أحسنتم یا أبطال شوراب

غلام الله هلمندي

 

أحسنتم یا أبطال شوراب! سلمت أیدیکم یا أبطال التاریخ! سلام من صمیم القلب علیکم یا أبطال الإسلام! سلام علیکم یا قرة عین کل مسلم! لله درکم وعلی الله أجرکم فقد أقررتم عیون المسلمین وأخذتم ثأر الأرامل والثکالی والیتامی وحاسبتم «مجرمي التاریخ» و«ذئاب العصر»؛ عبّاد الصلیب وأعوانهم! کم سُرِرنا وکم سرر المسلمون وکم سرر المستضعفون! هذا ما لا یعلم مداه إلا الله العلیم الخبیر.

إن شهداء شوراب العظماء المغاویر حقّقوا نجاحًا منقطع النظیر وبطولة قلما تجد لها مثیلا في تاریخ البطولات والتضحیات، ولا أقل في تاریخ العملیات الاستشهادیة‌، وسجلوا فخارًا کبیرًا وشرفًا عظیمًا في تاریخ البلاد.

إنهم لقنوا المحتلین درسًا لن ینسوه أبدًا بإذن الله وأرسلوا إلیهم رسالة عملیة لا کتابیة، رسالة الخوف ورسالة الذبح، وأثبتوا أن لیس هناك فرق بین قولهم وعملهم، قولهم هو عملهم بالذات، أثبتوا أنهم رجال العمل لا رجال التهدید والادّعاء فحسب.

هؤلاء أثبتوا أن لیس في أرض الأفغان مکان آمن للصلیبیین بعد الیوم، إمّا الذبح وإمّا الاستسلام. هؤلاء هم «أبابیل العصر» یهجمون علی کل جبار یلعب بشعائر الله ومقدسات الإسلام، وینتهك حرمات المسلمین.

عملیات شوراب المبارکة أثبتت بأن الإسلام دیانة حیة، لا یزال یستطیع أن یکوّن فدائیین وأن یصنع أبطالا لأجل الدفاع عن مقدسات الإسلام وعن أعراض المسلمین ودمائهم وأموالهم. الإسلام هو الدیانة الوحیدة التي تستطیع أن تکوّن أبطالا کهؤلا، أبطالا من جنس الألماس، بل أبطالا من جنس الملك.

تختنق الکلمات في حلقي عندما أنطق بکلمة شهداء شوراب، وعندما أتحدث عن بطولاتهم وتضحیاتهم، ویرتعش القلم بین الأصابع حینما أکتب عن مدی إیمانهم بالله ورسوله والیوم الآخر ومدی إخلاصهم في سبیل إعلاء کلمة الإسلام وتحریر الوطن! فإن الاستشهادیین أقوی الناس إیمانًا وإخلاصًا، کأنهم شاهدوا الجنة بأم أعینهم والتقوا بالحور العین وجها لوجه.

إن الاستشهادیین قد بلغوا من الإیمان مبلغًا لا یقدر الإنسان أن یقیسه بمقیاس مادّي بشري وقد وصلوا من الیقین مکانًا لا یمکن أن یحلّله الإنسان بموازین مادّیة دنیویة، إنهم یقومون بأعمال لا یستطیع الأشخاص المادیون أن یهضموها. فإن ما یقوم به الاستشهادیون من أعمال جلیلة وتضحیات ضخیمة، لا یمکن أن یتصورها الإنسان المادّي إلا في عالم الخیال والوهم.

إن عظماءنا رحلوا. (الله یرحمهم ویغفرلهم ویتقبلهم) رحلوا جسدیّا وبقوا فکریّا. ذهبت أجسادهم وتلاشت عظامهم، وحییت أفکارهم وخلدت عقیدتهم. انتثرت أشلاؤهم وبقیت أعمالهم. هکذا یکون کل شهید.‌ یرحل جسدیّا ویحیا فکریّا، یرحل بنفسه من هذه الحیاة الدنیا وتبقی فکرته ومسیرته وعقیدته؛ ما أحسن ما قال الشهید عبد الله عزام: « إن كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراساً من الشموع ، فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين الأحياء ، كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي فعاشت بين الأحياء ، والأحياء لا يتبنون الأموات.» إنهم أناس من جنس الألماس. إنهم تیجان الأمة بلا منازع. إنهم یعیشون في الدنیا؛ کأنّهم لیسوا من أهل الدنیا.

إنهم أحفاد براء بن مالك الأنصاري، ذلك المغوار المقدام الباسل الذي قام بعمل جلیل خلّده التاریخ، عندما تحصن بنو حنیفة في قلعتهم وأخذوا یرمون المسلمین من أعلی الجدران، تقدم هذا البطل وقام بغامرة بطولیة تاریخیة تقدم وقال: يا قوم ضعوني على ترس، وارفعوا الترس على الرماح، ثم اقذفوني إلیهم قريبا من باب القلعة، فإما أن ألقى الله، وإما أن أفتح لكم الباب، جلس البراء بن مالك على ترس، فقد كان ضئيل الجسم نحيل البدن، ورفعته عشرات الرماح فألقته في «حديقة الموت» بين الآلاف المؤلفة من جنود مسيلمة، فنزل عليهم نزول الصقر، وما زال يجالدهم أمام باب القلعة، حتى قتل عشرة منهم وفتح الباب، وبه بضعة وثمانون جرحاً من بين رمية بسهم أو ضربة بسيف، فتدفق المسلمون بالفور إلی «حديقة الموت»، من حيطانها وأبوابها، وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين، حتى قتلوا منهم قريباً من عشرين ألفاً، ووصلوا إلى مسيلمة فأردوه صريعاً.

إن الاستشهادیین هم أبطال التاریخ وشرف الزمان، هم الذین یسطّرون التاریخ بدمائهم ویبنون مبنی الإسلام بجماجمهم وأشلائهم.‌ إنهم یذهبون ویبقی بعدهم أمة بأکملها، إنهم یموتون (أستغفر الله بل هم أحیاء عند ربّهم یرزقون) یموتون في الظاهر وتحیا بعدهم أمة بأسرها، أمة تسیر علی الخارطة التي رسموها بدمائهم وتعیش تحت مبنی بنوه بأشلائهم المتناثرة وجماجمهم المتکسّرة، کل أحد یموت یوم مماته إلا الشهید فإنه یولد یوم مماته من جدید ویتطرق إلی الخلود.

الاستشهادیون هم عنوان کل نصر وهم سرّ کلّ نجاح وهم أیقونة کل معرکة ورمز کل إیثار وبطل کل بطولة. في الحقیقة هؤلاء هم الذین هزموا الأمریکان وسحبوهم إلی طاولة المفاوضات رغم أنوفهم، هؤلاء هم الذین فتحوا أبواب النصر المبین، والفتح القریب.

إنهم بلغوا إلی درجة الأستاذیة، فقد علّموا المسلمین درس التضحیة والإباء، درس الصمود والوفاء، درس الصدق والإخاء. هذه دروس یجب أن تکتب بماء الذهب؛ لأنها ألقیت بشیء أغلی من ماء الذهب، ألا وهو دم الشهید، أغلی شیء في الدنیا مطلقا، دم الشهید لا یقوم بأي ثمن. إنهم أغلی من کل ثمین وأثمن من کل غال في قائمة ثروات «الإمارة الإسلامیة» إنهم أقوی من کل سلاح في قائمة الأسلحة قدیمها وحدیثها.

فیا عجبا لهؤلاء فإنهم یطلبون شیئا یخافه الآخرون، بل ینتظرون لهذا الیوم الذي سیقضون فیه نحبه ویطیرون سرورا ویفرحون فرحا لیس فوقه فرح، لعلکم شاهدتم مناظر وداع الاستشهادیین في الفیدیوهات، وفرحهم هذا لا یقاس بمقیاس مادّي ولا یشبه أي فرح من جنس الأفراح الدنیویة، کل أعمالهم عجیبة وکل تصرفاتهم تختلف تماما عن تصرفات الناس العادیین، نعم هناك فرق في کل شیء، حتی وَداع الاستشهادي أحبابَه یختلف کثیرا عن الوداعات التافهة العادیة التي یقوم بها ناس آخرون. وداع الاستشهادي لیس معناه أنه یسافر لمدة ثم یعود بعد مدة. عندما ودّع الاستشهادي أحبابه یعلم أنه ذاهب بلا رجعة، ذاهب إلی الأبدیة، إنه یروح إلی المعالي، إنه یذهب في طلب الموت، الشیء الذي یفرّ منه کل أحد.

وأخیرا یجب أن نعلم أنّ لدماء الإستشهادیین الطاهرة الزکیة حقا في أعناقنا نحن وفي أعناق الأجیال المتعاقبة، یجب أن لا ننساهم ونحیيَ ذکراهم ونسلك مسیرتهم ونتابع دربهم وننهج منهجم ونجاهد في سبیل تحقیق آمالهم وأحلامهم.