهد المرابط الذي يدافع عن كيان الإنسان ويفدي بأغلى ما عنده أن أهم شيئ بالنسبة له هو الإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى فالله تعالى ينظر إلى قلب الإنسان ويقبل من المخلص ولا ينظر إلى أعماله وكثرة جهاده. قليل الجهاد مع الإخلاص خير من كثير الجهاد مع الرياء والسمعة والشهرة وابتغاء جمع الأموال والغنائم.