كلمات مبعثرة عن الشهداء (۳)

غلام الله الهلمندي

 

كنت في طريقي إلى معسكر الأسلحة الثقيلة لأول مرة عندما سجّلت اسمي. لم أكن وحيدًا، كنت مع الأستاذ المؤقت للمعسكر «صارم». في أثناء الطريق توقفنا هنيهة في مركزٍ للمجاهدين لأداء صلاة العصر. التقيت هنا لأول مرة معه، وتعرفت هنا لأول مرة عليه، على ذلك الشاب الاستشهادي المتحمّس، الشاب المتدفق بالإيمان والحيوية، المليئ بالنشاط والحيوية، الشاب الذي نشأ وترترع على طاعة الله وحب الإسلام، الشاب الذي تطفل على مائدة القرآن، الشاب الذي لم يكن يحلم بشيء سوى الشهادة، سوى أن يُقتل، لكن بعد أن يَقتل، بعد أن يقتل عددًا كبيرًا من أعداء الإسلام، المحتلين والمرتزقة، الشاب الذي كان يحب أن يسيل دمه في سبيل الله، يحب هذا أكثر من أي شيء في الدنيا. فالشهادة كانت أحلى أحلامه. رأيت عددًا لا بأس به من المجاهدين يتعطشون للشهادة؛ ولكن لم أرَ أحدًا يتعطش مثله؛ فإنه كان يحب الشهادة حبًّا فائق العادة، إنما كان يتململ طلبًا للشهادة، إن صح التعبير. كان قد دخل حب الشهادة إلى أعماق قلبه وجرى منه مجرى الدم.

إنه أبو حمزة، الذي كان يسمي نفسه في البداية، بـ«مهدي»، الشاب الذي كان في مثل سني، ذو قامة متوسطة تميل إلى الطول شيئا،‌ ذو لحية قصيرة ذات شعيرات عدة فقط، بالضبط مثلي، ذو عينين لامعتين تدوران بالسرعة يمينًا وشمالًا، وتدلان على ذكائه، الشاب الذي يتابع أخبار المجاهدين متألمًا، ينتظر الفرصة المناسبة بشوق بالغ، عندما تسنح له الفرصة، يغمر الشوق قلبه، ويحمل حقيبته بالفور، ويطير إلى غايته، يطلب الموت في مظانّه، الشاب الذي كان قد قطع مسافات شاسعة في طريق برافشا، آلاف الكيلومترات، نعم آلاف الكيلومترات، وليس مبالغة، استغرق سفره عدة أشهر، ولكنه لم يتعب، فإن الإنسان العظيم لن يتعب أبدًا في سبيل مبادئه وعقائده وقيمه، وإن الإنسان العظيم يتطلع إلى المعالي، يتطلع إلى الغايات العظيمة، ولا يبالي بما يصيبه في سبيل نيل الغاية، قطع هذه المسافة بطولها حتى يقف بجانب الأمة، عند أشدّ أوقات الحاجة.

 

كانت حياة ذلك الشبل بأسرها عجيبة والله. إنه كان يصوم كل أيام الأسبوع غير يوم واحد، كان يستريح يومًا واحدًا فقط، ولا إخال أن ينام ليلا عن قيامه، كان ملتزما بقيام الليل، عاكفًا على تلاوة القرآن الكريم، لم أسمعه يومًا يغتاب أحدًا، ولم أجده يومًا يؤذي أحدًا، لم يكن يضحك إلا قليلًا، لكن البسمة لا تكاد تفارق شفته، البسمة التي كان يحسبها صدقة يبذلها في سبيل الله.

لم تر عيني أعبد منه ولا أزهد ولا أتقى قطّ، لا أقل في مثل سنه، كان يقوم الليل أكثر من نصفه تقريبًا، كان من أطيب الناس قلبًا ومن أقل الناس حديثًا ومن أهدأ الناس سمتًا، وكان قد حفظ عدد كبيرًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أهم ميزاته أنه كان يهتمّ بسنن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشكل مبالغ فيه. ذات يوم ذهبت إلى مركزهم لأزورهم، ذهبت قبل صلاة العصر، فلما حان وقت الصلاة المحدّد، قام بالفور للصلاة وطلب مني أن أقيم الصلاة، ولم ينتظر الإخوة الذين كانوا مشغولين بالطبخ. قلت له: انتظر قليلا، ريثما يلتحق الجميع بالجماعة، ولكنه أبى، أبى إلا أن يصليها في وقتها المحدد، وقال: «هذا لن يكون، فإن الصلاة على مواقيتها تعدّ من أفضل الأعمال»، أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ متن الحديث الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلا قال لابن مسعود: أي العمل أفضل، قال: سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الصلاة على مواقيتها، قلت وماذا يا رسول الله قال: وبرّ الوالدين، قلت وماذا يا رسول الله قال: والجهاد في سبيل الله.» رواه الترمذي

إن هذا الشبل كان قد تربّى في أسرة مؤمنة محافظة متمسكة بالدين، أسرة تتألم لواقع الأمة المأساوي في مشارق الأرض ومغاربها، أسرة تتوجع لآلام الأمة وتبكي لبكائها، أسرة تعيش مع الأمة، تعيش كجزء من جسد الأمة، فإن المؤمنين كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر.

كان يؤثر كلَّ أحد على نفسه في كل شيء، لا أنسى تلك الليلة، إحدى ليالي آخر حياته. أتانا ضيوف، كان قد صبر ليأخذ كل أحد له لحافا، من غير أن أشعر أنا، فلم يبق له شيء. عندما علمت بالخبر، أردت أن أعطيه لحافي؛ ولكنه أبى إلا أن ينام بدون لحاف، كم أصررت، كم التمست، ولكن دونما جدوى، لم يأخذه أبدًا. نعم، لم يأخذه حتى أتألم وألوم نفسي لأجل هذا الفشل بعد بضعة أيام، بعد شهادته. كم لُمتُ نفسي: لماذا لم أستطع أن أستجلب رضايته؟ لماذا لم أستطع أن أخدمه ولو بإعطاء لحاف، ولو مرة واحدة طوال حياتي؟ لماذا صادفتُ الفشل؟ أسئلة ملحّة علي بالطرح، أسئلة توجّع ضميري حتى اليوم.

لكن مع كل ذلك، كان الرجل شحيحًا، شحيحًا فائق العادة، لا غرو، فإن الإنسان الناجح يشِحُّ بوقته، ويستغل فرصه، لا يقتلها هدرًا، نعم كان شحيحًا بالنسبة لوقته ليس بالنسبة لمتاع الدنيا الذي لا قيمة له مطلقًا ضمن قاموس الإستشهاديين. كيف يمكن أن يكون شحيحًا يضنّ بالمال وقد فرّ من الدنيا فرارًا وترك حبلها على غاربها.

كان – رحمه الله – قوي الشخصية، فولاذي العزيمة، مستقل الإرادة، هل يستطيع الإنسان الضعيف أن يقطع آلاف الكيلومترات دفاعًا عن عقيدته ومبادئه يا ترى؟ هل يستطيع الإنسان الجبان أن يسجّل في كتيبة الإستشهاديين لأجل دعم قضية يؤمن بها؟

منذ اللقاء الأول، دخل حبُّ الرجل قلبي، كان يسكن في مركز قريب منا، على بعد خطوات، كنّا نلتقي يوميًا، ثم ذهب أصحابه جميعًا إلى خاشرود، لم يبق منهم سوى أبي حمزة وأبي عبيدة والشيخ خالد (رحمهم الله جميعًا)، هؤلاء بقوا مكرَهين، رغم أنوفهم. نظرًا لقلة عددهم، فكانوا يبيتون الليلة في معسكرنا.

خلال هذة الفترة الذهبية، تجلّت لي صفات ذلك الشاب الخلوق من التواضع ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة الصمت وحسن السمت، وخلال هذه الفترة غير الوجيزة، قويت الصلة بيني وبينه أكثر من ذي قبل، الفترة التي كانت تقطر حبًّا، إي والله. كم اشتقت لتلك الفترة الذهبية يا إلهي!! الفترة التي مضت بلا رجعة. كم اشتقت لتلك السُفْرة البسيطة التي كنا نمدّها، ونأكل عَشاءنا في ظلمة، دون أن نشغل ضواية خوفًا من الطيران، لتلك السُفْرة التي كانت تضم الشهداء حولها، استشهد جلّهم واحدًا تلو الآخر، لم يبق على قيد الحياة من الذين كانوا يأكلون حولها غيري أنا وأخ آخر (الله يحفظه ويطوّل عمره) كانت السفرة تضم الشهداء حقًا، أبا حمزة، أبا عبيدة، الشيخ خالد، ياسر، الشاب الذي صار أستاذًا في صنع موادّ الإنفجار، وزرع الألغام، وأبلى حسنا فيما بعد، أعظم طارق الاستشهادي الذي كان قد وصّى زوجته بأن تسمي وليده من بعده ب«أعظم طارق»، محمود ذلك الطفل الاستشهادي البطل الذي كان يخال نفسه رجلا، رغم طفولته. كذلك كان، أثبت بأنه لم يعد طفلا، أثبت خلال عملية استشهادية بأنه رجل، ليس رجلا فحسب، وإنما أثبت بأنه «كان يختفي في ثيابه أسد هصور» ، الأستاذ عبد الله، جرجاني وإخوة آخرين نسيت أسماءهم للأسف.

كنا جميعًا فتفرقنا، مهلًا! لم نتفرق بحمد الله عقائديًا، لم نتفرق فكريًا، ومنهجيا وسلوكيًا، وإنما فرّقتنا الشهادة، كل أحد استشهد في بقعة، وسارع إلى السماوات العلى، سارع إلى لقاء ربّه. «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا». نعم، لم نبدّل تبديلا في منهجنا وعقيدتنا وسلوكنا، ونسأل الله أن يثبّت قلوبنا على دينه! ونسأل الله أن يجمعنا في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار!

هؤلاء الذين أسميهم بالأساتذة، كانوا حقا أساتذة، أساتذة في صنع المواد المتفجرة، كانوا قد بلغوا إلى الدرجة الأستاذية في البطولة والفداء.

يا سبحان الله! رحلوا جميعًا، رحلوا وتركوني وحيدًا، أعيش مع ذكرياتهم بعد ما ينيف على عشر سنوات، وأكتب عنهم، أكتب باكيا حينًا وضاحكا حينًا، أبكي لفراقهم وأضحك لنِكات كنا نمرّ بها ونضاحك.

هؤلاء هم أبطال الإسلام، هؤلاء هم الأحياء، الذين عند ربهم يرزقون، هؤلاء هم الذين يشقّون طريقهم إلى الخلود، هؤلاء هم الذين يطلّون إلى الأبدية، فإنهم أناس لا تنتهي حياتهم عند موتهم، ولكن حياتهم مستمرة.

كنا نغيّر وقتها مكاننا يوميًا في معظم الأحوال، خاصة في الليل، كنا في حالة انتقال دائم، لم نكن نبيت الليل في مكان قضينا فيه النهار. كان يتمّ هذا التغيير خوفًا من الطيران، حتى لا يتبين مكاننا، لكن كنّا ننتقل للمببت إلى مكان قريب، وكنّا نذهب كالعادة مشيًا على الأقدام، كل أحد كان يحمل لحافه ويصل إلى المكان المعين بالفور، غير شخص واحد، يتأخر دومًا، نعم، إنه أبوحمزة، الرجل العابد الزاهد الذي كان يشتغل بالنوافل والتلاوة بشكل دائم، ولا يضيّع من وقته دقيقة، لو رأيتَه لخِلت أنه يقضي آخر دقائق عمره، ثم يذهب لعمليته التي طالما حلم بها، العملية الاستشهادية، قلت لكم: «لم تر عيني أعبد منه قط». إنه كان يشتغل بقيام الليل. وفي بعض الأحيان كنت أبحث عنه تحت جنح الظلام، داخل السكك المظلمة، عندما كان يتأخر.

وأما قصة شهادته: كيف استشهد وكيف نعي لأسرته وكيف تلقت أسرته نبأ الشهادة على عكس ما كان يخال الناعي…

يتبع.