جلال الدين حقاني.. العالم الفقية والمجاهد المجدد (7)

أ. مصطفى حامد المصري

 

– أوّل إذاعة متنقلة تستقر في جاور، التي تحولت إلى أهم القواعد الخلفية للمجاهدين.

– كنا مجموعة استطلاع مُهْمِلَة، وكاد العدو أن يطلق علينا النار ولكن الجنود رفضوا.

– طائرات الهيليكوبتر تطاردنا بين الصخور والأعشاب لعدة ساعات، وحقاني يثور على أطقم الدوشيكا الذين فروا من أمام الطائرات.

– حقاني يستخدم بنفسه قاذف RPG7 ضد الطائرات، فأصبح استخدام أسلوب”الأرجُل المُلْهَمَة” محظورا علينا.

– التحدي والمجابهة العنيفة هي بصمة حقاني العسكرية.

 

جاور.. بداية الأسطورة

في يوم قائظ من صيف عام 1982 كنا نعبر منطقة للقبائل الحدودية، حيث تحركت بنا سيارة (سوزوكي) صغيرة عبر الحدود من معبر (صدقي). كان رشيد إلى جانبي والضابط عمر يقود السيارة وخلفنا خمسة من المجاهدين والجميع وجهتهم (جاور)… (جاور) ذلك الاسم الذي سمعته لأول مرة وبالطبع لم يدر بخلدي أنه ستكون له في السنوات القادمة تلك الأهمية الهائلة. أما الضابط عمر، فهو شاب من قبيلة زدران التحق بالمجاهدين وأصبح من رجال حقاني المقربين. بدأ حياته العملية معه مسئولا عن (جاور).

كان رشيد يرى أن جاور مهمة ولكنه ما كان يثق كثيرا في كفاءة عمر. وفي السنوات اللاحقة أصبح الضابط الشاب عمر مسئولا عن (الاستطلاع) وجمع المعلومات لدى حقاني. كما أشرف لفترة على بعض الأعمال الإعلامية كان أولها محطة الإذاعة المتنقلة. وكنا في الطرق كي نشاهدها في جاور. ويبدو أن مهمة جاور الأساسية في ذلك الوقت أن تكون مستقرا لتلك الإذاعة وتوفر لها الحماية من الطيران أو تخريب جواسيس العدو. أما مهام جاور كقاعدة خلفية فلم تكن واضحة كثيرا في ذلك الوقت، ولكنها نبتت وازدهرات بالتدريج كواحدة من أهم القواعد الخلفية للمجاهدين، ربما على نطاق أفغانستان كلها. ودارت فوقها واحدة من أعنف معارك السوفييت في تلك الحرب وربما أعنفها على الإطلاق، وذلك بعد حوالي أربع سنوات من زيارتي الأولى لها أي عام 1986م. كانت جاور في خطوتها الأولى عبارة عن خيمة واحدة فوق ربوة مشجرة، وعربة للإذاعة مختفية بين الصخور والشجيرات، وعدد من العمال منهمكين في تهيئة حفرة في الهضبة الترابية لإخفاء عربة الإذاعة التي لم يكن قد مضى على عملها سوى أيام وتقصفها الطائرات على غير هدى، حتى ساعدتها المضادات الجوية في تحديد الموقع بدقة، فبدأت الطائرات تحدد هدفها بسهولة نسبيا. كانت تلك المضادات في ذلك الوقت عبارة عن مدفع واحد زيكوياك عيار 14.5 مم، أما الإذاعة فكانت تبث برامج معدة سلفا ومسجلة في مدينة ميرانشاه، وذلك بعد العصر ولمدة نصف ساعة. أخبرني حقاني وقتها أن حكومة باكستان قد سلمت المجاهدين أربعة أو خمسة محطات إذاعية متنقلة، كانت محطة جاور واحدة منها. تذكرت محاولتنا الفاشلة في الحصول على محطة إذاعة من الشارقة منذ ثلاث سنوات. كنا في ذلك الوقت نتوقع تأثيرا دراميتكيا للإذاعة، وأنها ستقود إلى ثورة عامة عندما يعلم الشعب بانتصارات المجاهدين. الآن هناك خمسة إذاعات على الأقل ولم نحصل على تلك النتيجة التي نتصورها. فهل كان تصورنا الأول على خطأ؟

أظنه كان به كمية من المبالغة ولكنه لم يكن على خطأ كامل. فالمجاهدون في عامهم الأول، قبل المساندة الدولية, كان لهم تأثير أسطوري على النفوس. ولكنني اكتشفتُ متأخرًا ـ كالعادة ـ أن بريق المجاهدين يخبوعندما تزداد المساندة الخارجية لهم خاصة من أطراف يكرهها الشعب تقليديا. فباكستان ليست من الدول المحبوبة لدى الأفغان بل أنها عدو تقليدي منذ الاحتلال البريطاني للهند. كذلك أمريكا والغرب كانوا مكروهين مثل الروس أو أكثر.

وهكذا وجدت الدعاية الشيوعية المضادة تفهما ولو محدودا من الشعب الأفغاني ولولا المساندة العربية ـ خاصة المتطوعين العرب ـ لفقد المجاهدون في أفغانستان مصداقيتهم.

التواجد العربي في أفغانستان كان أكثر أهمية من أي سلاح عسكري أو أموال لأنه تواجد يتصل بصميم وجوهر الصدام، ألا وهو الجانب العقائدي والنفسي. لهذا كانت الحملة الصليبية رهيبة ضد هؤلاء المتطوعين العرب.

وكما هو معلوم دور أميركا في قيادة هذه الحملة ودور الأنظمة العربية في خوض غمار الحرب ضد من أسموهم (بالأفغان العرب) بدلا من (المجاهدين العرب) أو (الأبطال العرب).

ما هي إلا أيام قليلة حتى تحركنا في مجموعة من عشرين مجاهدا بقيادة رشيد في مهمة استطلاع استغرقت يوما واحدا من المسير الشاق. شمل الاستطلاع منطقتين، الأولى منطقة (دراجي) في الشمال الغربي من جاور والأخرى منطقة (ليجاه) في الشمال الشرقي منها. بعد يومين من الرحلة فر ثلاثة جنود من حصن (ليجاه) وأفادوا بأنهم قد رأونا أثناء عملية الاستطلاع، ووصفوا أفراد المجموعة بأن أحدهم كان يرتدي طاقية بيضاء(رشيد) وآخر كان يلتقط الصور الفوتوغرافية (كاتب هذه السطور).وأفادوا أيضا بأن ضابط الموقع طالبهم بإطلاق نيران الرشاش الثقيل على هذه المجموعة.

ولكنهم ـ أي الجنود الثلاثة ـ جادلوه في ذلك لأن المجموعة (أي نحن) إنما هي مجموعة مسالمة(!!) من عابري السبيل (!!).

شعرت بالخجل وقتها من حالتنا كمجموعة استطلاع مهملة. ولكنني رأيت دوريات کثيرة أسوأ حالا من حالتنا تلك. على أية حال كان الاستطلاع على حصن (دراجي) جيدا ربما لأنه تم أثناء النهار. وتم عن مسافة قريبة. أما عند (ليجاه) فقد كنا في جبل مرتفع عن مستوى الحصن الحكومي (البوسطة).

ولم نكن قريبين بما فيه الكفاية لذا انتابتنا حالة من الإهمال والتسيب. ومع هذا فإن ظهورنا قرب ليجاه كان حدثا غريبا على حاميتها التي كان تعيش في هدوء منذ مدة طويلة. وكان ذلك حقا نذير شؤم عليهم. أثار ذلك شجون الجنود، أو أثار خوفهم فهربوا وأدلوا بمعلومات كانت كافية كي يأخذ مولوي جلال الدين حقاني قرارا بغزو ليجاه. بعد عدة أيام تحركت مع مجموعة برئاسة رشيد مع مدفع هاون وسط (82 مم) لمناوشة الحصن، والبقاء هناك كطليعة لقوات الغزو التي سوف يحشدها حقاني. كنا في منتصف فصل الصيف وتم فتح حصن ليجاه مع نهاية الخريف، وتقهقر العدو تاركا جبال ليجاه تمامًا وبذلك سيطر المجاهدون على الممرّ الذي كانت تغلقه تلك البوسطة (الثكنة) الحكومية في نهاية السلسلة الجبلية. ولكن القوات الحكومية اتخذت موقعا في الوادي على بعد عدة كيلومترات من مدخل الممر. وعلى المدى الطويل اتخذ حقاني ذلك الأسلوب التدريجي البطيء حتى توصل إلى فتح خوست عام 1991م.

كانت استراتيجة مناسبة تمامًا ـ كما أثبتت التجربة ـ للواقع العسكري والسياسي والاجتماعي للمنطقة.

كانت عمليات المجاهدين تدفع القوات الحكومية بالتدريج نحو الوادي تاركين الجبال تحت سيطرة المجاهدين، وبعدها بدأت المعارك في الوادي نفسه. وهي بالطبع أكثر صعوبة بالنسبة للمجاهدين، الذي اتبعوا نفس الأسلوب البطيء في القضم التدريجي وإنقاص الأرض من أطرافها. إن معركة دابجي التي أشرنا إليها أنهت سيطرة الحكومة على منفذ حدودي مع باكستان في نقطة تبعد حوالي أربعين كيلومترا عن مركز خوست وأتاح ذلك إمكانية أفضل للإمداد بالنسبة للمجاهدين. أما في ليجاه فإن سيطرة المجاهدين على جبالها فقد أتاح لهم إمكانية أفضل للتسرب إلى داخل الوادي والوصول إلى المراكز الإدارية والقيادية هناك.

 

وذلك السبب وراء الحملات العسكرية العنيفة التي قام بها السوفييت لإستعادة زمام الأمور وفرض توازن جديد في مصلحة القوات الشيوعية. وكانت أقوى تلك الحملات في أعوام 1983، 1985، 1986م. والأخيرة كانت من أشد ما شهدته أفغانستان من معارك حتى ذلك الوقت. كانت رحلتنا الاستطلاعية أول تدشين لنشاطات جاور. كما كانت عملية ليجاه أول حملة عسكرية تقوم بها جاور فيها بدور قاعدة الانطلاق والتموين والإدارة. وانتهى ذلك الدور بإسقاط مدينة خوست الذي أدى مباشرة إلى انهيار كابل ونظامها الشيوعي بعد عام واحد من فتح خوست. كان لمجموعتنا غارة يومية على حصن (ليجاه) وتتابع وصول الإمدادات، فأصبح لدينا مدفعي دوشكا يعملان على التلال بهدف الحماية من غارات الطيران. وتزايد تدريجيا عدد المجاهدين واقترب مدفع الدوشكا أكثر حتى صار في مقدوره إصابة جنود الحكومة في الحصن وقد ضايقهم ذلك كثيرا. ولم تفد مدفعية الحكومة ولا غارات الطائرات النفاثة في تحسين وضع حامية الحصن. وتتابع ضغط المجاهدين وغارات الهاون المؤثرة. وزادت الإصابات في صفوف الجنود بينما لم نصب نحن بأية خسائر حتى ذلك الوقت. وتطور الأمر في أحد الأيام فوصلت عدة مصفحات إلى الحصن نقلت الجنود إلى الخلف. وخيل إلينا أن المعركة قد انتهت. كنا خمسة أشخاص تقدمنا، نحو الحصن في حرص شديد لسببين:

 

الأول: عدم تأكدنا بأن كل الجنود قد رحلوا.

والثاني: خوفنا من حقول الألغام التي نشرها العدو في المنطقة كلها ـ وليس فقط حول الحصن ـ. وأثار ذلك الذعر في صفوفنا. وما أن وصلنا إلى مسافة مائة متر من الحصن حتى أزت رصاصة فوق رؤوسنا. تصورنا أن أحد المجاهدين قد أطلقها لأننا لم نشاهد أية حركة في الحصن. ولكن تتابع الرصاص نبهنا إلى أن مصدره جاء من الحصن فاتخذنا سواتر قريبة وبدأنا في تبادل النيران. كان معنا الضابط كمال وهو ضابط شاب رأيته لأول مرة في ليجاه كان هادئا للغاية، وعنيدا لدرجة كبيرة. كان يحمل على كتفه مدفعا عديم الإرتداد بينما يحمل مساعده عدة قذائف فبدأ على الفور في الرماية على الحصن، فانقطعت الرماية منه تماما. كان واضحا أن الاستيلاء على الحصن مسألة غاية في البساطة فلا أحد هناك غير ثلاثة جنود كما قدرنا ذلك من الرمايات ـ ولكن المشكلة كانت الألغام. لقد توقف زحف المجاهدين عدة أيام وهم يحاولون فتح ثغرة للنفاذ إلى الحصن. وكانت فترة كافية جهزت الحكومة فيها قواتها وجابهتنا فيها بهجوم مضاد شديد كان أسوأ ما فيه طائرات الهيلوكبتر.

 

مرة أخرى أواجه محنة الهيلوكبتر بعد معركة دارا في العام الماضي. لم تكن محنة ليجاه بنفس الشدة ولكنها دامت لفترة أطول. فقد تمكنت الطائرات وأظنها لا تقل عن ست طائرات من إسكات مدفعي الدوشكا. لم تصب المدافع ولكن الأطقم لم تستطع الثبات أمام الصواريخ التي صبتها الطائرات فوق رؤوسهم. أصبح معسكرنا بلا دفاع جوي. وصمتت النيران من جانبنا تماما, وتفرغنا عدة ساعات للجري في الشعاب والوديان وبين الشجيرات بينما الطائرات الستة تلاحقنا بالنيران من نقطة إلى أخرى. كنا أشبه بسرب من الجرذان تطارده ستة من القطط المتوحشة. وقرب العصر انتهت المعركة غير المتكافئة. وقد تقطعت أنفاسنا، وهبطت معنوياتنا بسبب عجزنا المهين أمام الطائرات. لم يمنع ذلك ظهور حالة من المرح و”التبريكات” بين المجاهدين، كانت مفاجأة سارة لنا ألا نجد أية خسائر في معسكرنا سواء في الأفراد أوالمعدات.

لهذا قضينا ليلة مرحة حول أكواب الشاي الأخضرالذي لم أستمتع به تماما لكونه خال من السُكّر.

وصلت التعزيزات إلى حصن ليجاه ودبت فيه الحياة مرة أخرى واستدعى الأمر استمرار المعركة عدة أشهر أخرى حتى تم الاستيلاء التام عليه. ويمكن إرجاع السبب الأساسي إلى الألغام وكانت تلك الموقعة أول معايشة عملية بالنسبة لي لخطورة الألغام. وقد كانت أفغانستان حالة لم تتكررسابقا في تاريخ الحروب بالنسبة لبشاعة استخدام الألغام إلى حد فاق أي حاجة عسكرية حقيقية.

 

أما الهيلوكبتر وكان ذلك هو لقائي الثاني معها، فقد زاد احترامي لها كسلاح فعال، وزادت قناعتي أيضا بإمكان التغلب عليها وأنها مشكلة تتعلق بمتانة الأعصاب قبل أي شيء آخر. واقتنعت بأن تأثيرها محدود جدا على مسيرة العمليات، خاصة إذا كانت تضاريس الأرض تماثل تلك التي كنا نقاتل عليها في باكتيا. أرض صخرية وعرة كثيرة الأشجار.

في مثل تلك الأرض لايحتاج المجاهد لأكثر من قدمين تجيدان إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وجدت ذلك الحل الأمثل ورأيته أفضل حتى من استخدام الصواريخ المحمولة علی الكتف. وما زلت على قناعة بأن الإقدام المدربة أفضل ألف مرة من(ستنجر) الأمريكي. أما الرشاشات الثقيلة فهي كارثة حقيقية على مستخدميها خاصة في مواجهة الهيلوكبتر.

وهكذا كانت نصائحنا لإخواننا المجاهدين في طاجيكستان عندما لمسنا ذعرهم من الطيران وبحثهم الملهوف عن بقايا صواريخ (ستنجر) التي كانت أمريكا تسابق الزمن في سبيل جمعها من أفغانستان. وبالفعل استطاع المجاهدون الطاجيك مجابهة الطيران بنجاح أكثر هذا العام (1994م) رغم عدم وجود(ستنجر) لديهم مع وجود عدد محدود جدا من صواريخ “سام7” الروسية، فقد تفادوا تأثير الطيران، وأسقطوا عددا محدودا جدا من الهيلوكبتر كانت واحدة أو اثنتان منهما بواسطة “سام7” ذلك الصاروخ الأحمق.(فمنذ حادثة دارا وأنا أشعر بكراهية شخصية تجاهه). لقد أدرك إخواننا الطاجيك أن الاستخدام الجيد لطبيعة الأرض هو خير سلاح في مواجهة الطيران خاصة في مراحل الجهاد الأولى وغياب التدريب الجيد على الرشاشات الثقيلة وعدم توافر الصواريخ المناسبة.

ولا يمكن إنكار أن صاروخ (ستنجر) كان فعالا في مواجهة الهيلوكبتر بشكل خاص، حتى أن تأثيرها تقهقر كثيرا منذ ظهوره. ويجب ملاحظة أن الرادع المعنوي لأي سلاح أكبر بكثير من قيمته العملية. لهذا فبغَضْ النظر عن نسبة الإصابة التي حققها الصاروخ المذكور ولكن الهالة الدعائية حوله كانت أكبر بكثير من تأثيره العملي. وقد تأثر العدو كثيرا بتلك الدعاية وانهارت قيمة الهيلوكبتر إلى درجة كبيرة. أما الطائرات النفاثة فقد ضاع جزء من فعاليتها لاضطرارها إلى الارتفاع أكثر من مدى الصاروخ (6 كم تقريبا). أما نسبة الإصابة العالية التي روجها الإعلام الأمريكي فقد كانت محض تهويل ولم تكن أكثر من دعاية لترويج السلاح في السوق الدولية إضافة إلى التأثير السياسي لتلك الدعاية. أما الرشاشات الثقيلة فقليلا ما استخدمت بشكل جيد في أفغانستان فهي تحتاج إلى طاقم على درجة عالية من التدريب. كما لا بد لها من الاستخدام الجماعي لتلك الأسلحة، وما يستدعيه ذلك من كمية ضخمة من الذخائر، وهذا شرط صعب أيضا. يضاف إليه صعوبة المناورة بتحريك تلك الأسلحة وذلك يجعلها هدفا ثابتا للطيران.

 

حقاني يثور على أطقم الدوشكا:

يستجيب مولوي جلال الدين بسهولة للتحدي. لم يكن من السهل بالنسبة له أن يقبل ما فعله الطيران بنا. فوجه تأنيبا شديدا لأطقم الدشكا. وأتبع ذلك بإجراءات عملية أخرى، فأحضر واحدا من صواريخ سام7 وسلمه إلى الضابط كمال، وأحضر مدفعا من طراز زيكوياك (5, 14مم) ووضعه على جبل مرتفع خلف مواقعنا، وأحضر عددا من قواذف “آر بي جي” المضاد للدروع وأمر رجاله بإستخدامها ضد الهيلوكبتر وأيضا ضد النفاثات. لم يكتف حقاني بكل ذلك بل سلح نفسه بواحدة من تلك القواذف، وكان يصعد بنفسه إلى أقرب قمة إليه عندما يسمع صوت الطيران قادما، وكان يرمي على الطائرات بنفسه. ذكل تلك الإجراءات مجتمعة هي نموذج مثالي لروح التحدي والمواجهة العنيفة التي يتميز بها أسلوب حقاني في العمل العسكري. ويمكن القول أنها (بصمته العسكرية). لقد فهم الرجال أن التراجع أمام الطيران ممنوع وأن الإستخدام (المُلْهَم) للأرجل غير مسموح به بعد الآن. شعر العدو بقوة موقعنا فتحولنا تلقائيا إلى هدف هام. وحرمنا ذلك من النوم والراحة وصرنا عرضة دائما للقصف المدفعي والغارات الجوية التي زادت حدتها بعدما رأت قوة النيران الصاعدة إليها. وبسرعة عزز العدو مواقعه حول حصن ليجاه وبدأت المواقع القريبة منه والقواعد الرئيسية داخل المدينة تقدم دعما مدفعيا للحصن. لقد وجدنا أنفسنا فجأة وسط الجحيم، بينما برنامجنا الهجومي قد تجمد بسبب الألغام. في حين تحول همنا الأول هو الدفاع عن أنفسنا ومركزنا. هذا التحول أدى إلي نشوب خلاف بين رشيد وحقاني لم يجتمعا بعده أبدا.

غادر رشيد الموقع ومن يومها لم أقابله في الجبهات. توافد عدد كبير من المجاهدين إلى المنطقة بعدما أصبح متوقعا أن تهاجم القوات الحكومية مراكز المجاهدين. ووصل إلينا مدفع جبلي عيار 76مم فأصبحت نيران مدفعينا تصل إلى أبعد من الحصن نفسه وتطال طوابير التعزيزات قبل أن تصل إليه. لم أكن أيضا سعيدا بكل تلك التطورات، كان الطيران وحده كافيا للنيل من معنوياتي. فحتى شاي الصباح لم يعد ممكنا تناوله باسترخاء، والليل مليء بالتوتر والاستنفار وقذائف المدفعية الثقيلة التي تأتينا من عمق الوادي. كان برنامجنا المدفعي ناجحا على الحصن فقط ومنعدم التأثير على عمق العدو. والصمود أمام الطيران بلا مضادات كافية أصابنا بخسائر بشرية ومادية ولم يؤثر بشيء على الطيران طوال فترة تواجدي.

كان المطلوب هو الثبات على هذا الوضع حتى تنتهي جلسات الشورى الميدانية التي بدأت تنهال. فلم يكن قد تقرر شيء نهائي عن البرنامج ولاعن المجموعات التي سوف تشارك فيه.

بعض الاجتماعات جرت في جاورخلفنا بمسافة عشرة كيلومترات مليئة بالجبال الوعرة، وبعض الاجتماعات جرى في مواقعنا التي لم يكن بها خندق واحد حتى تلك اللحظة. انتهت مشاركتي في معركة ليجاه عند تلك النقطة. ولكن التطورات استمرات نحو شهرين أو أكثر، انتهت باستيلاء المجاهدين على الحصن والوقوف على أعتاب الوادي الفسيح ودفع العدو عدة كيلومترات داخل الوادي وحرمانه من جبال المنطقة المنيعة. كان نصرا رائعا، جعل غرب الوادي في وضع خطر. فمدخل وادي ليجاه يتيح الوصول إلى منطقة الغرب كلها ويجعل العمليات ممكنة ضد عدد كبير من تلك المواقع.

بل أن موقع القيادة الرئيسي لغرب الوادي، وهو حصن دراجي حيث الإدارة والقيادة للمنطقة الغربية، أصبح مهددا.

وبالفعل تم الاستيلاء على دراجي بواسطة قوات حقاني المتحركة من ليجاه ولكن بعد 8 سنوات كاملة من معركة ليجاه الأولى التي نَصِفْ بداياتها هنا. وليس المقصود هو ذكر تفاصيل تلك المعارك، بل فقط ذكر بعض المعالم التي توضح الصورة العامة، وما يساعد قارئنا التاريخي المنتظر على أن يتصور الأوضاع التي كانت سائدة، ونحاول أيضا أن نبحث عن أوجه الاستفادة من تلك الأحداث وما يمكن استخلاصه من نتائج.

ونحاول أن نعود إلى ما ذكرناه سابقا عن (القوانين الخاصة بالحرب). وهي قوانين تتعلق بالقتال في ظروف خاصة جدا بحيث يستدعي ذلك إجراء تعديلات في قواعد القتال المعروفة أو حتى وضع بعض القواعد الجديدة.

وقلنا أن ذلك لا يتأتى إلا لنوع نادر من القيادات، فهناك خطأن شائعان يقع فيهما قادة الحروب:

الخطأ الأول: الالتزام الحرفي ـ الجامد ـ بقواعد الحرب كما ذكرت في الكتب العسكرية وكما تدرس في الأكاديميات العسكرية. الخطأ الثاني، الإهمال المتهور لقواعد الحرب، بدعوى أنها (كلام نظري) كما كان يحلو لبعض إخواننا العرب أن يطلقوا عليها. بالنسبة للخطأ الأول فهو شائع في ضباط الجيوش النظامية الذين قذفتهم الأقدار إلى حروب العصابات. وقد شاهدت عددا منهم في أفغانستان أكثرهم كانوا أفغانا وقليلا من العرب.

والضباط العرب بشكل خاص فشلوا في التكيف مع حرب العصابات بشكل عام ومن باب أولى الطبيعة الخاصة للحرب في أفغانستان والتي اهتدت إليها العديد من المجموعات الأفغانية وطبقتها بنجاح. وحتى رشيد بمؤهلاته وقدراته فشل أيضا في إحتمال الوضع الأفغاني الخاص.

وكانت ليجاه نهاية عمله في باكتيا وما لبث أن فشل بسرعة في تجاربه الأخرى في جلال آباد فانكمش إلى مجال التدريب ثم إلى الكتابات العسكرية في صحيفة (الصراط) التابعة لمولوي نصر الله منصور، حتی ترك الساحة الأفغانية. ومن ضمن ما يتأثر به الأسلوب القتالي هو الحالة الثقافية للمجتمع. فالمجتمعات الواقعة تحت التأثير الغربي أو الشرقي، تتأثر إلي درجة كبيرة بالأسلوب القتالي العسكري للغرب أوالشرق. ولما كان الأفغان من أقل الشعوب تأثرا بالثقافات الخارجية إضافة إلى متانة الوضع الإجتماعي القبلي وسيادة الثقافة الإسلامية، فكان من الطبيعي أن ينبت (أسلوب قتال أفغاني) وهو ما شاهدناه في ليجاه ـ وكان أسلوبا تبلور بالتدريج ـ حتى أصبح مدرسة قتالية، هذا الأسلوب وتلك المدرسة لم يكن ممكنا التكيف معها أو استساغتها من جانب أفراد من خارج ذلك المجتمع ومن خارج الثقافة الأفغانية. لم تنجح المجموعات الأفغانية بنفس الدرجة. وبعضها فشل في تخطي حد معين في عمله القتالي ولم يلبث أن تجمد عند مرحلة قتالية أولية. ولا شك أن جلال الدين حقاني كان واحدا من الذين طوروا إلى أقصى حد ممكن أسلوبا أفغانيا للقتال كان ناجحا ومؤثرا للغاية. كما رأينا فإن حقاني تخلى مبكرا عن سياسة (اضرب واهرب).

ورفض اتباعها كما رأينا حتى عندما بدأ الروس في فرض احتلالهم العسكري. بل مضى إلى حد القبول بمجازفة “المواجهة الشجاعة” ليس فقط في الجبال، خاصة على الطرق المؤدية إلي خوست، بل وفي الوديان المفتوحة كما رأينا في تعمير في وادي “زورمت”. لقد تحمل حقاني من جراء ذلك خسائرا كبيرة لكنه حقق نتائج أعظم خاصة على المستوى النفسي والسياسي. وحتى لو عادت عجلة التاريخ إلى الوراء ما أظن عسكريا محترفا يوافق على آراء حقاني تلك رغم أنه ثبت عمليا أنها الأصلح للتركيبة الأفغانية وظروفها الفريدة، بل وظروف باكتيا الأشد خصوصية. وكما رأينا، لم يستطع ضابط قدير مثل رشيد أن يتقبل أسلوب حقاني في معركة ليجاه.

لم أكتشف وقتها أن حقاني قد انتقل إلى المرحلة الثانية من مراحل حرب العصابات واتخذ بذلك قرارا من أخطر قرارات قيادة حرب العصابات وهو قرار التحول من مرحلة إلى أخرى. وهو قرار من الخطورة بحيث أنه قد يؤدي إلى هزائم ثقيلة قد تتحول إلى هزيمة كاملة. بدأ حقاني يقاتل بمجموعات كبيرة مستخدما قدرا من الأسلحة الثقيلة هادفا إلى طرد العدو من الجبال ودفعه نحو السهول. لم يقرأ حقاني حتى الآن كتابا واحدا في حرب العصابات ولكنه تصرف بغريزة فطرية سليمة وحساسة، وتعلم الدروس بسرعة متخذا المسار المناسب لحالته الأفغانية الخاصة. سأورد حادثتين لتوضيح (الحالة البشرية) الخاصة التي أملت أسلوبا قتاليا بعينه، وإن كان مخالفا لكثير من الثوابت العسكرية. والحادثتان من منطقة “ليجاه”.

 

الحادثة الأولى:

جلسنا في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر لتناول الشاي الأخضر وبعض الخبز. وهذه مناسبة من أكثر المناسبات اليومية سعادة وانشراحا. بعد منتصف الليل كنت قد أحسست بوصول مجموعة من المجاهدين كانت في دورية ليلية خلف خطوط العدو في الوادي. وتعرفت على صوت صديقي القديم مولوي (محمد سرور) مرافقنا في أولي معاركنا داخل أفغانستان.

 

أجلت اللقاء إلى الصباح. وقد كان لقاءا سعيدا غمره البشر الصادق والمودة. بعد إنتهاء جلسة الشاي همس مولوي سرور في أذن طباخ المعسكر فأحضر له إبريقا ضخما من الشاي الأخضر المر.

ما زالت تلك لمسته الشخصية منذ عرفته، إبريقه الخاص من الشاي الذي يعادل في حجمه كمية الشاي للمعسكر بأجمعه. قدم لي الرجل كوبا ارتشفت منه على مضض. وجلسنا نتبادل الأخبار والتعليقات حتى ارتفعت الشمس من خلف الجبال وباتت تغمرنا بأشعتها. بدأ هدير الطائرات النفاثة يظهر في الأفق البعيد، فانسل الرجال الذين صقلتهم تجربة الأيام الماضية، وظل مولوي سرور يرتشف الشاي بهدوء كأنه يستمع إلى شقشقة العصافير. اقترب منا الهدير وظهرت النفاثات الفضية تدور حول معسكرنا، وهذا دليل لا يدحض على أن الشر قد اقترب. ولكن الرجل الوقور لم تفارقه الابتسامة وظل يدير الحديث العذب ولكن ذهني بدأ يشرد وتعلقت أذناي في السماء وعيناي تدور بحذر فيما حولي كي أنتخب المكان المناسب لحضور المأساة القادمة.

 

ليس لدينا خنادق ولا مغارات، فقط صخور وأشجار وبعض مجاري السيل الضيقة. لم أستطع التحمل أكثر من ذلك وقد تمادى الطيار في مناوراته فوقنا فطلبت برفق من الشيخ أن نتحرك تحسبا للأخطار، فلوح بكأس الشاي الأخضر التي في يده وقال برفق:

(نتحرك إن شاء الله عندما أفرغ من هذا الكوب). وبالفعل نفذ ما قال، وبكل هدوء، ثم سمى الله، وبدأ يتحرك بهدوء كامل!!!.

 

الحادثة الثانية:

من الصباح حتى الظهيرة كنا قريبين من حصن ليجاه مع عدد محدود من المجاهدين حيث وصلنا قريبا من حزام الألغام. وتبادلنا إطلاق النار من البنادق مع جنود الحامية وكانوا قليلين ولكن دعما مدفعيا قويا وصلهم من مواقعهم القريبة ومن العمق. فقضينا فترة عصيبة ونحن نبدل أماكننا باستمرار حتى تخلصنا من النيران وخرجنا من المنطقة ولكن المدفعية استمرت بعد ذلك لأكثر من ساعتين على نفس منطقتنا الأولى وما حولها. كان القصف من الشدة بمكان، بحيث أن المجاهدين من خلفنا استعدوا لاستقبال هجوم شيوعي مضاد وبدأوا التحرك إلى الأمام لصد الهجوم. قابلونا أثناء عودتنا وسألوا عن الموقف فأخبرناهم أنه لا هجوم متوقع حتى الآن. في الطريق قابلنا شيخا طاعنا في السن ذو لحية بيضاء،يـبرق من شدة النظافة، يرتدي البياض في جيمع ملابسه وعمامته. ويتوكأ على عصاه ويسير بخطى وئيدة بينما يحمل بندقيته الإنجليزية العتيقة على كتفه.. سألنا بصوت واهن:

ـ هل جاء العدو؟.

ـ لا لم يجىء.

ـ أين هم الآن؟.

ـ بعيد.. عند مدخل الوادي.

ـ جيد إذن… عندي وقت كي أتوضأ وأصلي الظهر، ثم أذهب مع المجاهدين للتَعَرض.

أذهلني الشيخ وحديثه، وما زلت أعجب حتى الآن.

 

(ونعود إلى حديثنا تعليقا على الحادثتين فنقول) إن بشرا من طراز خاص جدا كهؤلاء لا بد لهم من طريقة خاصة جدا في القتال. وهذا ما كان، ولم نستطع معه صبرا. لهذا تحركنا مع الوقت نحو تكوين مجموعاتنا القتالية الخاصة كي نقاتل بطريقتنا الخاصة. وبالمثل صادفنا ـ نحن المتطوعون العرب ـ بعض النكسات وبعض النجاحات. ويمكن القول أنه إلى حد ما كانت هناك مدرسة عربية للقتال في أفغانستان ـ وعلى الأصح مدارس.

وسنذكر ذلك في حينه.