مجدد القرن الخامس عشر الهجري

قتيبه خاكسار

 

الحمدلله الذي فرض الجهاد وجعله ذروة الإسلام، والصلاة والسلام على من جاهد وبيّن أحكامه بوجه تام، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا حق جهاده، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم التناد. وبعد:

بات الجميع يعرفون مناقب أمير المؤمنين الملا محمد عمر رحمه الله وصفاته لتداولها بين النّاس، إلا أنّ كاتب هذه السطور يريد أن يشير إلى جانب من حياة أميرنا الراحل رحمه الله، كي يقتفي آثاره الشعور ويتعلموا الشجاعة والإقدام، وينقذوا أنفسهم من نير الكفار وعبوديتهم.

لقد كان أمير المؤمنين الملا محمد عمر رحمه الله أوان الغزو السوفيتي من أحد المجاهدين البواسل، وأبلى في ذلك بلاءً حسنًا حيث فقد إحدى عينيه، وبعدما احتلّ الأمريكان الغاصبون ديارنا لم يكن مجاهدًا وزعيمًا للشعب الأفغاني فحسب، بل لقّن جميع المسلمين وجميع الشعوب دروسًا في الشجاعة والإقدام والشهامة والإباء أمام المتصلفين والمتكبرين وفراعنة العصر، دروس ربما نسيها الكثيرون وامحت من أذهانهم نتيجة سيطرة الكفار.

وقد كان الفقيد أميرنا وأمير المؤمنين مجددا في هذا القرن، بإحيائه أصلًا ومبدأ وهو أنّ البلاد الإسلامية إذا احتلها الكفار ويقوّضوا حكومة إسلامية، يلزم لمسلمي تلك البلاد المحتلة بأن لا يرضوا لسلطة الكفار، ويبايعوا أميرًا تقيًا ذا رأي لا ينحرف عن الحق، ويقوم ذلك الأمير بتعيين القضاة لحلّ مشاكل الشعب، ويسعى لرقي البلاد بكامل الإخلاص، وينظمّ صفوف الجهاد لدفع العدوّ الصائل.

يقول الله عزوجل: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) – الانفال: ۵۷

ويقول أيضًا: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) – توبه: ۳۶

أي قاتلوا تحت إمرة أمير واحد لدفع العدوّ الصائل واقتلوا المحاربين الذين يحاربون الدين والإسلام ولا سيما الذين أرادوا احتلال بلادكم إلى أن يتفرق جمع الكفار والمنافقين ولا يجترؤوا بأن يحتلوا بلاد المسلمين.

كتب صاحب فتح القدير،في كتاب أدب القاضي ۲۴۶/۷: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ وَلَا مَنْ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْهُ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ كَقُرْطُبَةَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ الْآنَ وَبَلَنْسِيَةَ وَبِلَادِ الْحَبَشَةِ وَأَقَرُّوا الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجْعَلُونَهُ وَالِيًا فَيُوَلَّى قَاضِيًا أَوْ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَكَذَا يُنَصِّبُوا لَهُمْ إمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ .

وجاء في ردالمحتار،كتاب القضاء، مطلب: في حكم تولية القضاء في بلاد تغلب عليها الكفار ۵۲/۸ بعدما ينقل قول فتح القدير المذكور وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إلَيْهِ فَلْيُعْتَمَدْ نَهْرٌ،وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا إلَى مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْفَتْحِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ مِنْ كَافِرٍ عَلَى خِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَكِنْ إذَا وَلَّى الْكَافِرُ عَلَيْهِمْ قَاضِيًا وَرَضِيَهُ الْمُسْلِمُونَ صَحَّتْ تَوْلِيَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ تَأَمَّلْ،ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي لَيْسَتْ تَحْتَ حُكْمِ سُلْطَانٍ بَلْ لَهُمْ أَمِيرٌ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالتَّغَلُّبِ أَوْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ الْأَمِيرُ فِي حُكْمِ السُّلْطَانِ فَيَصِحُّ مِنْهُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ.

ولو قبل معظم المسلمين في البلاد المحتلة سلطة المحتل، ولا يجتمعوا تحت إمرة أمير واحد لقتال المحتلين، يلزم على الزعيم الأبي المخلص أن يجمع حوله الأباة المخلصين لتحرير الوطن، يعني يجعل نفسه أميرًا لهم ولا يترك الوطن يرزح تحت الاحتلال إلى الأبد ويجاهد معهم لاسترداده، ولا يفسح المجال للشرك وأهله، والخرافات والخزعبلات، ولا يتركوا المحتلين يفسدون في الأرض المحتلة ويقتلوا أهلها، أو يرتد أهلها ويتربى أهلها في أحضان الكفر.

وقد جاء توضيح هذا الأمر في حديث البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه ۱۶۷/۱ و كتاب المغازى، باب غزوة موتة ۶۱۱/۲ :عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّه أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثمَّ أَخَذَ هَاجَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَتَذْرِفَانِ ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ.

وجاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال، باب مايكره من الحرص على الإمارة ۲۱۸/۸: وأما إن حرص على القيام بأمرضائع من أمورالمسلمين أوحرص على سد خلة فيهم،وإن كان له أمثال فى الوقت والعصر لم يتحركوا لهذا،فلا بأس أن يحرص على القيام بالأمر الضائع ولا يتهم هذا إن شاء الله.وبين هذا المعنى حديث خالد بن الوليد حين أخذ الراية من غير إمرة ففتح له .

وفي عمدة القاري، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه۸/۳۴: وفيه جواز تولي أمر القوم من غير تولية إذا خاف ضياعه وحصول الفساد بتركه وقال الخطابي لما نظر خالد بعد موتهم وهو في ثغر مخوف وبإزاء عدو عددهم جم وبأسهم شديد خاف ضياع الأمر وهلاك من معه من المسلمين فتصدى للإمارة عليهم وأخذ الراية من غير تأمير وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين فرضي رسول الله فعله إذ وافق الحق وإن لم يكن من رسول الله إذن ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير فصار هذا أصلا في الضرورات إذا وقعت من معاظم أمر الدين في أنها لا تراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضرورة.

وخلاصة هذا أنّه يجوز للأمير أن يؤمّر نفسه عند الضرورة، ولكن الأمير الراحل اضطلع أعباء المسؤولية الجهادية بطلبة العلماء وشورى الحل والعقد، وأحيى أصلًا إسلاميًا أصيلا، وجاهد في سبيل الله إلى أن لقي الله وهو على ذلك، وجهاده قائم حتى الآن ولقّن مسلمي العالم درسًا في مقاومة المتصلفين والمستكبرين.

وعلى هذا الغرار يكون أمير المؤمنين مجدد القرن الخامس عشر الهجري، وفقا لهذا الحديث الشريف: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا».سنن ابى داود،كِتَاب الْمَلاَحِمِ، بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي قَرْنِ الْمِائَة ۲۴۱/۲ ، مستدرك ۵۱۲/۲.