ذكريات وانطباعات عن أبطال فراه (الحلقة الثانية)

صارم محمود

 

إن عالم الجهاد عالمٌ لا یدرك كنهه إلا مجاهد صادق خاض غماره، وسبر غوره سنوات طويلة، فإن لمراراتها حلاوة، ولصعوباتها لذة، ولخلواتها سعادة لايفهمها إلا هو، فما أصاب من قال: لو علم الملوك ما كنّا عليه لجالدون عليه بالسيوف.

نعم، لا يدرك الإنسان معنى هذه الكلمات إلا أن يعیشها واقعا في حياته؛ لا يدرك معنى الجهاد ولایصدّق ما قرأ عنه من الأعاجيب والقصص التي تشبه بالنسبة لمن لم يخض غماره بالأساطير والأحلام إلا بعد ما غبّر قدماه بغباره، وكلّف نفسه ليذوق وعثاء الطريق، وعلقم الميدان؛ ليری تلك الخوارق عن كثب، ویلمس تلك الحوادث الجسام العجيبة العملاق بكلتا يديه.

والله إن للشهادة لهفة لا يمكن أن تعبر عنها الكلمات، وإني أرى ريشة قلمي عاجزة من أن تنسج تلك اللهفة، والحال الانتعاشية التي يعيش عليها المجاهد الفدائي في طابور الانتظار، بل أظنها أكبر وأبعد وأعصى من أن تُفرّغ على الورق، أو يُصورها أديب عملاق بريشته البارعة؛ إنها شعور إيماني، وحالة غرامية يعيشها الفدائي، ويعلم تفسيرها، بل يفسرها حينما يربط على نفسه الحزام الناسف، ويجعل من كل عضو في بدنه وردا یقدمها مرضاة لحبيبه ومولاه.

ولا يشاركه في هذا الغرام، وهذا الشعور الإيماني العجيب إلا مجاهد نذر حياته لله، وولّى على الدنيا وبهرجتها، وترك دفئ البيت ولمة الأهل، يخوض غمار هذه الحرب وذاك، يتفقد عن الشهادة، مقبلا غير مدبر، صادقا غير ذي عَوْج في عزيمته؛ حتى تشفي غليله رصاصة تتمكن في رأسه، أو تتغلغل في جسده فتسقطه شهيدا في أحضان أمنيته.

لايمكن أن يقاس هذا الشعور، وهذه الحال بمقاييس البشرية، وبالملذات المادية، كما لايمكن أن يقاس هذا الغرام بالحب والغرامات الرومانسية، فشتان شتان ما بين عشاق الحور وعشاق النساء الدنيويات، وشتان شتان ما بين الحور وبنات الفجور، كيف يمكن أن يفهم هذا الإحساس والشعور وكيف يمكن أن نتصور؛ إذ يرى المجاهد الاستشهادي كل ليل في منامه الحورَ فتناديه لتعانقه، فيحول دونها الأجل فيتقلب حسرة عليها، ويتلهف بفارغ الصبر للوصول إليها، فيصبح الصباحَ ويخوض المعركة من جديد؛ شوقا إلى الجنة، وحنينا إلى حورها، فيصل إلى مرامه قرير العين، أو يعود محطوما مكدودا، سكيرا للحور إلى غرفته، يتلهف ويتأفف إلى ما يلقى الله وهو شهيد، بل كيف يمكن أن یتمثل إذا يعاين المجاهد الحورَ قبل استشهاده بكلتا عينيه، لا في المنام بل حيا يقِظا، ساعيا على قدميه! فينادي بأعلى صوته في اللاسلكي، جاءت الحور! جاءت الحور! والله إني أراها قد حلقت فوق رأسه! والله إني أراها قد حلقت فوق رأسي! فيخفت صوته ويسقط شهيدا بين أحضان الحور.

سبحان الله! فهل يمكن أن يرى الإنسان الحور بعنيه، الحور التي جاءت وصفها في الحديث لو أطلت إطلالة في الدنيا لأشرقت ما بينها! ليست هذه قصة يا أخي ولا ذاك أسطورة بل هي حقائق تحشو أذاننا من كثرة ما نسمعها ونراها في خنادق القتال، وغرف الاستشهاد، وهذه الأخيرة حدثت في شهر الشعبان المبارك- في محافظة فراه، وقد رأيت الشهيد وحضرت في مجالسه غير مرة وسُجّل صوت هذا المجاهد ( الحافظ محمد نبي القرباني) المجلجل في اللاسلكي والله إني أراها قد حلقت فوق رأسي! وها هو صوته المسجل في متناول اليد نستمع إليه صباح مساء؛ ونزداد شوقا إلى الجنة، وهياما إلى حورها، فندخل المعارك صلب العود، وشديد الصمود، فنموت ونصل إلى أمنيتنا أو نرجع سالما غانما وقد أوقعنا الخسارة في عدوٍ لم يرقب فينا الإلّ ولا ذمة.

ففي هذه المدة التي كنت بين أبطال فراه وفي ساحات بشت رود رأيت هذه العقلية عن الشهادة مستحوذة على صغارهم وكبارهم، فإن سقط عن ثغرهم الشراب والطعام كان لايسقط عنه الشهادة، ولا ذكرى أخ، أو أب، أو صديق قضى نحبه شهيدا في الله، كان كل واحد منهم لديه ألف تذكار من الشهادة والشهيد، فإن تحاشيت بأحدهم ليقص لك عن الشهادة فما كنت تشبع عن قصصه، فإن كنت لا تفهم كلامه البشتوني؛ أقسم بالله لفهمت لسان مشاعره، ولأبكاك كلام أحاسيسه الحارة.

ذات ليلة بينما كنا نذهب إلى عملية إذ مررت بشيخ طاعن في السن ومعه سلاحه، ومنظاره الليلي، فتجاذبنا أطراف الحديث من كيت وكيت؛ إذا خاض في الحديث عن أبنائه الشهداء فقال ابني الكبير استشهد في عملية كذا وإن ابني الصغير مع أنه كان قرة عيني، وثمرة حياتي، اعتزم غير مرة لينفذ العملية البطولية ( الاستشهادية) فما تجاسرت لألبي بطلبه ضنا به؛ من شدة حبٍ كان بيني وبينه، فقلت له يا بني سأشتري لك سلاحا ذات منظار ليلي لتحارب معه فما تجاوب، وما رضي، فتعللتُ وتعللتُ لأصرفه. ولكنه كان أبيا على موقفه؛ حتى انشرح لي صدري أخيرا للسماح له، والرضوخ لطلبه، فنفذ عمليته البطولية في علوج الكفار، وأسقط منهم الكثير قتلى وجرحى. تقبله الله في شهدائه.

يا سبحان الله ما أعظم إيمان هذا الابن الفدائي! وما أكثر حبه للشهادة! وما أشدّ هيامه إلى الجنة! سبحان الله ماذا رأى هذا الغلام ليعشق الاستشهادي إلى هذا المدى، وليضحي بحب والده، ووالدته والناس أجمعين، وليطلق الدنيا ولمعانها ثلاثا لا رجعة فيه.

فكان هذا الشيخ الطاعن في السن يقص عن ابنه وفلذة كبده الصغير، وأنا أتأسف باكيا لحالي، ولحال أبناء جلدتي، والله نحن في وادٍ وهم في واد، نعيش نحن في عالم وهم في عالم أخر، فما أجمل عالم يصبح أهله على هدف، وويسعون غراما لهدفهم، ويمسون قريري العين، ومرتاحي البال، وأتأفف لحال هؤلاء الذين يطعنون في هؤلاء الأطاهر، ويسمونهم بغير مسماهم، والله ثم والله ما أرضخ أمريكا ولا خمسين دولة صليبية للجلوس على طاولة المفاوضة في ثرى الأفغان؛ إلا إيمان هؤلاء الغلمان؛ الذين يجعلون من كل ذرة في بدنهم قنبلة وصاروخا وينسفون بها عروش الصليبين التي بنوها على جماجم الشهداء، وأشلاء الأبرياء العزل من النساء، والولدان، والمشايخ.

ومن نافلة القول: إن هذا الأب رغم فقده ابنين من أبنائه شهداء في سبيل الله؛ لم يعطي الدنيئة في دينه، ولم يرض أن يكون أبناؤه مع الأنبياء والشهداء والصديقين في الجنة وهو يموت على فراشه بل شارك أكثر من عشرات العملية ليصاحب أبناءه في الجنة..

وهذه القصة وعشرات من القصص عن التضحية، وتجشم المشقات، شواهد حية عن حقية الجهاد وعن حقیة المجاهدين، وإن لم تكن هذه المميزات في جهادٍ، وإن لم يكن هناك حنين إلى الشهادة، وشوق إلى الخدمة، ومجازفة بالرأس، واقتحام في المخاطر، وإن كان هناك ضن بالنفس، وشحّ بالمال، وبخل بالابن، وتقاعد عن الخدمة، وفرار عن الشهادة، وتدافع في خوض المعارك، وتنصل عن الوظائف الشاقة، فخذلان من الله، ونفور من الشعب، وأخير جهاد من الصعب أن نسميه جهادا.

القصص الماتعة الممتعة عن الشهادة والشهداء، والجراحة والجرحى، والهجرة والمهاجرين، كثيرة سوف أكون معكم في الحلقة الآتية مع تلك القصص الرائعة الإيمانية، وانطباعاتي وتعليقاتي عليها إن شاءالله.