وليمة عرس أصبحت مأتمًا

أبو فلاح

 

کأن الأصابع قد أصیبت بالشلل! ماذا بها لا تستطیع الحِراك، والقلم بینها أسیر قلق، لا یدري ماذا حدث؟ لا یدري بماذا أصیبت الأصابع، إنها لا تتحرك کما السابق، ولا تخلي سبیل القلم أیضا! والقلب مفجوع متألم، والنفس متوجعة مرتبكة، والصدر یعلو ویهبط، والجرح کاد یفتك بالحشی، ویشقّ القلب، والدمع لا یکاد یجف، ویجري علی الخدّین دون توقف!! ولا یسمح الحزن لي أن أجرّ القلم علی القرطاس!

کأن الکلمات قد اختفت، والألفاظ قد انجمدت! أسوق الحروف سوقا إلی المعاني فتنکرني وتحجم، ما هو السبب وراء کل ذلك؟ لعل خطبا جسیما ألمّ بساحتنا!

نعم لا یحدث في الدنیا حدث بلا سبب! لا یجري دمع دون سبب! اطلعت قبل قلیل بأن أطفالا أبریاء من أرض الأفغان قد طاروا بالأمس (23 سبتمبر) إلی السماء، بأیدي الإحتلال المجرمة الطاغیة الغاصبة، الأیدي التي لا تجید إلا قتل المدنیین الأبریاء، الأیدي التي تصبّ جام غضبها علی الأطفال والنساء والشیوخ دائما، نعم قُتل الأطفال الأبریاء والنساء والشیوخ بلا هوادة، قتلوا جراء قصف الطیران الأمیرکي، خلال عملیة مشترکة للمحتلین والعملاء، حدثت هذه الکارثة الإنسانیة خلال مراسم حفل عرس في مدیریة “موسی قلعه”، حدثت في غمرة الإحتفال بالزفاف، في خضمّ السرور والألعاب، في قعر الضجیح والصیحات ، في وسط جري الأطفال وقفزهم، نعم تغیر کل شیئ، انقلبت الحیاة رأسا علی عقب في غضون دقائق.

کم من أحلام طفولیة ساحرة فتّانة دُفنت تحت التراب! کم من شفاه باسمة تَرِبت وجفّت للأبد! کم من آمال عريضات تلطخت بالدماء! کم من أماني لذیذة دیست تحت وطأة الرعب والذعر، کم من ابتسامات بریئات نهضت من عمق القلب، وفي غضون لحظات تلاشت! کم من أرواح بریئة طارت إلی بارئها بدم بارد! کم من استغاثات طفولیة لم تجد مغیثا وذهبت هباء!

إنها مجزرة إنسانیة من أبشع المجازر في ظل الصمت التام من الإعلام العالمي، مجزرة ارتکبت علی مرأی ومسمع من العالم مثل المجازر السابقة والمجازر الآتیة، مجزرة یمر بها الإعلامیون کما العادة مرور الکرام، مجزرة لو حدث مثلها في إحدی بلاد أدعیاء حقوق الإنسان لقامت الدنیا ولم تقعد، لیست هذه أول مجزرة ولن تکون کذلك آخر مجزرة، مادام أقدام المحتلین النجسة تطأ أرضنا الطاهرة، یتکرر هذا المسلسل التراجیدي یومیا مادام ظل الإحتلال یغشی البلاد، ویتعرض الشعب للتقتیل والسلب والأسر والدمار والإعتداءات والتجاوزات السافرة، مادام یعیش الشعب تحت رأیة الإحتلال النجسة.

تبکي الهلمند الیوم علی فلذات أکبادها، بل تبکي بلاد الأفغان بأسرها علی أبناء الوطن! أقامت الضمائر الحرة کلها مأتما علیهم وعویلا. هنا بکاء وصراخ ودموع وآهات.‌ أضیف جرح غائر آخر في قائمة جروح هذا الوطن الجریح، لن تضیع هذه الدماء سدی، لن تذهب بإذن الله هدرا، إن هذه الدماء ستجري في یوم من الأیام، وتصبح سیلا عارما یغرق فیها المحتلون وأعوانهم.

نعم، إنهم أدعیاء الدیموقراطیة الذین یدّعون أنفسهم فقط حماة عن حقوق الإنسان، ولکنهم في الواقع ذئاب العصر ومدمنو الجرائم ضد الإنسانیة. إن قتل الأبریاء دون شك، دیدنهم وشغلهم الشاغل، یقومون به لیل نهار، فقد بدأت الضربات الجویة الأمیرکیة تستهدف مراسیم عرس منذ وقت مبکر، وتحدیدا خلال الأشهر الأولی من قدوم الإحتلال المشؤوم، ولکنها قد وصلت في الآونة الأخیرة إلی مستوی غیر مسبوق، یتم کل هذه المجازر ببن الفینة والأخری بحق الشعب بهدف إخضاع الشعب للمشیئة الأمیرکیة وبثّ روح الیأس فیه، ستمضي هذه الأیام، وقد مضت علی الشعب أیام أکثر شدة ومرارة وظلاما، ولکن هذه الأرض التي حازت عن جدارة واستحقاق لقب “مقبرة الإمبراطوریات” لم تستسلم أبدا. سیؤلي هذا الظلام الحالك، وسیشرق فجر النصر بإذن الله عن قریب، فإن طول اللیل لا یروّعنا، ووعورة الطریق ووحشتها لا تمنعنا عن الإستمرار في طریق الحق والإستقلال والشریعة.

ومن الجدیر بالذکر أننا لو نظرنا إلی القضیة من زاویة أخری، نلاحط أن هذه الجرائم ضد الإنسانیة التي یرتکبها المحتلون بین الحین والآخر ضد شعب أعزل قد تصبّ في مصلحة الشعب، قد تخلف آثارا إیجابیة أیضا، فإن الشعب یزداد إیمانا وتأکدا بعداوتهم وهمجیتهم، واقتناعا بضرورة إخراجهم من البلد، وضرورة إزالة العملاء من السلطة أکثر من ذي قبل.

لا داعي للقلق، لأنه یعیش في بلاد الأفغان أسود یأخذون بثأر القتلی ویأخذون حقهم في أقرب وقت، ولا یترددون في ذلك، أسود لا ینامون علی الضیم والعار، أسود سیلاحقون المجرمین إلی جحورهم بإذن الله.