التمكين في العصر الحديث

شؤون استراتيجية

 

دخلت قوات صلاح الدين مصر عام ٥٦٤ للهجرة وهي تحت حكم الدولة الفاطمية، وأصبح جيشه القوة الأكبر عسكريا فيها. ومع أن أهل العلم آنذاك أجمعوا على كفر العبيديين حكام مصر، ومع وجود حكومة موالية للصليبيين، إلا أن صلاح الدين وعمه أسد الدين شيركوه لم يستعجلا إسقاط النظام الحاكم، بل جاؤوا تحت شعار دعم استقرار البلد وحمايته من الثورات الداخلية وتآمر الإمارات الصليبية، ثم دخل صلاح الدين الحكومة وأصبح وزير الدولة لدى الخليفة العبيدي (العاضد)، بعد أن استعان بالفقيه الهكاري لاقناع كبار الأمراء بذلك. وهذه الخطوة جعلته جزء من النظام الحاكم، وهي الخطوة التي بدأ بعدها بمشروعه لإعادة مصر لمنهج أهل السنة بعد سنوات طويلة من حملات التشييع التي وقف العبيديون خلفها، فبدأ أولا بعزل القضاة الشيعة وعين مكانهم قضاة من أهل السنة، وأسس المدرسة الناصرية والمدرسة الكاملية لنشر علوم السنة، ومع مرور ثلاث سنوات اشتد نفوذه داخل الدولة فتمكن من إزاحة الوزير (شاور) أحد أهم أقطاب الحكومة الموالين للصليبيين. ثم استغل توقيت مرض العاضد فحول خطبة الجمعة باسم الخليفة العباسي إيذانا بإلغاء الخلافة العُبيدية التي استمرت لثلاثة قرون .

الخطوات التي اتبعها صلاح الدين في السيطرة على مصر تختلف عن الخطوات التي اتبعها الصحابة في فتحها؛ لأن اختلاف الظرف الشرعي والسياسي بين مصر القبطية تحت حكم المقوقس ومصر الشيعية تحت حكم العبيدي جعل ترتيبات التمكين الشرعي والسياسي تختلف؛ فالأولى استعمل فيها خيار الإسلام أو الجزية أو السيف، والثانية اعتمدت على بناء النفوذ والإصلاح من الداخل. وهذا التباين في أنماط التمكين لا يتكرر مع اختلاف الظروف السياسية أو الشرعية فقط، بل ومع تطور آليات التمكين كلما تطورت الحياة وثقافة البشر، فقد قال الله تعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكانكم فيه) وهو خطاب من الله لقريش بأنه جعل لقوم عاد من أسباب التمكين في الدنيا ما لم يجعله لهم، وهي المذكورة في قوله تعالى عن قوم عاد: (وزادكم في الخلق بسطة)، وقوله تعالى: (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)، فهذه الضخامة في الجسد والمسكن جعلت لقوم عاد تمكين وسطوة على بقية القبائل، إلا أن تطور آليات التمكين مع تطور الحياة لا يجعل لتلك الضخامة نفس التأثير، وإلا لما استطاع الرجل الأبيض استعباد الأفارقة الأشد منه جسديا، ولكنه مع تطور الحياة والآلة استخدم البندقية في صيد الأفارقة ونقل منهم ٩ مليون عبر البحر لخدمته في أمريكا. ومع تطور الحياة وثقافة الحرية أصبح أحد أحفاد الأفارقة رئيسا لأمريكا! وهكذا تتطور آليات التمكين كلما تطورت أساليب الحياة وثقافة الشعوب .

التمكين في العصر الحديث شأنه شأن بقية المجالات التي تطورت مع تطور التجربة البشرية، فكما أن فكرة الدولة نفسها قد تطورت وأصبحت مغايرة لما كانت عليه سابقا -كما شرحت في مقال (حروب العصابات السياسية)- فكذلك طبيعة التمكين قد تغيرت لتتوافق مع الدولة في العصر الحديث، فعلماء الإجتماع السياسي يطلقون اسم (دولة) على أي كيان إذا تحققت فيه ثلاثة شروط:

أولا – أن تكون السلطة فيه شرعية بالمعنى السياسي سواء بانتخابات أو بيعة.

وثانيا – أن تكون الحكومة قادرة على تقديم الخدمات للشعب.

وثالثا – أن تحظى الحكومة باعتراف دولي للتعامل مع محيطها وقبول الوثائق وجوازات السفر الصادرة عنها.

وهذه الشروط الثلاثة تجدها في أنواع الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية والملكية والإسلامية بنِسَب متفاوتة، إلا أن وصف وحقيقة اسم (الدولة) لا يتحقق في عصرنا الحالي إلا بوجود هذه الشروط ولو بحدودها الدنيا. ولذا لم يستطع الأكراد إعلان دولة كردستان حتى الآن لعدم وجود إعتراف أو قبول من أي قوة إقليمية تستطيع الاستناد عليها كتركيا أو إيران، مع أن مشروع الدولة يحظى بتأييد الشعب الكردي، ولديه حكومة إقليم تقدم خدماتها بشكل كامل. بينما تحققت هذه الشروط في حركة طالبان في التسعينات عندما أعلنت عن إمارة أفغانستان الإسلامية بعد مبايعة العلماء والقادة للأمير المُلا عمر رحمه الله، وبعد تأسيس حكومة لتقديم خدمات إغاثية بالدرجة الأولى بسبب الحروب السابقة، وبعد اعتراف باكستان والسعودية والإمارات بها، فتحقق الشروط بحدودها الدنيا مع حركة طالبان سمح لها بإعلان دولة بشكل واقعي. ونقص شرط واحد حرم الأكراد من إعلان دولتهم بالرغم من توفر جميع مقومات الدولة من شعب وجيش وحكومة وثروة نفطية وزراعية وحيوانية وغيرها.

مشكلة التيار الجهادي مع مصطلح التمكين تكمن في أنه يختصره في السيطرة المسلحة، فبعد أي انتصار عسكري في أي بلد يقرأ المجاهد قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)، فيقول الآن حصل التمكين، ووجب علينا إقامة الشرع؛ فيبدأ بتأسيس دور القضاء، ويشرع في تطبيق الحدود، وعندما يواجه باحتياجات الشعب المعيشية، وما يلزم الناس من أوراق ثبوتية تحفظ حقوقهم المالية من عقار وغيره وتمكنهم من السفر والتجارة مع الخارج، يقف عاجزا لعدم وجود حكومة معترف بها في الداخل أو الخارج؛ فيدرك حينها أن ما حدث هو تمكين عسكري وليس سياسي، وإقامة الدول لا تكون في العصر الحديث إلا بهما معا، فالتمكين السياسي دون العسكري كما حصل مع إخوان مصر واليمن، لم تنشأ عنه سلطة مستقرة. والتمكين العسكري دون السياسي كما يحصل مع التيار الجهادي، لا يقود لشيء كذلك وإنما تنعكس آثاره سلبا على صورة الشريعة الإسلامية في أذهان الناس عندما يَرَوْن أصحاب المشروع الإسلامي عاجزين عن إخراجه للواقع بصورة حسنة، وبذا تتكرس دعايات العلمانيين بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح لواقعنا المعاصر، فالخلل هنا لا يكمن فقط في أننا نطبق الحدود في مناطق الحرب والمجاعة كما في سوريا، مع أنها مخالفة لفعل الصحابة في الحروب ولتعطيل عمر للحدود عام الرمادة، بل الخلل في فهم درجات التمكين اللازم لإقامة دولة إسلامية. فمشكلة التيار الجهادي أنه يقفز لدرجة عالية من التمكين دون وجود أرضية لها، فينعكس ذلك سلبا على نجاح إقامة الشريعة، وخلفية هذا الاستعجال ترجع لاستخفاف المدرسة الجهادية بمصطلح (التدرج) الذي وصل حد التهكم ببقية المدارس الإسلامية التي تعتني به، مع أن التدرج سنة كونية، بل وكما قال الشيخ يوسف العييري رحمه الله (التدرج أكثر السنن الكونية ثباتا). فالمجاهدون كالعسكر يميلون للحلول الجذرية والحسم، ولذا يتجه الثاني دائما للانقلابات العسكرية، ويتجه الأول للانقلاب على الواقع، ولأن الانقلاب على الواقع أكثر صعوبة من الانقلاب على نظام حكم؛ نجد أن النجاح قد يحالف العسكر، ولكنه يبقى بعيدا عن أهل الجهاد المفرطين في سنة التدرج.

التمكين في العصر الحديث يحتاج من المجاهدين تحرك مشابه لما فعله صلاح الدين في مصر من بناء النفوذ والإصلاح من الداخل. ففي كل ساحة جهادية توجد العديد من الاتجاهات والحركات، والدخول معها في صراع على الحكم بهدف إقامة الشريعة قد يقطف نتائجه العدو المشترك، وقد يتحول لاستنزاف دائم للجميع بفعل الدعم الخارجي، ولذا أعتبر نجاح المجاهدين في تخطي أي عقبات تحول دون الدخول في الترتيبات السياسية مع بقية القوى تحت سقف شرعي مقبول هي أول خطوة حقيقية نحو التمكين في الواقع المعاصر، فاجتياز هذا التحدي يجعل ما بعده أيسر بعون الله.

والمتأمل في مراحل التمكين في السياسة النبوية يجد أنها مرت بثلاثة مراحل:

الأولى: مرحلة المرونة، وفيها حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الأمن الوجودي للمسلمين، فدخل بعضهم في جوار المشركين طلبا للحماية، وأمر بعضهم بالهجرة للحبشة، وقال لآخرين كما قال للعبسي (إرجع لديارك وإذا ظهرت فأتني).

ثم مرحلة التوافق مع القوى المحيطة، وتتمثل في وثيقة المدينة؛ أول وثيقة دستورية في التاريخ تنظم حقوق وواجبات أهل المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، في ظل سلطة شبه مشتركة. ويلاحظ هنا أن إزاحة اليهود من المدينة بعد ذلك كانت لنقضهم الوثيقة، وليس بسبب التوسع العسكري للمسلمين، ويلاحظ أيضا أن إزاحة مكانة زعيم المنافقين ابن سلول كانت بسبب إنفضاض الناس عنه بعد أن تمكن الإيمان فيهم، وليس بسبب أي مواجهة داخلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك ابن سلول يمارس زعامته ويخطب في الصحابه، ويرجع بثلث الجيش ويمضي يمينه وهو يعلم أنه كاذب؛ حفاظاً على حالة التوافق داخل المدينة ومراعاة للرأي العام (حتى لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه).

ثم جاءت مرحلة التمكين بعد مفاوضات الحديبية التي نتج عنها اعتراف القوة الإقليمية (قريش) بالدولة النبوية، ومع أن الشروط كانت ثقيلة على نفوس الصحابة، إلا أن الاتفاقية منحت الدولة النبوية تمكين سياسي فتح لها آفاق جديدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتصرف كرئيس دولة يستقبل الوفود ويرسل للملوك إلا بعد صلح الحديبية، ولذا سماه الله فتحا مبينا .

والله أعلم.