qatar daftar 2 620x330

حقائق حول ساحة القتال وساحة التفاوض

بقلم الاستاذ مصطفى حامد (ابو الوليد المصري)

 

– الحق أخلى مكانه للقوة، التي أصبحت الحقيقة الوحيدة المعترف بها في عالم اليوم.

– التفاوض المنفرد لا يعيد الحقوق. فالقوة ضرورية لإقناع الظالم أن هناك حقوقا يجب أن تُحْتَرَم.

– التفاوض يعكس موازين القوة في ساحة القتال. والمُفَاوِض الماهر يمكنه الحصول على أكثر من ذلك، وفقا لشروط.. فما هي؟

– ساحة القتال وطاولة التفاوض مترابطتان. وموازين التفاوض تتغير بتقلب موازين الصراع على الأرض.

# لا يمكن لطرف أن يقاتل نيابة عن طرف آخر. ولا يمكن أن يتولى التفاوض غير من قاتل معارك الأرض من أصحاب الحق الأصليين.

– التفاوض يُظْهِرْ الفرق بين (الحرب بالأصالة) و(الحرب بالوكالة)، وبين “المجاهد الحقيقي” و”المُرْتَزَقْ “.

– لا يمكن الحديث عن السلام قبل استعادة الحقوق، وإلا كان نفاقاً وعوناً للظالمين.

– لدى القائد العسكري وقائد التفاوض، تأتي المهارة أولا، قبل الإمكانات المادية المتاحة.

– القائد العسكري يتخلص من الاشتباك إذا كانت شروط النصر غير متوفرة. وقائد التفاوض يتخلص من طاولة التفاوض إذا كانت شروط التفاوض غير مواتية. فالقتال والتفاوض في حاجة إلى ظروف مناسبة.

– خطأ عسكري واحد في الحرب قد يطيح بنتائج معركة واحدة. وفي التفاوض فإن خطأ واحدًا قد يطيح بثمار الحرب كلها.

 

التفاوض هو جزء من العمل السياسي، الذي هو امتداد للعمل القتالي ومكملاً له لكن بوسائل سلمية. فإذا كانت الحرب هي محاولة لإقناع الخصم بالاستجابة لمطالبنا مستخدمين معه منطق القوة، فإن المفاوضات هي محاولة لإقناعة مستخدمين قوة المنطق.

وغالبا لا يكتسب المنطق قدرة على الإقناع إلا بعد استخدام القوة أولا. فالمنطق المسالم منفردا، ومهما كانت صحته، لا يقنع اللصوص بإعادة الحقوق إلى أصحابها. حتى أصبح شائعا بين الأمم أن ما يمتلكه أي طرف من الحقوق يتناسب طرديا مع ما يمتلكه من قوة. وتَمَكَنْ ذلك الاعتقاد من النفوس حتى أخلى الحق مكانه للقوة، لتصبح القوة هي الحق، وهي الحقيقة الوحيدة في حياة البشر اليوم.

– لهذا لا يمكن الحصول على الحقوق بالتفاوض وحده. إذ لابد من استخدام القوة حتى يعترف العدو أن هناك حق ينبغي الاعتراف به والخضوع له. عندها يصبح التفاوض مجديا ومشروعا.

– التفاوض يعكس الموازين في ساحة القتال. فكل طرف يحصل على تأثير فوق طاولة التفاوض يعادل ماله من قدرة تأثير فوق ساحة القتال. بمعنى أن الطرف المنتصر في ساحة القتال يذهب إلى طاولة التفاوض كي يحصل على ثمار انتصاره. أما المنهزم فعليه أن يدفع ضرائب الهزيمة.

فإذا كانت النتيجة على أرض المعركة غير محسومة، فإن طاولة التفاوض هي ساحة للاتفاق على توزيع الغنائم والمغارم بما يتناسب مع موازين القوى على الأرض، بصرف النظر عن من له حق في ماذا.

 

حرب فوق طاولة التفاوض:

– لا يتمّ كل ذلك بصورة تلقائية، لأن العمل التفاوضي هو أيضًا معركة. والمفاوض الأكثر مهارة وموهبة وعزيمة قد يتمكن من الحصول على أكثر مما تتيح له موازين القوى في ميدان المعركة المسلحة.

لهذا فإن ساحة المعركة التفاوضية مليئة بالخدع والكمائن، وتشتمل على عمليات هجوم وأخرى للدفاع. وقد تشمل على الاستعانة بحلفاء داخليين أو خارجيين. لذا وجب الانتباه إلى أي ظرف سياسي طارئ قد يغير الموازين فوق طاولة التفاوض، أو تطور عسكري قد يغير موازين القوى فوق ساحة القتال فتتأثر عملية التفاوض على الفور.(لاحظ مثلا عملية الهجوم الساحق على قاعدة شورآب الجوية في هلمند أثناء احتدام التفاوض في الدوحة). فالطاولة والميدان مترابطان، يؤثر كل منهما على الآخر، وهما متحدان في الغاية.

لهذا قد يتعجل أحد الأطراف المتفاوضة التوصل إلى اتفاق خشية من ظروف داخلية في بلده قد تكون في غير صالحه. وبالعكس قد يعمد طرف إلى المماطلة والتسويف، إما طمعًا في تطورات قادمة قد تفيد موقفه التفاوضي أو تضر بموقف خصمه { مثلا يتعجل الأمريكي الوصول إلى اتفاق في مباحثات الدوحة / أو حتى وقف مؤقت لإطلاق النار/ قبل فصل الربيع حيث يشن مجاهدو طالبان هجومهم السنوي، الذي يتوقع أن يكون أعنف من كل ما سبقه، بحيث تعتبر عملية شورآب الساحقة مجرد دفعة صغيرة تحت الحساب}. وقد يسعى أحد الأطراف إلى إرهاق أعصاب الخصم واستنزافه معنويًا (بالحملات الدعائية العنيفة وذلك نقطة قوة لدى الأمريكيين وحلفائهم). أو ترقباً لتصدع صفوف الطرف الآخر بالخلاف والشقاق أو بالوعد والوعيد، أو بحرف التفاوض عن مساراته الأصلية صوب قضايا ومشاكل ثانوية، بحيث يصبح جلاء المحتلين عن البلاد أحد الاهتمامات التي يسبقها الكثير من القضايا الثانوية).

– القادة البارعون في التفاوض يكونون مُسْتَهدَفين مثلما يُستَهدَف قادة المعارك البارعين، إما بالقتل أو بالاختطاف، أو بث الفرقة فيما بينهم، أو باستمالة من يمكن استمالته منهم بإغراءات المال والسلطة أو بمكاسب للحزب أو للمنطقة.

– كما أنه لا يوجد طرف يقاتل نيابة عن طرف آخر، فإنه لا يجوز أن يتفاوض طرف لم يقاتل نيابة عن طرف آخر تحمل أهوال المعارك. فالتفاوض يتولاه أصحاب الحق الأصليين الذين خاضوا معارك السلاح على الأرض. وذلك معيار أساسي للتمييز بين “المجاهد” و”المرتزق”، كما أنه فرق بين ” الحرب بالوكالة” وبين “الحرب بالأصالة. فالمجاهد هو من يتولى عملية التفاوض وإقرار المصير السياسي لقضيته ولا يترك ذلك الحق لجهة ــ أو دولة أخرى ـ مهما كانت صديقة أو حليفة. فالتفاوض هو عملية “جَنْي ثمار الحرب” و”رسم صورة المستقبل”، والمجاهد لا يترك تلك الميزات لأي طرف آخر.

 

الحق فوق السلام:

# (فلا تَهِنوا وتدعوا إلى السَلْم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتِرَكم أعمالكم)ــ 135 سورة محمد ــ التفاوض لدى المجاهد صاحب الحق، لايهدف أبدا إلى إقرار السلام كأولوية مطلقة، بل يهدف أولا إلى إقرار الحقوق المشروعة وإزالة الاحتلال، واستعادة الأرض المغتصبة، والثروات المنهوبة، وإقرار الشريعة الدينية، وتأكيد الهوية الثقافية المعرضة للزوال أو الاستبدال. فالحرب هي نتيجة للظلم الواقع، والسلام هو قرين لإحقاق الحق المنشود. فأي حديث عن السلام قبل إقرار الحق وإعادة الحقوق إلى أصحابها هو نفاق ودعوة إلى الاستسلام لخدمة المعتدين الظالمين. ولن يعيش ذلك السلام المخادع طويلا، فهو موعد مؤجل لحرب قادمة لا محالة.

 

المهارة أهم من الإمكانات:

– يمكن للقائد العسكري الماهر أن يحقق انتصارات في المعارك أكبر بكثير من الإمكانات المادية المتاحة بين يديه. يرجع ذلك إلى مهارته العسكرية، وقوة معنوياته، وإيمان جنوده واستعدادهم للتضحية مع قناعتهم بجدارة القائد.

يمكن أن يحدث شيء مشابه في عملية التفاوض، أي إحراز نتائج أفضل مما هو متاح من قوة على أرض المعركة، وذلك عن طريق إقناع العدوّ بأنّ الموقف كله على وشك أن يتغير إلى غير مصلحته مالم يبادر إلى الموافقة على ما هو متاح له الآن. فيسرع إلى الموافقه على أقل مما يستحقه بحكم قوته العسكرية على الأرض.

والعكس أيضا صحيح أي أن القائد السياسي المفاوض إذا كانت تنقصه الجدارة، فيمكن أن يخسر في معركة التفاوض الكثير من الحقوق التي كانت متاحة له بحكم قوته على أرض المعركة.

– القائد العسكري الناجح يعمل على توفير شروط النجاح قبل الشروع بالقتال في أي معركة. فإذا وجد أن الشروط غير متوفرة للنجاح فإنه لا يخوض المعركة، ويعمل على التخلص منها إذا فرضت عليه. ولا يَقْبَل بخوض غمارها إلا في الظروف القاهرة حين تكون المعركة حتمية لا محالة. وحتى عندئذ يظل القائد يتابع إمكانية الانتصار من خلال أي جزئية مواتية تظهر له على غير انتظار خلال القتال. فهناك دومًا إمكانية للنصر في ظل أي ظروف. هذه القاعدة يمكن تطبيقها على العمل السياسي التفاوضي. فلا نبدأ التفاوض إلا إذا توفرت شروط نجاحه أو كان النجاح هو الاحتمال الأرجح.

 

الخطأ غير مسموح في التفاوض:

– خطأ واحد في الحرب قد يغير مصير المعركة، وفي التفاوض فإن خطأ واحد قد يطيح بنتائج الحرب كلها. لذا فإن عملية التفاوض أكثر حساسية وخطورة من أي معركة عسكرية، وينبغي ألا يتصدى لها غير الأفذاذ من المفاوضين ذوي الخلفية العسكرية المتينة. فالتفاوض معركة مهارة وبصيرة ومعنويات، وقوة أعصاب، وليست أبدا خفة يد أو براعة خطابية.

وكذلك إمكانية الخسارة تظل ماثلة فوق الرؤوس مهما كانت الظروف مواتية والعمل العسكري ناجح. فنتيجة المعركة لا تظهر إلا مع النهاية الكاملة للقتال واستسلام العدوّ أو فراره خارج ساحة المعارك.

 

ساحة التفاوض الملغومة:

– قد تصبح شروط ميدان المعركة مواتية لعملية التفاوض حيث الطرف الجهادي هو المنتصر أو صاحب الكفة العليا والمبادرة في ميدان القتال. ولكن ظروف إجراء عملية التفاوض غير متوفرة بشكل مناسب للخروج بالنتائج الصحيحة. كأن يكون مكان التفاوض غير محايد، وتحت سلطة حكومة معادية أو عميلة للعدو. أو يكون الوسطاء منحازون للعدو ويعملون لمصلحته سراً وجهراً، ويعملون كقوة ضغط على المفاوض الجهادي كي يقبل بشروط عدوه، ويتنازل عن حقوقه التي أتيح له الوصول إليها طبقا لنتائج ساحة القتال وموازين القوة فيها.

(يجب أن يتوازن تمثيل الطرفين في جلسات التفاوض. قد يكون التمثيل على مستوى رؤساء الوفود أو وزراء الخارجية. ولكن في مقابل رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان / وهي درجة تعادل وزير خارجية/ أرسلت أمريكا السيد “زلماى” الذي هو مجرد “زَلَمَة” لشركة “يونيكال” النفطية الأمريكية، وموظف درجة ثالثة ــ أو مجرد مستشار موسمي بالقطعة لدى وزارة الخارجية الأمريكية. وفي ذلك غطرسة مرفوضة. لهذا رفض السيد (الملا برادر) رئاسة الوفد المفاوض أثناء الجلسات، واكتفى بالمتابعة عن كثب).

وهكذا قد يجد المفاوض الجهادي نفسه يخوض معركته التفاوضية في مناخ غير صديق وفوق أرض ملغومة سياسيا. ولكن تظل إمكانية النجاح في العملية التفاوضية قائمة ضمن خيارات منها:

1 ـ الاستفادة من أي ظروف مستجدة على ساحة الصراع العسكري.

2 ـ إلغاء عملية التفاوض والعودة إلى ساحة المعركة انتظارًا لظروف تفاوضية أفضل والحصول على ساحة تفاوضية أكثر حيادًا.

3 ـ مواصلة القتال حتى يصاب العدو باليأس فينسحب بلا تفاوض معلنا أنه قد انتصر في الحرب، لذا فإنه (ينسحب بكرامة!) كما فعل الأمريكيون لتغطية هزيمتهم المهينة في فيتنام. وسمعنا مؤخرا عضوان في مجلس الشيوخ الأمريكي (أو الكونجرس) يطالبان بوضع قانون ينص على أن بلادهم قد انتصرت في أفغانستان(!). وفي ذلك إشارة إيجابية جدًّا، فهو دليل على إمكانية انسحابهم بلا قيد أو شرط، تحت غطاء الانتصار طبقا لقانون صادر عن الكونجرس الأمريكي (!).

4 ـ الشرائط السياسية في المنطقة المحيطة بأفغانستان بدأت تتحول لصالح الإمارة الإسلامية وحركة طالبان. وسوف يؤدي ذلك إلى تحسين المناخ التفاوضي مستقبلا. كما ينعكس إيجابيًا على ساحة المعركة، خاصة في مجال التسليح وتحديث التجهيزات القتالية للمجاهدين. إذن فالرهان على المستقبل القريب أفضل من المضي في عملية تفاوض ملغومة. وعلى أي حال العدو سوف ينسحب حتما باتفاق أو بدون اتفاق. وانسحابه بدون اتفاق خير من إلزام المجاهدين بشروط /تحت مسمى ضمانات/ تكبلهم مستقبلا وتضعهم تحت رحمة العدوّ سواء في سياستهم الداخلية أو في تحركهم الخارجي سياسيا واقتصاديا.

– الوقت يعمل لصالح المجاهدين على مستوى العمليات العسكرية وعلى مستوى العمل السياسي. ويعمل عكس مصالح العدوّ في نواحي كثيرة حتى داخل صفوفه التي تتفسخ باستمرار مع انحدار معنويات قواته، وتزايد التأييد الشعبي الإيجابي لمجاهدي طالبان. كما يعمل ضد مصالح العدو في المستوى الإقليمي وعلى مستوى العالم. حيث الولايات المتحدة منشغلة بمحاربة العالم أجمع تجاريا وسياسيا تحت شعار نازي هو (أمريكا أولا)، الذي وسع قاعدة عداء الشعوب والحكومات لها. وهي مهددة بانفجار اجتماعي داخلي سيأتي حتما في وقت ما، وكلما تأخر كان أشد دماراً. ورئيس الدولة الأمريكية وصفت أقرب مساعديه بالجنون والعنصرية والكذب وارتكاب مخالفات جسيمة للقانون والدستور قبل وبعد توليه الرئاسة. كما أنه لا يحظى باحترام أو ثقة أحد داخل أمريكا أو خارجها، سوى العنصريين القتلة في الداخل، وإسرائيل في الخارج وخلفها قطيع من سقط المتاع، ومن كلاب الصيد وأبقار الحليب.

(وإن غدا لناظره قريب).