هل يريدون السلام حقا؟!

صلاح الدين مومند

 

في الآونة الأخيرة أعلنت الإمارة الإسلامية عمليات الفتح تيمنا باسم الفتح المبين الذي قال تعالى في شأنه 🙁 إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) فهذا الفتح المبشر به في نظر المفسرين اما فتح مكة او قبل ذلك صلح الحديبية المباحثات التي اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، واعتبرت النبي والمسلمين أندادا لها. فتصالحت معهم صلحا أصبح فيما بعد السلام الذي كان ينشدهم جميعا وكان الفتح أنذاك بشرى لرسول الله [ صى الله عليه وسلم ] كان فتحا في الدعوة فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال. فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا، فتفاوضوا في الحديبية وأتـت المفاوضات فيما بعد بالفتح الكامل والشامل ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح المبين يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية،وفي تاريخ الإسلام وقوته.

و اليوم تجري مفاوضات الفئة المؤمنة مع المحتلين الغزاة وفي نفس الوقت عمليات الفتح المبارك لطردهم عنوة عن بلادنا بقوة إن لم ينسحبوا با لصلح والمسالمة لأننا نحتاج للسلام الدائم والشامل وقد عشنا أحرارا في سلام منذ قرون فقد

عشنا اعزاء مل الأرض ما لمست *** جباهنــا تربها الامصلــــينا

 

فيكون بعد انسحاب المعتدين المصالحة بين الأخوة بني جلدتنا تحت راية الاسلام وضوء الشريعة المحمدية وكما قلنا مرارا من علي منبر هذه المجلة إن الإمارة الإسلامية أُسِست لاستباب الأمن والسلام وإصلاح ما أفسده الآخرون في البلاد فهي لا تريد إهراق الدماء وإحراق الأرض وإهدار الممتلكات وهتك الحرمات. وكان من منجزاتها في بدو الوهلة ؛ توحيد الأراضي للبلاد، والقضاء على الفساد بكل أنواعه، وجمع الأسلحة وحصرها في الأيدي الأمينة، والقضاء على طبقة المجرمين وأمراء الحرب، وإنشاء المحاكم، وإيجاد نظام إداري لا يشوبه فساد، والقضاء علي زراعة المخدرات، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وانتشارالعدل والأمن في كافة أرجاء البلاد، وإيجاد المراكز الخيرية، وتأسيس المدارس والمساجد والمستشفيات والمراكز الدينية والتعلمية، والأهم من ذلك إعادة الأمن والاستقرار والصلح والسلام إلى ربوع البلاد.

حقا إن الإمارة كانت لاستتباب الأمن والسلام، وهذا دأبها، ولا زالت تسعى لإيجاد صيغة تسنح للمحتلين الانسحاب بلا قيد وشرط، لكن للأسف أن هناك عقبات في طريق المصالحة ودرب السلام أولها إن القوات الأمريكية تواصل تدريب العملاء وتشاركهم في القتال على الأرض، وضرب عناصر الامارة الاسلامية والمدنيين العزل من الجو، والمداهمات الليلية شبه يومية وقتل الآبرياء وأسر المظلومين لزجهم في زنازين وراء أسوار المعتقلات وكل ذلك في مسعى لاجبار الإمارة الإسلامية نحو تسوية سياسية.

وكذلك رئيس الحكومة العميلة أشرف غني الذي يسعى حثيثا بكل الوسائل المتاحة أن يعرقل المصالحة الوطنية والمفاوضات بين الإمارة والأمريكان وقد دعا أخيرا لويا جيرغا ليمدد فترة رئاسته التي تنتهي في 22 مايو الحالي وقد أجاب أعضاء لويا جيرغا مأموله ورفضوا الحكومة المؤقتة التي تطالب بها منافسي رئيس حكومة كابول للرئاسة وكثير من السياسين، أختير أعضاء جيرغا من المقربين منه لطرح الخطوط الحمراء العريضة بزعمهم لمعاييرالصلح مع طالبان ومثاله ما قال أحد المدعوين عضو اللجنة باسم فيض الله جلال في كلمة أمام القمة: “لا نريد سلاما لا يتضمن احترام حقوق المرأة وضمان حرية التعبير وعقد الانتخابات” وكذا طالب رئيس لويا جيرغا عبد رب الرسول سياف بشأن حقوق النساءفقال: “إن أي مصالحة لن تقضي على ما أحرزته بلادنا خلال 18 عاما الماضية من الإنجازات”.

ولكن للأسف الشديد ما تفوه أحدمن أعضاء لويا جيرغا بالجرائم التي ارتكبتها الغزاة طيلة الأعوام المذكورة وأمطرت علي عامة الشعب أطنان من القنابل القاتلة الفتاكة وقاموا بقصف القري والمساجد والمدارس حتى حفلات الأعراس وتخرج الفضلاء والحفاظ الكرام فقتلوا مئات وآلاف من الشعب الأعزل فضلا عن المقاومين في مداهمات ليلية وغارات عشوائية وكأنهم لايفهمون الا لغة الحرب والقتال.

والعقبة الأخرى إنه متزامنا مع اختتام أعمال لويه جيرغا في نفس اليوم قال زلمى خليل زاد، فى تغريدة على تويتر: ” شددت على طالبان بأن إخوانهم وأخواتهم من الشعب الأفغانى يريدون للحرب أن تنتهي حان وقت إلقاء السلاح ووقف العنف وتبنى السلام”.

 

ونبهه متحدث الإمارة ذبيح الله مجاهد فى تغريدة فقال:” على الولايات المتحدة أن تكف عن تكرار الاستراتيجيات الفاشلة توقعا لنتائج مختلفة وأن من الأفضل أن يتحلى خليل زاد “بالشجاعة ويسمى الأشياء بمسمياتها ويقبل بالأمر الواقع”.

 

اختتم لويا جيرغا وتضمّن البيان الختامي قراراً مؤلفاً من 23 نقطة تُحدد معايير اتفاق سلام مع طالبان ويشير الى حماية الدستور ” وحقوق المرأة ” وقال المندوبون في ختام المؤتمر إن “على حكومة أفغانستان وحركة طالبان إعلان وتنفيذ وقف فوري ودائم لإطلاق النار ثم أكد أشرف غني من جهته أنه “مستعد لتنفيذ وقف إطلاق النار، لكن شدد على أن ذلك لا يمكن أن يتم من “طرف واحد” فقط.” فهل هم جادون فيما يقولون؟ وهل هم يريدون السلام حقا؟.

مع كل هذه العقبات الكؤدة والخطوط الحمراء العريضة والاظهارات التحريضية تواصل الامارة الاسلامية مفاوضاتها مع المبعوث الأمريكي خليل زاد وتعلم الإمارة أن الإسلام يدعو للسلام وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما رد يدا امتدت إليه بسلام، لأن السلام هو منهجه وخلقه اللهم إلا إذا كان على حساب الدين وقيمه وفضائله فهو سلام مرفوض واستسلام مهين حذر منه رب العالمين بقوله: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم….).

وممّا لا شكَّ فيه أنَّ جميع الناس يبحثون عن الأمنِ والأمانِ ليستطيعوا العيش دونِ خوفٍ وفزعٍ؛ حيث يُعتبر الخوف من أكثر الأمراض النفسيّة التي تُهلِك صاحِبها لأنه يمضي حياته في الترقّب وانتظار المجهول. حثَّ ديننا الحنيف على السَّلام في جميع الأحْوالِ، واعتبرَه الحل الأول في أيّ نِزاعٍ. ويرتكِزُ جوهرُ الإسلام على حقيقةٍ واضحة هي: أنه دينُ سلامٍ، وليس دين استسلام، فهو يسلُكُ سبيله إلى السلام مِن مركز القوة، وبدون القوة يكونُ الطريق إلى السلام طريقًا إلى الاستسلام، الذي به تَضيع الحقوق وتُنتَهك الحُرُمات! في ضوءِ هذه النظرة المتكاملة تحقَّقتْ للإسلام المُرونةُ والحيوية، والقدرة على التلاؤم مع كل زمان ومكان، ومع كل ظروف الحياة المتغيِّرة.

وإذا تتبَّعنا حياةَ الرسول صلى الله عليه وسلم قبلَ الهجرة وبعدها في مكة والمدينة، رأينا بوضوحٍ تلك النظرةَ المتكاملة الواقعية الذكية إلى السلام، والمتتبِّعُ لآيات القرآن الكريم يرى بوضوحٍ تعميقَ تلك النظرة في نفوس المسلمين كجزءٍ مِن عقيدة سَمْحةٍ تدعو إلى السلام عن حبٍّ له وثقة به، ولا تدعو إليه عن خوف مِن الحرب وما تجرُّه على المتحاربين من ويلاتٍ.

يسعى الإسلامُ دائمًا في تشريعه إلى أن يعيشَ الإنسانُ مطمئنًا بسلام، لا يُعكِّر صفوَ حياته أيُّ اضطراب أو خلل، باعتباره دينَ الفطرة الذي تُوافِقُ تشريعاتُه النفسَ البشرية السَّوِية التي تميلُ إلى السلم، وتسعى إليه وتعمل على استمراره. إقرار السلام لا يعني انتفاء الحرب تماماً، بل إن الحرب وضعت في الشريعة لإقرار السلام وحمايته من المعتدين عليه، وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين المؤمنين بأن يقاتلوا في سبيله، وأمرهم بأن يقاتلوا المعتدين وينصروا المعتدى عليهم الآمنين المسالمين.

لقد غرَسَ الإسلام بَذرةَ السلام في نفوس الأفراد، السلام الإيجابي الذي يرفع الحياةَ ويرقيها، لا السلام السلبي الذي يرضى بكلِّ شيء ويدع المبادئ العُليا تُهدَم في سبيل العافية والسلامة.

الإسلام والسلام يجتمعان في توفير السكينة والطمأنينة ولا غرابة في أن كلمة الاسلام تجمع نفس حروف السلم والسلام، وذلك يعكس تناسب المبدأ والمنهج والحكم والموضوع ومما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء سلاماً ورحمةً للبشرية جمعا فقد قال تعالى شأنه:

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.

صدق الله العظيم.