صورة أرشيفية

تقارير يوناما حول خسائر المدنيين في أفغانستان

جاوید علي خيل

 

يستغل المحتلون ملف خسائر المدنيين أسوأ استغلال، وذلك عن طريق اعداد تقارير انحيازية بين فينة وأخرى عبر منظمة “يوناما” التي تُحمّل المجاهدين مسؤولية معظم الخسائر المدنية، وتسعى لتبرئة المحتلين وعملائهم الداخليين، ثم يتم توظيف وسائل الإعلام لتُطبل لهذه التقارير وتوجّه أصابع الاتهام نحو المجاهدين.

إن يوناما ووسائل الإعلام تبالغ في أرقام خسائر المدنيين التي تنسبها إلى المجاهدين كما حدث قبل أيام في ولاية كابول بعد عملية إستشهادية استهدفت قسم الهندسة والدعم اللوجستي لوزارة الدفاع، ولكن وسائل الإعلام كانت تؤكد بوقوع إصابات بين المدنيين وأعلنت مقتل عدد من أطفال المدرسة القريبة من مكان التفجير، واتهمت المجاهدين بأنهم يستهدفون المدنيين والأطفال والمدارس.

وردّت الإمارة الإسلامية هذه الإدعاءات وقالت: بأن المدنيين لم يكونوا أبدا هدفا للهجوم، وإنما تهشّم زجاج المباني المجاورة مما أدى إلى وقوع إصابات بسيطة بين المدنيين، وقد اعترفت وزارة التعليم بعد يوم بأنه لم يُقتل أحد من أطفال المدرسة وإصاباتهم سطحية.

وقد كيّفت وسائل الإعلام الأمريكية الجو الإعلامي بحيث إذا أصيب أحد في الحرب تسعى لالقاء اللائمة على المجاهدين أيا كان المنفّذ من أطراف الصراع، ويصوّرون الطالبان وكأنهم البادؤون بالقتال، ولذلك لا يحمّلونهم مسؤولية الحرب فقط بل يطلبون الهدنة وإنهاء الحرب أيضا عن المجاهدين فقط.

تدخل مأساة أفغانستان عامها الـ 41، وتسبب طولها لأن يتفاعل شعبنا عاطفيا مع كل القضايا، وقد رقت كثرة المآسي قلوب الناس، وأدرك المحتلون هذه الحقيقة، ولذلك صدّروا ملف خسائر المدنيين في وسائل الإعلام، وأنسوا عن كثير من الناس المسائل المهمة والأساسية، وبدلا من أن يبحثوا عن عوامل الحرب الأساسية أخذوا مسألة خسائر المدنيين بجدية.

تعالوا لنناقش اليوم هذا الموضوع لنعرف الطرف الأساسي لخسائر المدنيين في الحرب الراهنة، والذي يكبد المدنيين خسائر كثيرة، ولنعرف أن أي الطرفين أكثر إجراما بحق الأبرياء العزل؟ لتتضح لنا حقيقة تقارير “يوناما” وانحيازها، هنا نناقش أولا فعالية “الطالبان” ومسؤوليتهم تجاه خسائر المدنيين ثم حال الطرف الآخر المحتلين والعملاء، حتى نجد جوابا للأسئلة المطروحة.

 

المجاهدون والخسائر المدنية

على الرغم من أنّ المجاهدين يُتّهمون في وسائل الإعلام بأنهم واصلوا قتل الأفغان وأنهم يقتلون المدنيين وما إلى ذلك من الإتهامات، ولكن من يتابع الملف الأفغاني يعلم جيدا أن الإمارة الإسلامية لم تترك حبل جنودها على غاربهم ليطلقوا أحكام التكفير على من يشاؤون، ويقتلوا من يشاؤون، وإن كل جندي من جنود الإمارة الإسلامية يخضع لدورة شرعية قبل الخوض في القتال، وإلى جانب المسائل المهمة الأخرى يتعلم الاحتياط في أمر الدماء، وتتم محاسبتهم إن ثبتت مخالفتهم لحدود الشريعة الإسلامية وضوابط القتال ولوائح الإمارة الإسلامية.

وكما لايخفى أن التساهل في أمر الدماء المعصومة فرع للأفكار الشاذة والعقائد التكفيرية ومعلوم أن مجاهدي الإمارة الإسلامية قيادة وأفرادا يتبعون منهج أهل السنة والجماعة ولا يحملون أفكارا شاذة وليست لديهم نزعات تكفيرية ولذلك يحتاطون احتياطا شديدا في أمر الدماء.

و جهاد أفغانستان الحالي هي الحرب التي تُنفَّذ فيها العمليات الجهادية باحتياط عال ودقة متناهية، ولذلك قلّت خسائر المدنيين فيها مقارنة بالحروب الأخرى.

ولعلكم تعلمون أنه قتل وأصيب مليون ونصف مليون أفغاني مدني خلال الأعوام الأربعة العشرة في الجهاد ضد السوفييت، كما قتل مليون عراقي خلال عدة أعوام بعد احتلال أمريكا للعراق، كما قتل أكثر من نصف مليون شخص في سوريا وهاجر أكثر من عشرة ملايين، ولكن جهاد أفغانستان الراهن والذي مضت عليه ثمانية عشر عاما حرب استثنائية من حيث الخسائر المدنية والهجرة والمعاناة العامة.

وحدة القيادة، وحيطة المجاهدين وحرصهم على محافظة أرواح المسلمين وممتلكاتهم، ورعايتهم لآداب الجهاد هي الأمور التي تسببت لتركيز العمليات الجهادية على العدو فقط، مما جعل عوام المسلمين في مأمن عن أذى الهجمات الجهادية، وأما الخسائر التي تلحق بهم حينا فحينا فأكثرها ناجمة عن الهجمات التي يشنها العدو لا المجاهدون.

إن طالبان يهتمون غاية الإهتمام بحماية المدنيين قيادة وأفرادا، إذ إننا لم نعهد بيانا رسميا من القيادة إلا وذكر فيه موضوع حماية خسائر المدنيين، وحثّ عامة المجاهدين على حماية أرواح الأبرياء وأموالهم، وإضافة إلى ذلك أنشأت الإمارة الإسلامية ضمن تشكيلاتها العسكرية إدارة مستقلة لمنع خسائر المدنيين، لها تشكيلات وخطة وأرقام خاصة لاستقبال الشكاوى، وتتابع هذه الإدارة يوميا عن كثب موضوع خسائر المدنيين، فإن تخلف المجاهدون وأوذي أحد في هجماتهم تتدخل فورا في الموضوع وتمارس صلاحياتها الإجرائية حول كل قضية.

والسبب الآخر لقلة خسائر المدنيين في الهجمات الجهادية هو أن المجاهدين يخططون جميع عملياتهم بطريقة لا تحتمل الخسائر المدنية، يدرسون بدقة حماية المدنيين قبل تنفيذ كل عملية إستشهادية، ويستخدمون المناظير والأسلحة المتطورة في هجماتهم، والسبب الوحيد لخسائر المدنيين في عمليات الجانب الجهادي هي العبوات والألغام الأرضية التي صارت تُحكّم فيها الآن بواسطة أدوات التفجير عن بعد وقلّت إحتمالية إصابة المدنيين فيها، كما أن ظروف الحرب وطريقتها تغيّرت وانتهت مرحلة حرب العصابات والمجاهدون يشنون هجمات تعرضية وهم الآن ليسوا بحاجة كبيرة إلى استخدام العبوات ولذلك فإن خسائر المدنيين في هجمات المجاهدين تُعتبر كالعدم.

 

خسائر المدنيين من جهة المحتلين وإدارة كابول

إنكم لو تابعتم وسائل الإعلام المحايدة مثل “آسيا اليوم” و”العزم” والصفحات الأخرى لاطّلعتم في قائمة الأخبار منها على أخبار خسائر المدنيين في هجمات المحتلين وعملائهم، ولا يصبح ليل ولا يمسي يوم في أفغانستان إلا وعشرات المدنيين الأفغان يُقتلون في غارات العدو ومداهماته، وهجماته الأخرى إطلاقه للنار العشوائي وقذائف الهاون التي يطلقها صوب المناطق السكنية.

و تشير التحقيقات والإحصائيات الجديدة أنه يُقتل كل يوم على الأقل أكثر من ثلاثين نفرا من الأفغان الأبرياء في هجمات العدو، يُداهَمون في منازلهم ويُقتَلون بدم بارد داخلها، وأثناء عمليات الدهم تُفجر منازلهم ودكاكاينهم، ومساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وتُنهَب ممتلكاتهم وتُسرق نقودهم، ومن بقي منهم حيا يُساقون في المروحيات ويزج بهم في الزنانين والمعتقلات.

والسبب الآخر لخسائر المدنيين هو القصف العشوائي وغارات طائرات دون طيار، وعندما تتكبد القوات الأمريكية والعميلة خسائر في الحرب في منطقة ما، يقصفون منازل المدنيين بلا تمييز، ويقيمون فيها المآتم والمجازر البشعة، وإضافة إلى ذلك تُشن غارات طائرات دون طيار في المناطق القروية الآن بشكل شبه يومي، وتحلق الطائرات دوما في سمائها، وتطلق صواريخها على من تشاء، وتخلف عددا من القتلى والجرحى يوميا، ووفقا للإحصائيات أكثر ضحايا الحرب المدنيين هم ضحايا طائرات دون طيار.

والسبب الكبير الآخر لخسائر المدنيين هي قذائف الهاون التي تطلقها العساكر الداخليون على المناطق السكنية، حيث إذا ما هوجمت ثكنة عسكرية في منطقة ما، يصوّب العملاء فوهات مدافعهم نحو القرى المجاورة ويرشقونها بلا هوادة وهذه الرشقات العمياوات تكبد المدنيين كل يوم خسائر نفسية ومالية جسيمة، وأحيانا تسبب قذيفة واحدة لقتل عدد كبير من الأبرياء كما حدث في هلمند أن سقطت قذيفة الهاون على حفل عرس وقتلت عشرات من الأطفال والنساء بما فيهن العروس.

وهذه الحقائق كلها تُثبت أن العامل الأساسي لخسائر المدنيين في أفغانستان هم المحتلون وعملاءهم، وإستراتيجياتهم الوحشية وغاراتهم اللاإنسانية وانسلاخهم عن أخلاق الحرب، ونظرا إلى هذا فإن يطالب أحد إنهاء الحرب والهدنة فليطالب القتلة المحتلين وأذنابهم الذين أشعلوا نيران الحرب، ومن كان يهتم بحماية نفوس الشعب الأفغاني وأموالهم فليعرف العوامل الأساسية لخسائر المدنيين وليشمر عن ساعديه لتفاديها، وعلى سبيل الفرض لو تخلى المجاهدون عن الحرب لا تنتهي خسائر المدنيين لأن القاتل هو الطرف المقابل والذي يتحمل مسؤولية أكثر من 90% من خسائر المدنيين وجرائم الحرب، ولذلك يجب التفاعل الواقعي مع ملف خسائر المدنيين بدلا من التفاعل السطحي حتى يعرف العالم العوامل الأساسية لإصابات المدنيين.

فالمحتلون وعملاؤهم هم مرتكبو الجرائم في حق المدنيين ولكن للأسف الشديد يوناما ظلت ساكتة وغامضة عينيها عن الجرائم والمجازر التي ارتكبتها وترتكبها أمريكا في أفغانستان، فلا نكاد نجد ذكر المحتلين في تقاريرها على الرغم من أنها متوغلة في جرائم الحرب وأيديها ملطخة بدماء الأبرياء العزل.