وهكذا أبدى الشرعن ناجذيه!

عرفان بلخي

 

يوم كانت مباحثات سلام في فترة مخاض فقال زلمي خليل زاد أن واشنطن وحركة طالبان “أوشكتا على التوصل لاتفاق” ينهي 18 عاما من النزاع وكتب على “تويتر”: “نحن نوشك على إبرام اتفاق من شأنه أن يخفض العنف ويمهد الطريق للأفغان من أجل الجلوس معا للتفاوض على سلام دائم”. واعتبر خليل زاد في تغريدته أن هذا الاتفاق سيساعد في تعزيز “أفغانستان موحدة وذات سيادة لا تهدد الولايات المتحدة أو حلفاءها أو أي دولة أخرى.

لكن ألغى الرئيس الأحمق دونالد ترامب،المفاوضات التي استغرقت تسعة شهور وأكثر وذلك باسناد ذريعة إعلان الامارة مسؤوليتها عن الهجوم في كابل والذي أسفر عن مقتل جندي أمريكي واحد و11 من العملاء الآخرين. وعندما أعلنت “الامارة الاسلامية” مسؤوليتها عن الهجوم. فكتب ترامب على صفحته في “تويتر” أنه ألغى على الفور المحادثات، وقال متجبرا: “إذا لم يكن باستطاعتهم الاتفاق على وقف لإطلاق النار خلال محادثات السلام….ويقتلون 12 شخصا بريئا، فحينئذ ربما ليس لديهم القوة للتفاوض على اتفاق مجد بأي حال”.

في نظر المحللين والخبراء ماكان الغاء المباحثات بسبب تبني الطالبان الهجوم المؤمئ اليه ولكن وراء خطوة ترامب العاجلة عوامل أخرى جمة ومنها رفض زعماء الامارة الاسلامية الذهاب الى كامب ديفيد قبل توقيع المعاهدة لأن ترامب كان يعتزم عقد اجتماع سري مع “زعماء” الامارة ومع اشرف غني في مجمع رئاسي في كامب ديفيد بولاية ماريلاند فجن جنون الترامب بعد رفض زعماء الامارة حضورهم فأعلن إنهاء المباحثات فورا.

حقا إنه فرعون الحقبة المعاصرة وطاغية زماننا لأن الطُّغيانَ: هو”تَجاوزُ الْحدِّ في العصيان، ويقال أنَّ الطاغية يرى لنفسه جواز ما يُتِيح له ارتكابَ الفظائع والفضائح. فهذا هو ترامب الذي يغرد كل يوم بتغريدة، يرعد ويزمجر وقال بعد أيام من الغاء المباحثات:”قتلنا خلال أربعة أيام الف عناصر من طالبان وسنقوم بالهجمات أكثر فتكا وسنستخدم قوة عسكرية لم يسبق ان استخدمتها الولايات المتحدة على مر التاريخ، ولا اتحدث هنا عن القوة النووية”.

نحن ندرك إنه يسير في تغريداته على خطى ابو جهل الذي قال يوما:”لا والله لن نذهب إلى مكة، بل سنبقى في مكاننا هذا مدَّة ثلاثة أيام تغني لنا فيها القيان، وتُذبحُ لنا الجزور، حتى يتسامع العرب بأنَّ قريش قوة لن تغلب، ودولة لن تقهر، فنحن نعلم ماذا فعل بهم غرورهم ذاك؟!

وهكذا يكون مواقف الفراعنة في أحقاب الدهر ومن فطرة كل فرعون، طاغية وظالم انه يظن أن لديه امكانيات يستطيع أن يسحق بها جماجم المعارضين وهذا هو نموذج العبد المتأله وكذلك كان فرعون موسي عليه السلام حيث أعلن بوقاحة تامة اغتياله لحرية الاختيار لجماعة مؤمنة في أن تفئ الي مولاها الحق بعد أن أكرهها على عبادته من دون الله لذا ليس عجبا أن يرفع سوطه الغليظ ينذر ويتوعد بالويل والسحق والثبور إنه لايعلم إن النفس البشرية المؤمنة حين تدرك حقيقة الإيمان، تستعلى على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة والفراعنة، إنها لا تقف لتسأل:ماذا ستأخذ وماذا ستدع؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك ؟.. لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق.وهكذا تمر قوافل البشر من لدن آدم إلى الآن والى يوم القيامة وستكون النتيجة المتوخاة هزيمة الطغاة والظالمين وانتصار الحق وأصحابه ونحن نرى اليوم بأم أعيننا فشل استراتيجية ترامب وهزيمة أمريكا الغاشمة وهناك شهود من أهلها يؤيدون ما ندعيه وعلى سبيل المثال:

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن وولت بعد الغاء المباحثات، يقول فيه إن الحرب التي مضى عليها 18 عاما، وقتل فيها آلاف الجنود الأمريكيين، وأنفقت فيها مليارات الدولارات، لم تحقق شيئا، وعلى أمريكا الخروج منها. ويشير الكاتب إلى أن “كل ما يتم نقاشه الآن سواء في المحادثات مع حركة طالبان، أو ما يكتب في صفحات الرأي، هو حجم ورقة التين المصممة لتغطي الفشل الاستراتيجي الذريع، بعد 18 عاما من الحرب، وآلاف القتلى ومليارات الدولارات التي تم تبذيرها”.

ويذكر الكاتب أنه وغيره حذروا طوال السنوات الماضية من أن الظروف لمكافحة الإرهاب وبناء الدولة لم تكن موجودة منذ البداية في أفغانستان، “فالبلد معزول وفقير وجبلي، ومنقسم إلى عدد من الجماعات الإثنية المتعددة، وهو بلد لا توجد فيه تقاليد ديمقراطية، ولديه تاريخ طويل في مناطق الحكم المحلي المستقلة، ويمقت سكانه التدخل الأجنبي، وفيه حكومة فاسدة عصية على العلاج، بالإضافة إلى أن ضخ مليارات الدولارات إلى البلد فاقم من المشكلة، فيما ظل جيشها عقيما رغم الجهود الطويلة التي بذلت من أجل بنائه”.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: “في الوقت الذي يجب ألا تتوقع فيه أي دولة الانتصار في حروبها كلها مهما كانت نواياها، فإنه على الأقل يجب أن تحاول دولة عظيمة التعلم من أخطائها حتى لا تكررها في المستقبل، والنصيحة: عليك ألا تأخذ نصيحة في السياسة الخارجية من أشخاص ثبت خطؤهم مرارا وتكرارا، وبهذا المعنى فإن رحيل جون بولتون من البيت الأبيض قد يكون خطوة في الطريق الصحيح”.

نعم إننا نعلم إن الخسارة الفادحة لأمريكا وسمعتها في مثل هذه الحرب، لا تمثل شيئًا لترامب الذي يحسب قراره بحجم التكلفة المادية لـ18 عامًا من الصراع، صرفت فيه الولايات المتحدة مبالغ خيالية للقضاء على حركة المقاومة الاسلامية، فبين عامي 2010 و2012، عندما كان للأمريكيين نحو 100 ألف عسكري يقاتلون في أفغانستان، بلغت كلفة الحرب نحو 100 مليار دولار سنويا، حسب الأرقام التي نشرتها الحكومة الأمريكية. وبينما حوّل الجيش الأمريكي تركيزه من العمليات العسكرية الهجومية نحو تدريب وإعداد القوات الأفغانية، انخفضت التكاليف بين عامي 2016 و2018، إذ بلغ الانفاق السنوي نحو 40 مليار دولار. ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد الامارة الاسلامية في عام 2001، تكبدت القوات الامريكية 3600 قتيلا ونحو 20،500 جريحا. ولكن هذه الخسائر الأمريكية لا تقارن بالخسائر التي تكبدها المدنيون والعسكريون الأفغان.فهذا اشرف غني يصرخ إن أكثر من 45 ألف من العسكريين الأفغان قتلوا منذ توليه منصبه في عام 2014.

إن الامارة الاسلامية تفاوض العدو الغاشم ولكن ترامب يلغي عملية السلام في توقيت حل فيه الجانبان بعد اقتحام عقبات كل المسائل العالقة وكانا على وشك توقيع اتفاق للصلح والسلام والامارة الاسلامية تبدي مرة أخرى استعدادها للسلام وقد نشرت بعد الالغاء على موقعها فقالت: إن للإمارة الإسلامية سياسة ناضجة وموقف غير متزلزل، لقد نادينا للتفاهم قبل عشرين سنة وموقفنا اليوم أيضا هو نفسه ثابت ولم يتغير، وأننا على يقين بأن الجانب الأمريكي سيعيد لنفس الموقف مرة أخرى.

إن كفاحنا طوال السنوات الـ 18 الأخيرة لابد وأن أثبت لأمريكا بأنه من غير إنهاء احتلال بلادنا بشكل كامل وترك الأفغان لإرادتهم فإننا لن نقتنع بأي شيء آخر غير ذلك أبدا، ومن أجل هذا الهدف العظيم نستمر في جهادنا وعندنا إيمان راسخ بالنجاح النهائي. حقا إن شعبنا:

قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجِذَيه لهم

طاروا إليه زَرافاتٍ ووُحدانا

وقال الله تعالى: (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ).

صدق الله العظيم.