وكفى الشهداء كرامة…

سعد الله البلوشي

 

كفى الشهداء كرامةً أن تقرأ في حياتهم، فتحاول أن تغيّر مسيرة حياتك راساً على عقب، وتقوّم اعوجاجك، وتبدأ حياتك من جديد!

وكفى الشهداء كرامةً أن تقرأ في حياتهم، فتخجل ممّا قدّمته أنت للإسلام والمسلمين في هذا الزمن العصيب، زمن الشحّ بما تمتلك يد الإنسان من المال والجاه والمنصب والأولاد، فكيف بأغلى ما يملك المرء ألا وهو النفس والدماء!.

وكفى الشهداء كرامةً أن تقرأ حياتهم، فتدمع عينك، وتحسدهم على حياتهم الحافلة بالتضحية والجود والعطاء والكرامات!.

وكفى الشهداء كرامةً أن ترى أكبر العلماء والمفسرّين والوعّاظ وحملة الأقلام الصادقين، والمؤلفين المخلصين، يسألون الله سبحانه وتعالى أن يبلغهم منازلهم!.

وكفى الشهداء كرامةً أن الله سبحانه وتعالى لم يرض أن نحسبهم في عداد الأموات، فحذّر وقال: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ».[1]

وكفى الشهداء كرامةً أن يكونوا على بارق نهرٍ بباب الجنّة في قبة خضراء، يأتيهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشيّاً!.

وكفى الشهداء كرامةً أن يكونوا على أسرّةٍ في الجنّة!.

وكفى الشهداء كرامةً أن تكون أرواحهم في جوف طيرٍ أخضر، يرعى في الجنة حيث شاء، ثم يأوي إلى قناديل معلقةٍ في ظلّ العرش!

وكفى الشهداء كرامةً أن لايُفتنوا في قبورهم؛ لأنه كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة.

(إنّ الفتنة في القبر إنّما هي للاختبار ما عند الإنسان من حقيقة الإيمان والتّصديق(.

ولا شكّ أنّ من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندُر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، والنّاس بين قتيلٍ وجريحٍ وطريحٍ، إنّ من رأى ذلك فثبت ولم يُولّ الدُّبر، ولم ينهزم، وإنّما جاد بنفسه لله تعالى، إيماناً به، وتصديقاً بوعده ووعيده، إنّما يكفيه هذا امتحاناً لإيمانه، واختباراً له، وهذه هي الفتنة التي ما بعدها فتنة؛ إذ لو كان عنده شكٌّ أو ارتياب في ما عند الله لولّى الدّبر، وذُهل عمّا هو واجبٌ عليه من الثبات.

)يكفي للشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتّان).[2]

وكفى الشهداء كرامةً أن لايُصعقوا عندما يُبعثون من قبورهم، كما روى الحاكمُ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم: أنّه سأل جبريل عن هذه الآية {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}.[3] «من هم الذين لم يشأ الله أن يَصْعقهم؟».

قال جبريل: هم شهداء الله.[4]

وكفى الشهداء كرامةً أن لا يفضلهم الأنبياء إلا بدرجة النّبوة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القتلى ثلاثة: رجلٌ مؤمنٌ جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوّ قاتلهم حتى يُقتل، فذلك الشهيد الممتحن، في جنة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيُّون إلا بفضل درجة النبوة … ».[5]

وكفى الشهداء كرامةً أنه لايدخل الجنة أحدٌ ويحبّ أن يخرج منها، ولو أعطي ما في الدنيا إلا الشهيد، فإنّه يتمنّى أن يردّه الله سبحانه وتعالى إلى الدنيا، ليُقتل في سبيل الله، لما يرى من فضل الشهادة وكرامة الشهيد.

 

لفرح ربنـا بشرى لعبـد وجهه عفر
يقول الله: يا عبدي تمنّ علي بل واختر
فما تبغيه موجودٌ وما نعطيـه أكثر
يقول العبد: أرجعني إلى دنيـاي كي أظفر
وأقتـل فيك ثانية فقتلي فيك خير وطر
وقتلي فيك أمنية أحبّ إليّ من عنبـر
عسى ترضى بها عني كما القرآن قد أخبر
يقول الله لا رجعى فذاك اليوم قـد أدبر
ووعدي لست أخلفه وفي دنياك لن تظهـر
وقد قدمت ما يكفي لترضيني فلن أنكر
وقد قدمت يا عبدي وما قدمت لا يكفر
وجناتي ورضواني لعبد ربّه كبر[6]

 

(من نجوم الإسلام في بلاد الأفغان ص: 10-12)

[1] آل عمران: 169-171.

[2] تهذيب مشارع الأشواق إلى مصارع العشّاق، ص: 329.

[3] الزمر:68.

[4] رواه الحاكم في المستدرك: 2/253.

[5] رواه أحمد في المسند 4/185.

[6] ديوان القائد مروان حديد رحمه الله ص: 24.