شهر البطولات والانتصارات

أبو صلاح

 

شهر رمضان، شهر الجهاد والسيف والانتصارات، شهر الفتوحات الإسلامية، شهر الرحمة والعفو والغفران، شهر التضحيات والجود والإخاء، شهر التسامح والتعاطف والتعاضد، شهر المودة والتقارب لرب السماء، شهر بدرِ وفتح مكة، شهر المعارك المفصلية في تاريخ الإسلام، معركة القادسية وعين جالوت وحطين والأندلس وقائمة طويلة من الانتصارات طوال التاريخ.

يقول أحد الدعاة: إن شهر رمضان لم يشرعه الله -عز وجل- للقعود والتخلف عن ركب الجهاد والحركة والدعوة إلى الله، ولم يشرعه كذلك للتحجج به عن التفلت من الالتزامات الوظيفية أو الاجتماعية، بل إنه شهر نشاط وحركة، وفتوحات وانتصارات، فغالبية الهزائم التي لحقت بالشرك وأهله على أيدي المسلمين كانت في شهر رمضان المعظم، وهذا كافٍ لأن ينفض عنا غبار الكسل والدعة والخمول.

ولكننا مع الأسف نلحظ في المسلمين حالة غريبة عليهم من تضييع الحقوق في رمضان، والتملص من أداء الواجبات، والهروب من المسؤوليات، بحجة الصيام، ومقولة: “إني امرؤ صائم” صارت فزَّاعة يشهرها كل طالب أو موظف أو رب أسرة أو داعية متكاسل يود الهروب مما هو مكلف بأدائه من حق دراسته أو وظيفته أو أسرته أو دعوته، وتحول شهر الصيام في حس الكثيرين من شهر انتصارات إلى شهر انتكاسات، يُنام نهاره دفعًا للشعور بالجوع والعطش، ويسهر ليله على المعاصي استعدادًا للنوم في النهار.

إن الخطباء والدعاة إلى الله تعالى عليهم دور أساسي في بعث هذه المعاني العظيمة في نفوس المدعوين، وتبصيرهم بمدى ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعوهم والسلف الصالحون من بعدهم من همة عالية، وعزيمة قاربت الجوزاء، ونشاط ضرب الرقم القياسي، فرمضان يعطينا دفعة للأمام لا للوراء؛ لإتقان العمل، والجد والاجتهاد في السعي والضرب في الأرض، بتأدية الأعمال على وجهها الأكمل، والدعوة إلى الله بعدم تفريط ولا تقصير، والجهاد في سبيل الله بكل ما أوتي المجاهدون من قوة وعزيمة من حديد؛ منطلقين من إيمانهم بعقيدتهم، وتفانيهم في نصرة دينهم، واستفراغهم الوسع في الذب عن هذا الدين، لا سيما وهم يؤدون أسمى العبادات، وأرقاها، وأميزها، عبادة الصيام، التي ترتفع فيها الروح لتعانق النجوم؛ لتسجد تحت العرش، حتى تسمع ملائكة الرحمن قرقرة البطون جوعًا، وتحس بيبس الحلوق عطشًا، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ * يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

وقد فهم المسلمون عبر مسيرتهم المباركة أن شهر رمضان شهر جهاد وعمل متواصل ، لا شهر نوم وخمول وكسل ، وأنه لا تعارض بين العبادة والتهجد لله تعالى وبين الجهاد وإعلاء كلمة الله لتحقيق معاني الاستخلاف على هذه الأرض ، ففي هذا الشهر تهب نسائم التقوى ورياح الإيمان وتتعالى صيحات الله اكبر فتزلزل عروش الطغاة ، ويُتَنَزَّل النصر من عند الله تعالى على قلة العدد والعدة على كتائب المجاهدين التي تربت في محاريب الإيمان ومهاجع الليل.

ومن هذا المنطلق ينبغي للمجاهدين أن يركزوا باستهداف العدوّ أكثر فأكثر، ويستعدّوا للتضحية والبسالة والاستشهاد أكثر من الشهور المنصرمة، ويكبّوا على جهادهم، وتقويض قوائم الاحتلال، فكما أنّ فتح مكة كان في هذا الشهر الكريم، نرجو من الله تعالى أن يمنّ علينا بالفتح المبين كما تفاءل المجاهدون بتسمية عملياتهم الربيعية بالفتح، والله قادر على ذلك.