طالبان أنموذج حي من الجهاد الإسلامي المثالي

محمد داود المهاجر

 

جمعت إمارة أفغانستان الإسلامية، بين الجهاد الإسلامي والسياسية الشرعية، وسلكت في ذلك الوسطيةَ والاعتدال، عازلة من أول يومها الإفراطَ والتفريط، والتكفير والتفسيق، وإباحة الدم، وقتل النفس بغير الحق.

ظهرت هذه الحركة بعد ما اندلعت نيران الفتن، والحروب الأهلية، والقتال فيما بين الأفغان، إثر اقتتال الفصائل الجهادية على سدة الحكم – بعد انسحاب القوات السوفياتية- كمجموعة منظمة تهدف إخماد الفتن، وتهدئة الفوضى والبلبلة، وتحكيم شرع الله على أرضه.

فاختارَ مجاهدوها – منذ إعلان الحرب على الفساد – مسلكَ الاعتدال والوسطية، فلم يكفّروا أحدًا، ولم يبيحوا دمَ أحد إلا بحق الإسلام.

ظهرت إمارة أفغانستان الإسلامية وكانت الدماء تقطر وتسيل في كل ضاحية من البلد، وكان الظلمُ ألقى بنا رواقه وأغشيته، وبسط خيوطه في طول البلد وعرضه؛ وكانت ظلمات بعضها فوق بعض، وفتن سود خلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح.

ظهرت الإمارة الإسلامية في حين أصبح المجاهدون السابقون فرائس ودمى في أيدي العابثين بالدين، والمستهزئين بالجهاد؛ إلا من شاء الله. يساقون إلى حروب ومعارك دامية لايعلم القاتلُ فيم يَقتل ولا المقتول فيمَ يُقتل، وذلك هو الهرج!
ظهرت الإمارة الإسلامية وسطع نجم المجاهدين الصادقين، ليلهم كنهارهم، ونجومهم بوازغ، وتستقبلهم الأمة الأفغانية خاصة والأمة الإسلامية عامةً، بأحسن حَفاوة وأكرم وِفادة. وفي الحقيقة ما قامت حركة فحسب؛ بل قامت نهضة تعمّ البلاد والقرى، تتزعّمها طالبان؛ أي علماء خبراء، مجاهدون سابقون، خيرة عباد الله، الذين جاهدوا في ساحات النضال والقتال، طيلة العقود السالفة، مُتعِبين أنفسهم في جهاد الروس وأذنابهم.

نعم، إنهم ظلوا عاكفين على دروسهم الدينية، بعد أن انطفأت نار الحرب ضد أفاعي الشيوعية، ولم يدخلوا حربا داخلية طائفية، ولكنهم لما رأوا أن أحكام الشريعة صارت معطلة ومهجورة، والجهاد بعد انسحاب قوات الاحتلال السوفييتي، ظل بابا للظلم على الناس وسرقة أموالهم، ولم ينل المجاهدون منيتهم السامية من الجهاد، عندئذ بدأ الإمام العبقري والمجاهد البطل، أميرالمؤمنين الملا محمد عمر المجاهد، بعد المشاورة مع رجال كبار، وعلماء ربانيين، حركةً سريعة لمصادمة هذا النظام القائم على الجور والفسوق، وأوقد نار المعارضة للظلم وأخذ الثأر للمظلوم.

كانت تلك الحركة المباركة تخطو خطوات سريعة وجادة نحو الرقي والازدهار وقمع المسلحين الفسقة، واستقبله الأفغان بأسرها من جميع الأقوام والملل بحفاوة وأحسن وفادة، حتى فتحوا البلاد كلها نحو خمس وتسعين في المائة.

إن طالبان بعد هيمنتهم على البلاد واستيلائهم على الأمور، أحيوا الأحكام الشرعية ونفّذوها بحسب ما بدا لهم وبقدر مااستطاعوا؛ اقتصوا من القتلة، رجموا الزاني والزانية المحصنين، قطعوا أيدي السرّاق ولم يتخلّفوا عن أهدافهم السامية، ومبادئهم الإسلامية قيد شبر، حيث دمّروا تماثيل بوذا القديمة، القائمة منذ مئات سنين والعالمُ مصرّين على إبقائها آثارا من القدماء!

 

طالبان ومن مكتسباتهم في المرحلة الأولى:

– تمكن مجاهدوا الإمارة الإسلامية أن يجمعوا الأفغان بأسرها من جميع القوات والأقوام والألسنة المختلفة تحت راية واحدة باسم الإمارة الإسلامية وانحلت الأسماء والأحزاب التي ظلت تسيطر على الناس لاستجلاب منافعهم المرموزة. وهذا هو من أبرز ما جاء في سجل أعمالهم.

– الإمارة الإسلامية التي أسسها طالبان استطاعت أن تحكم على البلاد بالشريعة الغراء، التي كانت خامدة طيلة القرون الماضية وعلى تعاقب الأعصار والأجيال منذ أمد بعيد.

– كانت الإمارة الإسلامية ضربة قاضية على الأزمات الداخلية والحروب الدامية، التي شهدتها البلاد خلال الفترات والعقود السالفة، واستطاعت أن تُخمد نار الفسق والفجور بشكل عام، التي كانت لفحاتها تمسّ المستضعفين من الناس ليل نهار، صباحا ومساء.

– أنقذت الإمارة الإسلامية بلدنا وشعبنا الأفغان -التي كانت على شفا حفرة – من الانهيار السياسي، والتقسيمات الجغرافية، والمعارك الدامية التي كانت مشتعلة لأغراض أجنبية، تحطّم قوات أمتنا في أمور لا طائل فيها.
– نشأت الإمارة الإسلامية مستقلةً بأماني شرعية وتنشد مبتغاها ولم تكن مَطيّة ذلولة للأجانب والأغيار المستغلّين للأمم والأحزاب، كما هو بمشاهدنا اليوم لبعض الحركات.

– حطّمت الإمارة الإسلامية تماثيل بوذا التي كانت هي من رموز الوثنية وعبدة الأوثان ومعارضة لتوحيد أمتنا المسلمة، رغم كل العوائق والأزمات وضغوط لا مثيل لها، دون أي مخافة في الله لومة لائم.

– ظلت الإمارة الإسلامية دارًا آمنا ومعدنا من معادن الفروسية وعُرُن الأسود، ملجأ للنازحين والنازلين من البلدان الأخری من المسلمين والمستضعفين.

– استطاعت الإمارة الإسلامية تقليل وخفض زرع المخدرات إلى درجةِِ نحو الصفر، وهو رقم معجِب ومثير للاستغراب حيث لم تسطع أرُوبا وأمريكا بأسرهما أن يقللا منه شيئا يسيرا خلال عقدين، بل ازدادت المخدرات سيرا مدهشا!

– أصبحت أرض أفغانستان رغم كل المآسي والتجارب السيئة في التعسف على الآخرين، أرضا آمنة ذات سكينة وسلامة. تسطيع عجوز ضعيفة تحمل معها آلاف من النقود وتظعن حيث شاءت وتنزل. حيث اعترف بهذا الأمر الأعداء قبل الأصدقاء، وأصبح أمرا ناصعا لاغبار عليه.

– تعلّم العالمُ من الإمارة الإسلامية بأن هناك أمرا من الدين أهملته الأمة بأكملها وأصبح نسيًا منسيًّا، أمرا لاعهد لأحد به من قبل في القرون القريبة؛ نعم، ألا وهي إقامة شرع الله على أرضه وهو من رأس الأمور ومكتسبات طالبان الرفيعة.

– لقد واجهت الإمارة الإسلامية أكبر طاغية على وجه الأرض وأعظم تكالب وتحالف عالمي واختيرت بين أمرين، أمر الله وأمر بوش ومن سلك مسلكه. بين أن يسلّم مسلما لاجئا ورفقته بحجة مزعومة أو تدَكّ وتقصَف وتمحى – بزعمهم – من الأرض؛ واختارت الإمارة ما أمر الله به وحكم؛ فلم تسلّم مسلما بغير ذنب ثابت إلى عدو متغطرس، واستقبل المآسي وما قدر الله، بالصبر والصمود واليقين بوعد الله؛ وانسحب بعد ما قُصف الشعب المسلم قصفا شديدا لامثيل له، كي تبدأ حرب عصاباتٍ، متيقنا بأن وعدالله حقٌ وآتٍ، ليس ببعيد؛ والعاقبة للمتقين.

 

الإمارة الإسلامية والمكتسبات في المرحلة الثانية:

– صارت الإمارة الإسلامية وحيدة مخذولة، خذلها الأصدقاء خاصة والمسلمون كلهم عامة؛ ولكنها استطاعت طيلة مدة يسيرة أن تجمع شملها وترصّ صفوفها وتتأهب وتعدّ عدة وعتادا مّا، كي تخوض الحروب الصليبية، بما تملك من نفس ونفيس ولم تأل جهدا رغم الظروف القاسية وأصبحت الآن لاتزال يوميا في نماء وازدهار.

– أوقعت الإمارة الإسلامية بمكافحتها المحتلين خلال ثمانية عشر سنة الرجاءَ في نفوس أبناء أمتنا والثقة بالجهاد والصمود تجاه القوات المحتلة وأن الأمر الوحيد الذي تعيد لنا عزّنا هو الجهاد والرباط، والصبر على جمر المخاوف والثبات في وجه المحتلين.

– فتحت الإمارة الإسلامية بجانب المعارك الدامية واقتتالات شرسة، بابَ المفاوضات والمباحثات مع العدو الصائل، حينما دقّوا وطبّلوا فتح باب فيها، وانقادت لأمر الله العزيز [وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ].

أظن أن الإمارة الإسلامية هي من أكبر النهضات الإسلامية، المقاتلة وغيرها، لها ميزات خاصة وتفوق بالنسبة للآخرين وإن كانوا أقدم منها زمنا وأوسع منها نفوسا، وأوفر منها نقودا ولكنها يقودها خبراء، علماء، مجاهدون في سبيل الله منذ عقود، ذووا تجارب وحِكم في هذا السبيل، وأبطال الميادين وخطوط النار المقدمة، وأثبتوا أخيرا تفوقهم في السياسة أيضا، عند ما انسحبت أمريكا من التفاوضات وصارت تُولي دبرها خاسرة خائبة، صفر اليدين ولا أظن أحدا يخالفني.

فالإمارة الإسلامية أنموذج حي وأسوة حسنة لأبناء أمتنا وزعماء النهضات الإسلامية من كانوا يريدون إقامة شرع الله والخلاص من ظلمات الجهل والاحتلال السياسي والاقتصادي ومسوّلات الشياطين.

إن للإمارة الإسلامية آثارا باقية ثابتة في الأرض وفي النفوس والهمم الضئيلة وشمسها طالعة مرة أخرى، بازغة مشرقة، وأكبر من ذي قبل، وصار فجرها مستطيرة في الأفق، يبدو بياضها ويُسمع دويّ: أليس الصبح بقريب؟ بلى، واللهُ على كل شئ قدير.