destroyed-helicopter-2

كيف تمكنت طالبان من احتلال الإرادة الأمريكية (3) : شواهد اليأس الأمريكي في أفغانستان

للكاتب: أسامة الحلبي

 

في الحلقتين السابقتين عرجت على ذكر الوسائل والكيفيات التي تمكنت بها إمارة أفغانستان الإسلامية من احتلال الإرادة القتالية الأمريكية، وتدمير عزيمتها وعقيدتها العسكرية، وإرضاخها بصغار لطاولة التفاوض والحوار، ثم تكلمت عن القدرات الأمريكية في إضعاف طالبان فيما لو تعثرت رحلتهم البائسة في البحث عن السلام وبصيص الأمل والنور للخروج من المستنقع الأفغاني، ومدى الاحتمالات والإمكانيات المتاحة للقوى الغربية في إخضاع أو تدجين النهضة الطالبانية، وفي هذه الحلقة الثالثة سأتكلم عن جدوى استخدام ما تسميه طالبان بـــ “الجهاد المقدس” كسياسة داخلية واستراتيجية لإنجاح سياساتها الخارجية، وتعزيز مواقفها وأهدافها العسكرية، وكيف أن الطالبان قد نجحوا في اختيار سياسة البقاء في موقع الهجوم والمبادرة لتدمير واحتلال الإرادة العسكرية الأمريكية.
لقد أعلنت إمارة أفغانستان الإسلامية بوجدانها وحسها السياسي والعسكري منذ تصريح ترامب بسياسته الداخلية والخارجية حينما رفع شعار: (أمريكا أولاً)، أن ذلك يعني بلا تردد أن أمريكا ستنسحب من أفغانستان عاجلا، مما أعطى مؤشرات سياسية للحلفاء والأعداء على حد سواء بأن أمريكا تفقد موقعها الريادي في النظام العالمي الجديد أحادي القطب،وكان هناك مسؤولون أمريكيون آخرون يعملون في وزارة الخارجية قد أشاروا بالفعل إلى الضعف الأمريكي من خلال الضغط لأجل التوصل إلى تسوية سريعة مع الإمارة الإسلامية عن طريق التفاوض، ولقد أرادوا إبرام صفقة سريعة في 2019 لولا أن الطالبان ما زالت أبية في شروطها ومبادئها التي لم تتخل عنها يوما من الأيام منذ نشأتها، وبالفعل انخرطت الولايات المتحدة في هذه المحادثات دون مشاركة حكومة عميلهم الدمية أشرف غني، وهي خطوة سياسية مهمة؛ تمنح الشرعية لحركة طالبان، وتنزع الشرعية عن إدارة الدمية أشرف غني وأعوانه، لكن يبقى أن الأمر الأكثر إثارة للقلق والخيفة بالنسبة إلى الغرب عموما والأمريكان وعملاؤهم خصوصا مما يسمونه بـ “الحرب التي لا نهاية لها” هو وقوع الانتصار المباشر لإمارة أفغانستان الإسلامية وحلفائها، وإيجاد ملاذات آمنة لهم، وهذا ما سيضمنه سحب ترامب للقوات الأمريكية المتواجدة هناك.
وعلى الصعيد السياسي والعسكري فقد أصبح الأمريكان لا يأملون في هزيمة الطالبان إلا من خلال حدوث انشقاقات داخل صفوف الطالبان، وهذا ما لم يتهيأ لهم منذ عشرة أعوام، ولذا أصبحت القوات الأمريكية تتخبط في عملياتها العسكرية دون تفهم لمآلات الاختصام في الشارع الأفغاني، ويعمدون اليوم بكثرة إلى سياسة اختطاف النساء في إنزالاتهم الليلية، مع أن ذلك من أشد الأمور تحضيضا وحثا للأفغان في القيام بحمل السلاح واستنهاض عزائمهم وغيرتهم المعهودة تأريخيا.
ومع ذلك الزخم العسكري الأمريكي كله؛ لا زال الأمريكان يُتخطفون من أمام قواعدهم وصياصيهم في “قندز” و”باجرام” وغيرهما، ويؤكد ذلك ما وقع قبل أيام حيث قتل ثلاثة من الجنود الأمريكان عند قاعدة “باجرام”، وأما طائراتهم فهي تحت رحمة دفاعات الطالبان الجوية، ويكفي أن نعلم أن الطائرة التي تم تدميرها قبل أيام في ولاية هلمند بمطار “شوراب” كانت القاذفة الاستراتيجية من نوع ” B52″ وقد احترقت وقتل كامل طاقمها، وأما عملاء أمريكا فهم يتخطفون في بادغيس وقندز وهلمند وقندهار كل يوم، ولا يكاد أحدهم منهم يأمن على نفسه وهم بداخل حصونهم، وزاد الأمر تعقيدا ما صرحت به قيادة الإمارة الإسلامية من استمساكها بالعمل المسلح وما يسمونه بــ”الجهاد المقدس”؛ بإعلانهم في بيان لهم بدء انطلاقة عمليات الفتح الربيعية، والتي دأبت طالبان على شنها سنويا مع بزوغ فصل الربيع، ويعتقد كثير من المحللين العسكريين أن هذا العام سيشهد عمليات غاية في الجرأة والدموية تجاه القوات الأمريكية وعملائهم، كما يرى بعض الساسة والصحفيين أن أفغانستان ستشهد هذا العام سقوط عدة مدن ومديريات كبرى بيد الطالبان.
في غضون ذلك صرح المبعوث الأمريكي خليل زاده بأن الحرب في أفغانستان أنهكت الجيش الأمريكي عسكريا واقتصاديا، وأنه لا علاج سوى إحلال السلام، كما أضاف أن جلسات الدوحة مع قيادات الطالبان كانت مثمرة، وفي ذات السياق؛ صرح عدد من المحللين السياسيين أن أعداء الطالبان يفقدون تدريجيا سيطرتهم على مناطق بأكملها رغم تصاعد الحملات الجوية والإنزالات الليلية التي يشنها حلف الناتو على الطالبان، وقد ذكرت بعض مؤسسات الرصد العسكري أن عدد القنابل المقذوفة في أفغانستان والتي تم إلقاؤها في الحرب مع الطالبان عام 2018 فقط، وصل إلى عدد 6823 مقذوفا متفجرا، وهذا يعد أكبر معدل سنوي منذ بدء الحرب عام 2001.
لقد أثبتت طالبان جدوى استخدام ما تسميه بـــ “الجهاد المقدس” كسياسة داخلية واستراتيجية لإنجاح سياساتها الخارجية في إخضاع العدو لطاولة الحوار، وعززت بخيارها المسلح مواقفها وأهدافها العسكرية، فكانت عملية قاعدة “شوراب بوستن” بولاية هلمند في شهر مارس الماضي؛ هي خاتمة عمليات “الخندق” التي شنتها طالبان في العام الشمسي المنصرم على القوات الأمريكية، وقد هاجم في هذه العملية تسعة أفراد من طالبان لمدة 46 ساعة أكبر القواعد العسكرية في الجنوب الأفغاني، فخلَّفوا خلفهم حصيلة ثقيلة تقدر بأكثر من ثلاثمائة 300 قتيل من القوات الأمريكية وعملائهم، فضلا عن تدميرهم للبنية التحتية للقاعدة العسكرية، وعدد من الطائرات والآليات الرابضة في مطار القاعدة، مع أن الطالبان قد نفذوا في الشتاء القارس المنسلخ مجموعة من الضربات القوية المثخنة للجيش الأمريكي وعملائه في (القرية الخضراء) في كابل، وكذلك في ولاية “فارياب”، حيث تم استهداف رتل كامل للقوات الأمريكية يتكون من أكثر من ثمانين آلية عسكرية تم تدميرها بالكامل، وقتل وجرح على إثرها ما لا يقل عن خمسين فردا من القوات الموالية لحلف الناتو.

كما كانت عملية الهجوم على القوات الخاصة والاستخبارات بـــ “وردك” في أواخر شهر يناير الماضي؛ والتي نفذها ثلاثة أفراد فقط من كتيبة الردع الإنغماسي التابعة لقوات الإمارة الإسلامية، هي قاصمة الظهر للجيش والاستخبارات الأفغانية، حيث راح ضحيته نحو من مائتي 200 قتيل من وحدة القوات الخاصة وضباط الاستخبارات التابعة لنظام كابل، والتي تمثل البوابة الجنوبية التي تحرس العاصمة كابل، وقد اقتلع الطالبان هذه البؤرة من أساسها والتي كان يتم فيها الإعداد للإنزالات الليلية في أربع ولايات أفغانية متاخمة لكابل، ومن تمام نضج وعمق فهم السياسة الطالبانية أن هاتين العمليتين والتي ختموا بها سلسلة عمليات الخندق، كانتا قد نفذتا في ذات الوقت الذي تجلس فيه القيادات الطالبانية على طاولة المفاوضات مع المندوبين الأمريكان في الدوحة، ويكفي المتابع للتعرف على مزيد من الحال الأمريكي الحرج في أفغانستان أن يعلم أن قائد القوات الأمريكية في أفغانستان قد أصبح بفعل الضغط الطالباني والحرب النفسية؛ جنديا يحمل السلاح بنفسه لحراسة نفسه وحراسة من حوله من الجنود الأفغان من خطر الطالبان الذي اخترق سائر حصون الناتو المحصنة عسكريا، وليقرأ المحلل الفطن، والسياسي اليقظ ما توحيه صورة “الجنرال سكوت ميلر” قائد القوات الأمريكية ومهمة الدعم الحازم، في زيارته لولاية “غزني” قبل أسابيع وهو يحمل سلاح الجندي الأمريكي العام: بندقية (M16)، بينما سائر الجنود الأفغان من حوله عُزَّلٌ بلا أسلحة !! وهذا يظهر حجم المعاناة الأمنية وضغطها النفسي.
فهل أبصر التأريخ الأمريكي يوما ما قائدا من قواد قواته في زيارة مدنية يحمي نفسه بحمل سلاح أصغر جندي من جنوده؟
حقا لقد نجح الطالبان في اختيار سياسة البقاء في موقع الهجوم، والمبادرة الخاطفة لتدمير واحتلال الإرادة العسكرية الأمريكية، وأوصلوا الإدارة الأمريكية إلى حالة من اليأس لا يحسدون عليها، وأصبحت دول العالم الكبرى تخطب ود الطالبان، وتحرص على إقامة العلاقات للتفاهم على مرحلة ما بعد الفرار الأمريكي، ويبقى أن نلفت نظر القيادة الطالبانية إلى أن مرحلة المفاوضات هي أخطر مرحلة سياسية وعسكرية يمرون بها اليوم، ولهذا فهم بحاجة إلى حذر شديد ومعرفة بسبيل المكر الأمريكي الغربي.
وأخيرا؛ فمع انطلاق شرارة عمليات (الفتح) الربيعية ليس لنا بصفة كوننا مهتمين بالشأن الأفغاني السياسي إلا أن ننتظر سماع صافرات الهروب الكبير من كابل، ونرمق بأعيننا وأبصارنا حينئذ سطحَ السفارة الأمريكية بكابل لنرى هل سينال الدمية أشرف غني وعبد الله عبد الله مقعدا في طائرات الهروب الكبير، أم أن عاقبتهم كعاقبة أشباههم في “فيتنام” ؟؟