صورة أرشيفية

هل من لبيب يعتبر

أبو فلاح

 

قد بات مسلّما به لدى الكثيرين أن أمريكا لا تقيم وزنًا لأي أحد من حلفائها أو بالأحرى من عملائها إلا حسب مصالحها، فهي إنما تعبد مصالحها لا غير، هذه طبيعتها التي لن تغيير، هذه شيمتها التي لن تتبدل. إنها تستخدم الشعوب الفقيرة دائمًا كدروع بشرية، وتستغل الدول الحمقاء، وتوظفها لأجل مصالحها، وتحقيق أهدافها الاستعمارية أو السياسية أو الاقتصادية، وتتخلى عن حلفائها، وتتركهم أذلة مهانين خاسئين بمجرد أن تنال هدفها، وتحقق غايتها، والتاريخ القريب مليء بالنماذج.

إن التاريخ الأمريكي الأسود حافل بالغدر والخيانة للحلفاء. المشكلة ليست في الرئيس الحالي، دونالد ترامب فحسب، ليست المشكلة في شخصيته المتعجرفة المتغطرسة الطائشة، بل هناك سياسة عامة غير إنسانية لدى الإدارة الأمريكية، سياسة تعكس خيانة الإدارة لحلفائها واستخفافها بهم، وخاصة إذا كان الحلفاء مسلمين أو متأسلمين تحالفوا معها على حساب شعوبهم، وفقدوا إزاء عمالتها حاضنتَهم الشعبية.

ليس عند الأمريكان قيم ولا مبادئ، إنما قيمهم ومبادؤهم كلها تنحصر في المصلحة، ليس عندهم حلفاء، إنما حلفاؤهم مصالحهم ولا غير.

 

ما قيمة الناس إلا في مبادئهم *** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب

 

إن التاريخ الأمريكي يشهد بأن أمريكا قد تخلت عن الحلفاء طوال تاريخها، تخلت عنهم عندما حققت غايتها أو ربما عندما فشلت في تحقيق الغاية؛ لقد تخلت عن عملائها وجواسيسها بعد أن استيقنت بفشلها في الحرب الفيتنامية، وتركتهم يواجهوا مصيرهم المحتوم.

وكذلك تلكّأت أمريكا في القيام برد فعل قوي على الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية لبعض حلفائها التاريخيين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا مقابل هذا التحالف، والذين رأوا خيانتها لهم رأي العين أكثر من مرة.

وأعلنت أمريكا بصراحة عندما رأت الهجمات التركية وشيكة، الهجمات التي استهدفت الأكراد، أعلنت “أن القوات الأمريكية لن تدافع عن الأكراد في مواجهة الهجمات التركية في أي مكان”. لقد تخلت عنهم في هذه المرحلة الحرجة والحساسة، وسحبت جنودها من شمال سوريا، وتخلت عن الأكراد الذين طالما خدموها، وطمعوا في حمايتها لهم عند الحاجة الماسة إليها، ولكن أمريكا خيّبت ظنهم دونما تردد وتلعثم.

 

سيأتي ذلك اليوم المتوقع عما قريب بإذن الله، اليوم الذي تتخلى فيه أمريكا عن إدارة كابل، عن هؤلاء العملاء المتفانين في سبيلها، والخونة المخلصين الذين يعتبرون أمريكا المدافعة الوحيدة عنهم.

انتبهوا وعوا يا هؤلاء، إنهم لا يدافعون عنكم، إنما هم يدافعون عن مصالحهم، إنهم لن يقفوا مع أي أحد، إذا لم يجدوا فيه مصلحتهم. أمريكا لن تفي بوعودها، فإنها قد جُرّبت ثم جُرّبت، وتجربة المجرّب خطأ وتضييع للوقت، ومن جرّب المجرّب حلّت به النّدامة.

(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). نعم، إنهم لن يرضوا عنكم أبدًا، هذا مستحيل، فإن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قد أخبر بذلك بكل تأكيد.

فويل ثم ويل لدولة تُرضي الأمريكان وتخدمهم بكل صدق وإخلاص على حساب الشعب المسلم، إنها ستتلقى حتما صفعات قوية على وجهها مقابل الخدمات التي قدمتها لهم، وهذا لا يعد غريبا في سياسة أمريكا، فمن كانت عمالته أعمق، كانت صفعته أقوى.
ليت شعري متى يتعظ هؤلاء العملاء، ومتى يفهموا هذه المعادلة، ومتى يدركوا بأنهم مجرد عملاء ارتضوا بالذل والهوان، مجرد تابعين مسلوبي الإرادة، مجرد دمى في أيدي الأمريكان، متى يدركوا بأن أمريكا لا تقيم لهم وزناً، ستتركهم يوما في العراء، حيث لا ينفع الندم، وهذه عاقبة كل دولة تثق بالأجانب بدلا من شعبها، وتستمد قوتها من الخارج بدلا من الداخل، إنها العاقبة المحتومة، أو للدقة الصفعة القوية التي تنتظر كل عملائها.