ماذا أرادت طالبان بتدمير قاعدة «شوراب»؟

سيف الله الهروي

 

بينما كان العالم يشهد مفاوضاتٍ متعددة بين الوفد الدبلوماسي لطالبان، والإمريكيين، وكان أصحاب القلوب الضعيفة يظنّون الظنون بطالبان وجهادهم ومقاومتهم، تفاجأ العالم من جديد بإحدى أطول العمليات الاستشهادية والانغماسية في تاريخ هجمات حركة طالبان خلال السنوات الأخيرة على قواعد الاحتلال الإمريكي، إنّها الهجوم المُدمّر على قاعدة «شوراب» إحدى أهمّ القواعد الجوّية للاحتلال الإمريكي في أفغانستان.

استمرّت هذه العملية كما ذُكرتْ تفاصيلها لمدة 46 ساعة، اقتحم فيها 9 من مجاهدي الإمارة الإسلامية الاستشهاديين قاعدة «شوراب» العسكرية، ثمّ أوصلوا أنفسهم إلى مقرّ الجنود المحتلين الأجانب، ومبنى قيادة «الحماية» التابعة للجيش العميل، ومقرّ القوات الخاصة، فباغتوا العدو بالنيران والتفجيرات والهجمات، وقاموا بقنص جنود القوات الخاصة ممّن تبقى منهم في الليل، وأضرموا في النهار النيران في مستودعاتهم وذخائرهم، وطائراتهم، وقتلوا جنودهم، ودمّروا ما في القاعدة من الآليات والمعدّات والمنشآت العسكرية.

أعلنت الإمارة الإسلامية في تقرير لها أن نتيجة هذه العمليات البطولية الناجحة قتل 137 جندياً أمريكياً، من بينهم 15 طيّاراً، و18 مهندس طائرات، وأصيب نحو 19 آخر بجروح، كما قتل قائد حماية القاعدة، وقيادي بالقوات الخاصة و260 جندياً عميلاً منهم 142 من جنود القوات الخاصة و118 من جنود الجيش، وأصيب نحو 73 آخراً بجروح، وتمّ القضاء على آليات العدو ومعدّاتهم العسكرية، ودُمّرتْ مروحيتان للجيش العميل، وعدة مروحيات وطائرات للقوات المحتلّة، كما دمّرت عدة مدرّعات وسيارات وصهاريج ممتلئة بالوقود، وتمّ هدم أكثر من 40 % من منشآت وتأسيسات القاعدة، كما استخدمت كمية كبيرة من الأسلحة والتجهيزات العسكرية ضدّ العدو أثناء العمليات.

هكذا أصبحت قاعدة «شوراب» مخروبة محروقة بين ليلة وضحاها على يد بضعة مقاتلين من طالبان، وهكذا بدّلت حركةُ طالبان قاعدة جوّية عسكرية مهمة إلى قاعدة دمار وخراب.

أرادت حركة طالبان من خلال تدميرها لهذه القاعدة المهمة العسكرية إعطاء دروس ورسائل مُهمّة للاحتلال الإمريكي بصفةٍ خاصة، وللعالم بصفةٍ عامّة.

أرادتْ حركةُ طالبان أن تبلّغ إلى العالم الذي يراقبهم ويراقب مفاوضاتهم مع عدوّهم الحاقد، بأنّ هذه الحركة لن تترك بلا ثأر وبلا انتقام تلك الجرائم والانتهاكات الكبيرة التي ارتكبتها القوات الأمريكية المحتلة وجنود الجيش العميل في الآونة الأخيرة بحقّ المدنيين الأبرياء، حيث فجّروا المنازل والبيوت، والمساجد، والمدارس، ودور العلم، وقصفوا المستوصفات، والأسواق، والأماكن العامّة، وألحقوا الخسائر والأضرار بالمدنيين الأبرياء.

أرادت طالبان بتدميرها لقاعدة «شوراب» أن تعلن بأعلى ندائها للعالم بأنّ جلوسهم مع العدوّ على طاولة المفاوضات ليس لأنّهم وهنوا أو ضعفوا أو استكانوا، أو لأنّهم تعبوا من القتال، أو لأنّهم في مأزق يبتغون وسيلة للخروج من تلك المتاعب، أو لأنّهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، بل لأنّهم يريدون أن يُثبتوا لكافّة أحرار العالم بأنّهم ليسوا دعاة حربٍ بل دعاةَ صلح وسلام، لكن إذا قُرعتْ طبولُها فهُم أبطالها ومغاويرها وأشاوسها.

أرادت طالبان بإحراقهم قاعدة «شوراب» أن يثبتوا للعالم وللأعداء على وجه الخصوص بأن الشعب الأفغاني الأبي لن يقدر أحد مهما أوتي من القوة أن يصرفهم من مقاومتهم وكفاحهم، ولن يستطيع أحد أن يسلبهم حريتهم واستقلالهم، أو يثنيهم عن التمسّك بقيمهم الإسلامية وثقافتهم الأفغانية أو يمس من كرامتهم مثقال ذرّة.

أرادت طالبان بهذه العمليات البطولية الناجحة، وبهذا الهجوم النوعي المثير للحيرة أن تقول للمحتلّين وحلفائهم من جديد أنّ رجال طالبان لا فرق عندهم بين القول والعمل، وأنّهم عندما يقطعون على أنفسهم وعداً نيابة عن شعبهم الأبي فإنهم يفون بما وعدوا، وسيحاسبون المجرمين والمفسدين، وسيأخذون منهم ثأر شعبهم، وسينتقمون لمقدّساتهم، ويغضبون لقيمهم العالية.

بدّلت طالبان قاعدة «شوراب» قاعدة دمار وخراب ليقولوا للعدوّ المحتلّ بأنّهم إنْ لم يلتزموا طريق التعقّل بعد هذا، واستمرّوا في جرائمهم ومجازرهم واحتلالهم وقصفهم العشوائي في حق الشعب الأفغاني المظلوم، فإنّ لطالبان معهم موعدٌ، وإنّ لهم معهم جولاتٌ، وأن بينهم أيامٌ سُود، وساعات عسيرة، وأنّ لهم أن ينتظروا ما هو أدهى وأمرّ من قاعدة «شوراب»، فإنّ أبطال طالبان سيدافعون بكل شدة وحميّة عن شعبهم ودينهم وحقوقهم، ويرابطون على ثغورهم مرابطة الأبطال والشجعان.

وأخيرا قصدتْ طالبان بتدمير قاعدة «شوراب» أن ترسل رسالة أكثر وضوحا للمحتلّ الإمريكي وأعوانه ومتحالفيه أنّهم أمام خيارين لا ثالث لهما في أفغانستان، إمّا الانسحاب الكامل من أفغانستان من حيث أتوا مع إبقاء شيء من ماء الوجه، وإنْ لم يخرجوا من أرض الغزاة والفاتحين طوعًا، فإنّ جنود طالبان ليُخرجنّهم منها بإذن الله أذلّةً كارهين مغلوبين صاغرين، وما ذلك على الله بعزيز، فإنّ جندنا لهم المنصورون، وإنّ جندنا لهم الغالبون.