دار افتاء أشرف غني

رضوان الكابلي

 

أصدر رئيس إدارة كابل، أشرف غني قبل أيام مرسوما لإنشاء مركز افتاء حكومي تحت اسم”دارافتاء جمهورية أففانستان الإسلامية”. وكلف خلال هذا المرسوم وزارة العدلية بتوظيف جميع طاقاتها لإنشاء لائحتها وتقدير ميزانيتها وتحديد مجالات نشاطها.

إن هذا الدستور أثار أسئلة لدى الخبراء والمعنيين بقضايا الافتاء والمؤسسات الدينية، تتطلب إجابات واضحة. ماهو الهدف الأساس من إنشاء هذه الدار، ولماذا إنشاؤها في هذه الظروف وهل لها سابقة في البلاد والحكومات الإسلامية الأخرى وماهي نتايجها؟

لاشك أن الحكومات في مسار التاريخ بذلت أقصى ما في وسعها من الطاقات للسيطرة على المؤسسات الدينية وهيئات ودور الافتاء وذلك بهدف تكميل هيكل السلطة التامة على جميع جوانب المجتمع وإخضاع الفتوى لصالحها. وإعطاء تصرفاتها صبغة دينية.

هاهو التاريخ الإسلامي السالف والمعاصر مليء من هذه المحاولات التي مارستها الحكومات والأنظمة القمعية المستبدة للسيطرة على المؤسسات الدينية ودور الافتاء.

لكن التحفظ الشديد للعلماء تصدت دون نجاح هذه المحاولات. وإن تحمل الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله مشاكل السجن من حلقتان من سلسلة مقاومة العلماء لحفظ استقلالهم ومن ثم استقلال أمانة الفتوى.

أما في العصر الحديث مع ميلاد الدولة الحديثة وتأميم أملاك الأوقاف في كثير من البلدان الإسلامية غابت حرية انتخاب العلماء ومشايخ الفتوى. وبات العلماء قسمين؛ الأول: أعضاء المؤسسات الدينية الرسمية وهم تابعون للسلطة بشكل كامل وأصبحوا لجان دينية للحزب الحاكم. أما القسم الثاني: فهم العلماء المستقلون أو المعتقلون في السجون أو المنفون. يقول الدكتور أحمد الريسوني: كل معين من قبل سلطة سياسية سيكون خاضعا لها.

تاريخ أفغانستان يحمل في طياته عدة مواقف حكومية من هذا القبيل ذلك لمايحظى به الدين والمؤسسات الدينية من التأثير العميق على حياة الشعب الأفغاني. منها بادرة النظام السوفييتي السابق إلى إدارة الشؤون الدينية وتفويض إدارتها إلى علماء موالين لها.

لاشك أن الإسلام لايقبل الانفصال عن السياسة والحكومة، لكنه في نفس الوقت لايقبل استغلاله من جانب الحكومات لتوجيه تصرفاتها التعسفية والقمعية. لذلك قام العلماء المستقلون بإنشاء دور مستقلة وبعيدة عن الحكومة للإفتاء وتقديم الحلول الشرعية للقضايا المستجدة. ومن جانب آخر بدأ العلماء جهادا طويلا لتقريب السياسة إلى الشريعة وتشكيل حكومة إسلامية تطبق الشريعة في حياة الشعب.

سبقت أن سيطرت بعض الدول الإسلامية على دور الافتاء وتسييس المؤسسات الدينية في الآونة الأخيرة. المشاهد من هذه المؤسسات هي الموافقة التامة لسياسات حكوماتها شرعية كانت أو غير شرعية.

أما إدارة كابل منذ تأسيسها حاولت السيطرة على المؤسسات والمدارس الدينية وتسلم دفة الفتوى كسلفها السوفييتي. لكن الفرق الأساسي بينهما أن السوفييتيين انتهجوا سياسة قمعية حيال الدين ورجالها أما الأمريكان وعملاؤها انتهجوا سياسة منعطفة. وإن أشرف غني في استخدامه الرموز الدينية من الأذكياء.

وكان تأسيس دار حكومي للافتاء من مشروعاته الهامة منذ نجاحه في الانتخابات. لكن الظروف لم تساعده على التطبيق.

وفي العام الماضي خطى الخطوات الأولى في هذا المجال. وذلك بعقد اجتماع كبير يضم عددا لابأس به من العلماء وإصدار فتوى الصلح. وقد طبعت من قبل إدارة كابل ووزعت في الإدارات والمؤسسات الحكومية وغيرها. مباشرة بعد ذلك أرسل وزير الحج والأوقاف إلى إحدي البلاد العربية للاستفادة من تجاربهم في تسييس نظام الفتوى في تلك البلد. وقد صرح الوزير السابق للحج والأوقاف في لقائه مع مفتي تلك البلاد: إن الحكومة الأفغانية تسعى لإنشاء دار افتاء مركزية في أفغانستان لتواجه التيارات المتطرفة التي تقدم قراءات وفتاوي غير صحيحة عن الدين الإسلامي.

وقد استلفت مرسوم أشرف غني نظر الإعلام داخل البلاد. كتبت جريدة “ماندكار” اليومية: إننا لانستطيع أن نفهم نيات وأهداف أشرف غني من تأسيس دار الأفتاء.

لكن بنظرة عابرة إلى سيرته السياسية نفهم أنه ليس رجلا مقيدا بتقاليد الدين حتى يؤسس دار إفتاء للإجابة إلى حاجة الشعب إليها. بل إنه رجل سياسي مغرم بالسلطة وطالب للقوة. لذلك نرى أن معاملته مع جميع المنظمات الجديدة والقديمة تنطلق من مسار القدرة. ألم نره عقد انتخابات مزورة وأدارها لتنتهي إلى بقائه في قمة القوة. ومن جانب آخر نراه يلبس لباسا محليا ويقلب بيده مسبحة ذاهبا إلي المسجد ويؤدي صلاة خاطئة. أليس ذلك للبقاء على الحكم والحفاظ على ثقة المسلمين. مع ذلك كيف يمكننا أن نثق إلى دار افتائه! وكيف نصدق أنه يهدف من تأسيس هذه الدار خدمة الشعب الأفغاني المسلم؟

من أين نعلم أنه بعد من تأسيس الدار لايصبغ تصرفاته الساسية بصبغة الدين ولايلصق فتوى “محاربة الله ورسوله” إلى مخالفيه؟ من أين نفهم أن هدفه ليس جلب حماية العلماء في الانتخابات وذلك للنفوذ الواسع الذي يملكه العلماء في الشارع الأفغاني؟

خلاصة المقال أن التقصي في نيات أشرف غني من تأسيس دارالافتاء يدفع بنا أن الرجل يريد استغلال نظام الفتوى لأهدافه السياسية. وهذا الهدف خطر على اعتبار ومستقبل الفتوى في البلاد. لذلك ينبغي للعلماء المستقلين أن يقوموا بدورهم للتصدي له.