لا يغرنك تَقَلُبُ الذين كفروا في البلاد

علي فريد

لو سألتني :
– متى هلك فرعون؟
سأقول لك : حين وُلد موسى !!
– ومتى هلك النمرود؟
– حين وُلد إبراهيم !!
– ومتى فُتحت القدس؟
حين وُلد صلاحُ الدين !!
ومتى حدثت مذبحة القلعة؟
– حين وُلد محمد علي !!

بُني الكون على نظام.. وذلك جَمالُه
وأُجرِيَ على قوانين وسُنن.. وذلك جلالُه
ولأن ربي لطيفٌ لما يشاء.. فإنه يُسبب الأسباب ثم يجريها لإمضاء إرادته الجميلة الجليلة .
لقد أراد إهلاكَ فرعون.. فخلق موسى !!
وبين ولادة موسى وإهلاك فرعون سنواتٌ من العذاب والألم والتمحيص لموسى ومن معه.. وسنواتٌ من الطغيان والظلم والتجبر من فرعون ومن معه !!

قد تتجلى أسبابُ سُننِ الله في عينيَ هُدهدٍ يُخبر عن امرأةٍ تملكهم، أو أسنان دابةٍ تأكل منسأة، أو لحم بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، أو بطن حوتٍ تؤوي نبياً ينادي في الظلمات، أو ولادة مولود يُذل اللهُ به من استذل قومَه !!
مُلكه، وخلقه، وقوانينه، وسُننه، ونظامه ..
كُلٌ شئ عنده بمقدار ..
ولا راد لمشيئته !!
وهو – جل وعلا – لا يعجل بعجلة أحدنا !!
قد يلوحُ لكَ النصرُ حتى لا يكون بينك وبينه إلا أن تمد يدك فتقطفه.. ثم يصرفه الله عنكَ بكَ ليبتليك :
” وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ” .

وقد تتخبط في أمواج اليأس حتى لا تجدَ قشةً تتعلق بها.. ثم يُخرج لك اللهُ من معينِ الغرقِ قاربَ نجاة :
” فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ “.
أسبابٌ لِسُنن !!
وسُننٌ تُهيأ لها الأسباب !!
لا عَبث هنا !!
” وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين “.

ليس مطلوباً منك إلا الفعل.. إن فعلتَ فقد انتصرت !!
لم ينهزم أصحابُ الأخدود رغم فنائهم.. ولم ينتصر صاحبُ الأخدود رغم بقائه !!
أنت لا تعرف أين يكمن النصر.. ولا أين تكمن الهزيمة !!
” ربما أعطاكَ فمنعك، وربما منعكَ فأعطاك، ومتى فُتح لك بابُ الفهمِ في المنع عادَ المنعُ عينَ العطاء” .
” لا يغرنك تقلبُ الذين كفروا في البلاد “، ولا يهولنك بطش الظالمين، فما هي إلا طرفة عين حتى ترى الظالمَ يُردي ذاتَه بذاتِه!!
يسعى الظالمُ – بعقله – إلى حتفه !!
” والله لا نرجعَ حتى نردَ بدرًا ؛ فنقيم بها ثلاثًا، ننحر الجزور، ونُطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً ” .
هكذا تَمَطَّع أبو جهل !!
أراد ( يومَ زينة ).. فأعطاه اللهُ إياه.. فانتهى جيفة عفنة في بئر بدر بعد أن نهشته سيوف معاذ ومعوذ ورويعي الغنم رضوان الله عليهم أجمعين !!

أفضلُ ما في النفسِ يغتالُها
فنستعيذُ اللهَ من جُندِه
ورُبَّ ظمآنٍ إلى موردٍ
والموتُ لو يعلمُ في وِرْدِه

لا تعرف القنبلةُ أن مقتلَها في انفجارها !!
ولا تعرف الرصاصةُ أن فناءَها في انطلاقها!!
هي قاتلة مقتولة.. وليست اليد التي تنزع الفتيل أو تضغط الزناد سوى سببٍ من أسباب السنن الكونية لتنفيذ إرادة الله !!
لن تنهزم إلا إذا أردتَ، ولن تنتصر إلا إذا أردتَ.. ودعك من المقاييس البشرية للنصر والهزيمة !!

ليس مطلوباً منك أن ترى النصر.. مطلوبٌ منك أن تحاول صنَاعَتَه، فإن رأيته فشفاءٌ للصدور، وإن عوجلت دونه فقد أعذرتَ أمام ربك .
لا تؤجل معركتك ولو لم يكن في يديك سوى يديك.. إن خَلَت يداك مما تظنه قوة لم يخل عقلك من القوة.. والقوة أنواع، فبأيها عاركتَ فأنت في معركة .
قَدَرُكَ ما لم تَبلُغْه، فإذا بلغتَه فاعتقد غيره.. واعلم أن وهم النجاح كوهم الفشل.. كلاهما فشل !!

ما تزالُ الأرضُ عامرةً
بالرفاقِ الثُقَّبِ الكُرما
ولماذا لا أشاهدهم؟!
أعظمُ الأخطارِ ما انكتما