الافتتاحية: سر انهزام الجيش الأمريكي في أفغانستان

أيما قوة لا تتسلح بعقيدة تردعها عن الظلم، ولا تلتزم بأخلاقيات الحرب، ولا يوجد أحد يأخذ بيدها ويمنعها عن العدون؛ فإنها تفعل الأفاعيل، متغطرسة بقوتها متجبرة بعدوانها تقتل وتقصف، وتبطش وترتكب من المجازر والانتهاكات ما يندى له جبين الإنسانية.

لأنها ترى نفسها صاحبة الحق المطلق في الاعتداء على نفوس الآخرين وأموالهم وآرائهم ومقدساتهم. وللأسف فإنها -بفضل هالتها الإعلامية- تظهر نفسها المصلح الأمين والمنقذ المعين وتوجه أصابع الاتهام نحو الآخرين.

إن المحتلين الأمريكيين تستروا في البداية بأقنعة المساعدة والإنسانية. وما مثل الجيش الأمريكي إلا كذئب تنكر بزي الغنم، جاء إلى أفغانستان بحجة محاربة الارهاب واستتباب الأمن، جاء رافعا شعارات الديموقراطية والحرية والإنسانية، ولكن سرعان ما سقطت الأقنعة واتضح للأفغان أنه الذئب المعتدي، وقد ارتكب من الفظائع والفجائع في أفغانستان ما يشيب لهوله الولدان وتقشعر لبشاعته الأبدان.

ولو أردنا أن نحصي جرائم وانتهاكات الجرائم لاحتجنا إلى مجلدات كبيرة وأسفار عظيمة، فلا زالت البلاد خاضعة لوحش الاحتلال الأمريكي الذي ينسج كل يوم فصلا جديداً من الجرائم والانتهاكات ويذيق الشعب الأفغاني المسكين الويلات.

هذا هو العدو اللئيم الذي لا يراعي أي قانون، ولا ينضبط بضوابط، واستباح كل شيء وعاث في الأرض فسادا واستهدف تجمعات المدنيين: حفلات الأعراس، وجموع المصلين وحشود الجنائز، ومجالس العزاء، وفجر المنازل ودمر الأسواق التجارية وأباد القرى وأقام المآتم في بلاد المسلمين.

والله إنها لغاية الجبن والهلع أن تقتل أطفالا بدم بارد، وتطلق الصواريخ على مستشفى يُعالج فيه المرضى، أو تستأسد على شعب مضطهد منكوب.

لن ننسى الأشلاء المتفحمة، فأنتم الذين ارتكبتم مجزرة زنكاوات، ومجزرة عزيز آباد، ومجزرة قندوز، ومئات المجازر الأخرى التي ارتكبتموها في أنحاء البلد خلال السنين الماضية.

وهذا هو سر انهزام أعتى القوى العالمية في حرب أفغانستان؛ لأنها ساقطة أخلاقيا لم تلتزم بأخلاقيات الحرب  ولم تعامل خصومها بمبادئ الإنسانية، ولم تعرف شرف الخصومة، مع أنها أخذت بجميع أسباب الانتصار المادية وغيرت الإستراتيجيات والجنرالات واستفرغت قوتها، وجربت ترسانتها العسكرية.

كيف ستنتصر قوة تهين المقدسات، وتحرق المصاحف وتستهزئ بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وتكتب كلمة التوحيد على صورة كلب؟

كيف سيكسب الحرب من يتبول على أجساد الشهداء ويخلع ربقة الإنسانية من عنقه؟

كيف سينتصر من يصب جام حقده وغضبه على جثامين القتلى؟

كيف يمكن لمن يلتقط صورا تذكارية مع أجساد الأطفال القتلى أن يكسب الحرب؟

لا يُمكن أن ينتصر من يمثّل بأجساد الشهداء ويقطع أصابعهم ويحتفظ بها معتزا بفعلته وكأنّه نال بطولة.

كيف يُتوقع أن تنتهي الحرب لصالح من يتلذذ بقتل المدنيين عبر أزرار لوحة تحكم الطائرات بدون طيار وكأنه في ساحة لعبة إلكترونية، أو تعوّد على إطلاق النار على النساء وإزهاق نفوس الأطفال في عمليات المداهمات وقتلهم بدم بارد؟

أبدا، إن ذلك لا يمكن، إن ذلك لا يمكن.