ترامب .. خطة واحدة، من فلسطين إلى أفغانستان

أ. مصطفى حامد المصري (أبو الوليد المصري)

 

– طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط، بل جعلوا من تحقيق المشروع الإسرائيلي في بلاد العرب موضع شك.

– أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها من دول المنطقة. كما تولت الإمارة عمليا أكثر مهام الحكم داخل بلادها.

– نظام كابول يعيش درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته لصالح صفقات تسوية لأوضاع كبار مسئوليه مع الإمارة الإسلامية.

 

(ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا):

يقف الرئيس الأمريكي كي يعلن منح إسرائيل ما يشاء من أراضي العرب ومقدسات المسلمين من القدس إلى الجولان المحتل. وهو ماض في رسم خرائط دول العرب، والسطو على ثرواتهم وتقرير حاضرهم، وما تبقى لهم من مستقبل.

هو يفعل ما يشاء في جغرافيا العرب وتاريخهم، ويعيد تشكيل عقائدهم بما يخدم إمبراطورية يهودية في طور التشكيل، أوشكت على الانتهاء في بلاد العرب بمقدساتها الثلاث. وتتكلم قيادات إسرائيل عن إمبراطورية عالمية تنطلق وترتكز على إمبراطوريتهم العربية. مجال تلك الإمبراطورية يطال أفغانستان، لتهدد منها الصين وروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى.

الجهاد في سبيل الله كان حبل النجاة الذي عصم به الله شعب أفغانستان من الضياع والاندثار بفعل قوة الكافرين وأعوانهم.

– فشلت مكائد عملية التفاوض التي كان من أهمها مكيدة وضع السلاح، والخضوع لنظام الحكم الاستعماري في كابول تحت شرعية دستور كتبه المحتلون ليضمن مصالحهم ويضعف الإسلام ويستبعده تمامًا من مجالات العمل. ويترك ثروات أفغانستان في أيدي أمريكا وشركاتها الكبرى وبعض عملائها الصغار. ويتبقى الفقر والجهل والمرض من نصيب شعب أفغانستان، ويكفيه المئات من وسائل الإعلام التي تسحق دينه وتقاليده بهدف تحويله إلى شعب آخر، قابل للاستعمار فاقد للقيم الدينية والاجتماعية.

– النظر إلى ما يجري في فلسطين يرشدنا إلى طريقة عمل العدو في أفغانستان. فالولايات المتحدة التي تقاتل الشعب الأفغاني هي إسرائيل الكبرى التي تحمي وتساند اليهود في احتلال فلسطين وتشريد شعبها، ثم تمارس إذلال العرب ونهب ثرواتهم وتعيد رسم حدود الفصل بين أمتهم الواحدة، وتجزئتهم إلى أكبر عدد من الكيانات الهزيلة التي لا تصلح لشيء إلا لخوض الصراعات العقيمة فيما بينها.

– وكما في أفغانستان، تطالب الولايات المتحدة الفلسطينيين بترك السلاح. على أن يتولى الجيش الإسرائيلي حماية الشعب الفلسطيني في مقابل أموال تدفعها له الدول العربية النفطية. وأن يتفاوض العرب مع إسرائيل حول مقدار تلك الجزية .( تفاوض للاتفاق على مقدار الجزية المدفوعة لليهود، وليس مفاوضات حول جلائهم عن فلسطين).

تفرض أمريكا في مقترحاتها ـ صفقة قرن أو قرن الصفقات ــ على المجاهدين الفلسطينين تسليم أسلحتهم للسلطات المصرية (التي تشارك اليهود في حصار غزة منذ سنوات ). وبدلا عن الجهاد بالسلاح، سوف يحصل المجاهدون (منزوعي السلاح) على رواتب شهرية من دول النفط العربية (!!) .

ترامب يطلب من العرب أن يدفعوا أموال للجيش الإسرائيلي ثمنا لحمايته للفلسطينيين. ويطلب من المجاهدين الفلسطينيين وضع السلاح في مقابل رواتب شهرية يدفعها لهم إخوانهم العرب!!. التنظيمات الجهادية الفلسطينية التي ترفض العرض الأمريكي، سوف يكون قادتها عرضة للاغتيال { وحسب قول الأمريكيين فسوف تدعم الولايات المتحدة إسرائيل في إلحاق الأذى الشخصي بقادة تنظيمي حماس والجهاد الإسلامي}. وذلك يتطابق مع الموقف الأمريكي من حركة طالبان وقيادتها السياسية والعسكرية. فعندما رفضوا إلقاء السلاح في مقابل رشاوي مالية، أعطت الولايات المتحدة أوامرها لأصحاب شركات المرتزقة كي يطلقوا كلابهم المسعورة خلف قادة الجهاد لاغتيال من تستطيع منهم .على أمل أن يغير ذلك من موقفهم العقائدي إزاء الجهاد، وأن يلين موقفهم التفاوضي، أو أن تأتي قيادات جديدة تكون أكثر ليونة واستجابة لمطالب المحتلين.

في ذلك غباء مطلق، لأنه خلال فترة الجهاد الماضية تم استبدال معظم قيادات الإمارة الإسلامية في كافة مستويات العمل الجهادي، بسبب الاستشهاد في غالب الحالات. فماذا كانت النتيجة ؟؟، لقد كانت اكتساب المزيد من القوة والتصميم على مواصلة الجهاد.

– والآن أصبحت الإمارة الإسلامية قوة إقليمية معترف بها كأمر واقع، ورغم أنها لم تتول بعد مقاليد الحكم بشكل رسمي، إلا أنها تولت عمليًا الكثير جدًّا من صلاحيات الحكم داخل بلادها، حتى أن الكثير من كبار قادة النظام الحالي وكوادره الفاعلة قد عقدوا صفقات تسوية لأوضاعهم لما بعد رحيل جيوش الاحتلال الأمريكي. أي أن نظام كابل يعيش حاليا درجة عالية من التجريف لقواعده وأساساته.

والنتيجة هي أن ولاء الجنود ينتقل تدريجيا إلى الطالبان، والكثير منهم يفضلون التعاون مع الإمارة الإسلامية من داخل وحداتهم العسكرية، إلى حد القيام بهجمات من الداخل ضد الخبراء الأجانب أو الضباط الذين تمادوا في التعاون مع الاحتلال.

هذا بينما الولايات المتحدة اعترفت “بعدم قدرتها على كسب حرب أفغانستان” . وتقول ذلك تفاديا لذكر كلمة (هزيمة عسكرية) التي هي واقع حالها في ذلك البلد الذي تنفق فيه ميزانية حرب مقدارها 45 مليار دولار سنويا .

 

أفغانستان بداية الشرق الأوسط الجديد:

كانت حرب أفغانستان هي طلقة البداية لحملة صليبية على العالم العربي، لبناء (الشرق الأوسط الكبير أو الجديد)، وهو كبير لأنه تخطى العالم العربي ليصل إلى الأطراف الإسلامية من حوله، والتي تشمل إيران وأفغانستان. كما كان من المفروض أن تتحول تركيا إلى جمهورية عسكرية بانقلاب يجعلها دولة جنرالات يخدمون إسرائيل بشكل عنيف ومباشر كما هو حادث في عدة بلدان عربية. حرب أمريكا على أفغانستان كانت خطوة أولى وكبيرة لتحويل البلاد العربية إلى شرق أوسط جديد، تقوده إسرائيل التي تحميها القوات الأمريكية.

فشل أمريكا في إخضاع أفغانستان جعل “الشرق الأوسط” غير مستقر، فأمريكا قفزت إلى مركز الأحداث في العالم العربي بينما بشائر هزيمتها في أفغانستان واضحة.

طالبان أفغانستان لم ينقذوا بلادهم فقط، بل جعلوا تحقيق المشروع الإسرائيلي في بلاد العرب موضع شك، وقابل للانهيار في أي وقت، خاصة إذا تذكر أكثر العرب أنهم معنيون بفريضته الجهاد، وأنها لم ترفع عنهم، ولن ترفع حتى قيام الساعة.

منذ غزو أفغانستان، وأكثر نشاط أمريكا السياسي والعسكري في العالم هو من أجل التمهيد لإمبراطورية عالمية لليهود يديرونها من”القدس” .

وبالمثل فإن النشاط الأمريكي في كل الشرق الأوسط كان لإعادة صياغة ذلك الشرق العربي وتحويله إلى شرق خاضع ليهود إسرائيل .

 

الضمانات:

الضمانات مجال آخر للتشابه الكبير بين السلوك الأمريكي في مفاوضات أفغانستان، وبين سلوك إسرائيل مع ضحاياها من العرب.

فأمريكا تطالب في مقابل قبولها بالانسحاب من أفغانستان، أن تقدم لها الإمارة الإسلامية ضمانات بأن لا تستخدم الأراضي الأفغانية منطلقاً لأعمال تهدد أمن أمريكا أو أصدقائها. أي أن المحتل الذي دمّر أفغانستان وقتل مئات الألوف من شعبها، يطالب بضمانات لأمنه إذا انسحب بعد أطول حرب عدوانية خاضها في تاريخه.

من جهتها، إسرائيل في شرقها الأوسط الجديد تطالب ضحاياها بضمانات تزيل مخاوف شعبها بأنه غير معرض للتهديد(!!). أي أن ضحايا إسرائيل مطالبون بضمان أمنها، وبطمأنة سكانها، وإزالة مخاوف جيشها الذي هو الأقوى من جميع دول الشرق الأوسط، وحتى أقوى من كل الدول التي على محيط ذلك الشرق الأوسط الوسيع.

وكما في أفغانستان عملاء يطالبون بطمأنة المحتل المعتدي. هناك بين العرب من يرى حقا لإسرائيل أن يقدم لها العرب فروض الطاعة والخضوع تحت مسمى ضمانات الأمن. ليفتح جميع المجالات أمامها من الأمن إلى الاقتصاد إلى الثقافة، إلى المقدسات الإسلامية التي ستصبح متاحة أمام الإسرائيليين ـ كخطوة أولى ـ وبعدها تصبح ملكا خاصاً لإسرائيل، تديرها كما تشاء وفق مصالحها السياسية وعقائدها ـ كما يحدث الآن في المسجد الأقصى، المرشح للإزالة والبناء فوق أنقاضه هيكل هو من أوهام نصوصهم “الدينية ” المزيفة.

ومكة المكرمة يدفعونها بالتدريج صوب الاستغلال السياسى لقيمتها الدينية والمعنوية، لتكون منصة للدعوة إلى التطبيع مع المستعمرين اليهود وليس الجهاد لطردهم من أراضي المقدسات الإسلامية، ومن جميع أراضي المسلمين التي يعيثون فيها فساداً.

– بلادنا ومقدساتنا لن يحميها المستعمر، من أن يقف رقيع مثل ترامب ليقول أنه (فقد عجيزته وهو يدافع عن الملك !!) . فيضحك ومن خلفه جمهور تزداد نشوته كلما تدفقت الإهانات من فم السفيه ترامب وهو يكيل التحقير لأذلاء يعتقدون أنهم يمثلون الإسلام الذى يكرهه ترامب، خاصة عندما يقول في ليونة رقيعة ( أنا أحب الملك !!) .

– ويقف وزير عربي يتمطى قائلا إن على الدول العربية أن تطمئن إسرائيل على مستقبلها، وأن تبدد مخاوفها. ثم يسعى زملاؤه لإقناع الإمارة الإسلامية خلال معركة التفاوض أن تمنح المعتدي المحتل ما يحتاجه من ضمانات بعدم اعتدائها عليه مستقبلا. وكأن الإمارة هي التي اعتدت عليه في البداية.

يطلبون ومن الإمارة الإسلامية العمل في أفغانستان، ليس وفقاً للشريعة الإسلامية ـ بل وفق الدستور الذي وضعه خبراء جيش الاحتلال، فيما يشبه وضع العراق الذي يسير الحكم فيه وفق دستور جعل من العراق بلدًا لا قرار سياسي له، ولا استقرار فيه ولا اجتماع حول أى شيء. وفي فلسطين نرى دستور الحكم الذي وضعه الاحتلال يجعل من العرب المقيمين هناك لا يتمتعون بحق المواطنة المنحصر في اليهود فقط، باعتبار إسرائيل وطن قومي لهم دون غيرهم . تلك هي دساتيرهم لحكمنا، فلا خير فيها عاجلا أو آجلا .

وفق صفقة أمريكا لهذا القرن فإنها تطلب من الشعب الفلسطيني بالتنازل عن أرضه ومقدساته وكامل حقوقه، في مقابل مكافئات سخية يدفعها له أثرياء العرب”!!” لإنعاش إقتصاد الشعب الممزق والضائع . إنها صفقة لبيع أقدس البلاد في مقابل أنجس الأموال.

– في أفغانستان فإن الضمانات الحقيقية المطلوبة هي ضمانات يقدمها المحتل الأمريكي بأن لا يكرر حماقته بالعدوان على أفغانستان مرة أخرى. وأن يقدم إلى جانب الاعتذار الرسمي تعويضات حرب عما لحق بالشعب الأفغاني من أضرار.

عندها يمكن أن يحصل المحتل على ضمان من الإمارة الإسلامية بتركه ينسحب بأمان، وفق جدول زمني متفق عليه . فلا أحد يمكنه ضمان سلامة قوات الاحتلال أثناء فرارها من أفغانستان بدون اتفاق مسبق.